تمر ذكرى نصر أكتوبر، وتمر معها أسئلة وجودية عن الذاكرة والهوية والانتماء. في السادس من أكتوبر 1973، عبر الجندي المصري قناة السويس وحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر. لم يكن ذلك حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان نقطة تحول فارقة في الوجدان المصري والعربي. أعاد النصر للشعب المصري ثقته بنفسه بعد سنوات من الإحباط، وفتح الطريق نحو استعادة الأرض والسيادة. ومنذ ذلك اليوم، صار أكتوبر علامة على أن المصريين قادرون على صناعة المستحيل عندما تتوحد إرادتهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو كيف نتعامل مع هذا الإرث العظيم ومع رموزه، في زمن أصبح فيه البعض يهيل التراب على أبطالنا بدلاً من أن يرفعهم قدوة للأجيال. لم يعد خافياً أن هناك من يتعمد الإساءة إلى رموز نصر أكتوبر، بدءاً من الرئيس الراحل أنور السادات، صاحب قرار الحرب، وصولاً إلى القادة العسكريين والمقاتلين الذين ضحوا بأرواحهم. هذا التشويه لا يأتي من فراغ. إنه نتاج حالة من الدونية النفسية تجاه إنجازات الوطن، أو نتاج أجندات خارجية تهدف إلى هدم الانتماء الوطني لدى شبابنا وإضعاف ارتباطهم بتاريخهم.
لقد كشفت وقائع عديدة أن جماعة الإخوان الإرهابية، و بعض مدعي الناصرية بالتعاون مع جهات اعلامية يعملون وفق خطط ممنهجة لهدم ذكرى الانتصار العظيم بل و التشكيك في النصر ذاته، و للأسف لم يتوقف هؤلاء عن محاولاتهم الاجرامية هذه في كل ذكرى للنصر و كأنهم يشاركون العدو أو يعبرون عنه.
و بدلا من الاحتفال و الفخر يتم تقديم روايات تنتقص من قيمة النصر المصري، وتروج لمصادر مشككة في حقيقة ما جرى خلال الحرب. بل وصل الأمر إلى محاولة طمس معالم النص، و ذلك لأن العدو و أتباعه يدركون جيداً أن هذا النصر هو أساس قوي في توطيد العلاقة بين الجيش والشعب.
محو نصر أكتوبر ليس مجرد جريمة في حق الذاكرة الوطنية، بل هو محاولة ممنهجة لتقويض ركيزة أساسية من ركائز الهوية المصرية.
فهل من حق من يحمل الجنسية المصرية أن يسب صاحب قرار الحرب في 1973، سؤال يضعنا أمام مفارقة أخلاقية وقانونية. من الناحية القانونية، هناك سوابق قضائية تؤكد أن الإساءة إلى رموز الدولة، وخاصة الرئيس الراحل أنور السادات، ليست عملاً حراً بل جريمة يعاقب عليها القانون. صدرت أحكام قضائية بإدانة صحفيين لنشرهم صوراً مسيئة للرئيس السادات، معتبرة ذلك إساءة لسمعة البلاد وخرقاً للقيم المجتمعية. كما ألزمت المحاكم بعض من أساءوا إلى السادات بدفع تعويضات لأسرته. لكن السؤال الأعمق هو هل من حق أي مصري أن يسب الرجل الذي صنع النصر العربي الوحيد على إسرائيل. من يسب السادات لا يسب فرداً فحسب، بل يسب قرار الحرب ذاته، ويسب الجيش الذي نفذ هذا القرار، ويسب الشعب الذي ضحى من أجل النصر، ويسب التاريخ نفسه. سب صاحب قرار الحرب طعن في الذاكرة الجماعية، ومحاولة لإلغاء لحظة النصر من الوجود. المطالبة بمحاكمة كل من يسئ إلى صاحب قرار الحرب في 1973 ليست مطالبة بالانتقام، بل هي مطالبة بحماية الذاكرة الوطنية من العبث.
هل ندرك أنه عندما يُهدَم تمثال لزعيم وطني، أو تشوه صورة بطل، أو يساء إلى رمز من رموز النصر أو الثقافة أو غيرها، فإن الضرر لا يقع على الرمز نفسه، بقدر ما يقع على الأجيال المتتالية التي تُحرَم من القدوة ومن النموذج الذي يحتذى به.
حذرت دراسات عديدة من أن إزالة رموز الأبطال أو تشويهها تترك أثراً نفسياً عميقاً على أسر الشهداء والمجتمع ككل، و أشارت إلى أن الأجيال الجديدة التي تنشأ في ظل غياب القدوة الوطنية تجد نفسها فريسة سهلة للشائعات والمعلومات المغلوطة التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. صناعة القدوة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة ملحة لتعزيز الهوية والانتماء ومواجهة الأكاذيب التي تستهدف وعي الشباب. الاحتفاء بالأبطال وتكريمهم وطباعة صورهم على الملابس ورسمهم على الجدران ورواية قصصهم في المدارس كلها وسائل مبتكرة لترسيخ قيم التضحية والفداء في نفوس الأبناء.
ومن المثير للدهشة أن نرى كيف تتعامل الولايات المتحدة مع رؤسائها الذين ارتكب بعضهم جرائم في حق بعض شعوب العالم. رؤساء أمريكيون قادوا حروباً أسفرت عن ملايين الضحايا، مثل حرب فيتنام، يخلدون اليوم في المتاحف، وتسمى بهم المطارات والحدائق، وتروى قصصهم في المدارس. بل إنهم يستضيفون المحاربين القدامى ليحكوا لتلاميذ المدارس قصص البطولات، ليس لخلق انتماء فحسب، بل لخلق أسطورة وطنية تغلف الجرائم وتحولها إلى مفخرة. هذه الازدواجية الصارخة تكشف أن الغرب لا يريد لنا أن نحتفظ برموزنا، ولا أن نبني ذاكرة جماعية تعتز بأبطالها. يريدون لنا أن ننسى، أو أن نعيد قراءة تاريخنا بعيونهم، حتى نفقد الثقة في أنفسنا وفي قدراتنا. بينما نجد في مصر من يهيل التراب على أبطالنا ورموزنا الفنية والثقافية، إما لأنه مريض نفسي يعاني من الدونية، أو لأنه مأجور من جهات خارجية تهمها إضعاف الانتماء لدى شبابنا.
حماية ذكرى نصر أكتوبر ورموزه ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية كل مصري يعتز بوطنه. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة لحماية الذاكرة الوطنية. هذه الاستراتيجية تبدأ من التعليم بإدراج قصص الأبطال ومعارك النصر في المناهج الدراسية بأساليب جذابة، وتمتد إلى الإعلام والفن بإنتاج أعمال درامية ووثائقية تخلد النصر ورموزه، وتحتاج إلى تفعيل قوانين تجريم الإساءة إلى رموز الدولة وتاريخها، وإلى إطلاق مبادرات شعبية لتكريم الأبطال ورعاية أسر الشهداء. نصر أكتوبر ليس مجرد ذكرى نستعيدها في السادس من شهر أكتوبر من كل عام، بل هو وهج حضاري يجب أن يظل مضيئاً في وجداننا، وجسراً نعبر به نحو مستقبل يليق بتضحيات الأجداد. لا يمكن لأمة أن تنهض وهي تهين رموزها، ولا أن تصنع لها قدوة وهي تدفن أبطالها في غياهب النسيان.
----------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال






