ربما تشبه السعادة رائحة الخبز، لا تراها ولا تستطيع الإمساك بها، لكنها قد تصل إليك فجأة، فتوقظ فيك شعورًا دافئًا لم تكن تبحث عنه، ربما لأنه ارتبط بوجود أمك.. وتشبه أحيانًا أغنية قديمة لا تنتظرها، ثم تسمعها مصادفة في لحظة ما، فتأخذك إلى مكان جميل لم تكن تعرف أنك تشتاق إليه، أو إلى جزء من ذكرياتك مع شخص ما.. بل إنها في كثير من الأحيان تشبه ظلك؛ كلما طاردته ابتعد عنك، وحين تواصل سيرك إلى الأمام دون أن تلتفت خلفك، تكتشف أنه كان يتبعك طوال الوقت.
هكذا هي السعادة؛ لا تأتي حين نتفرغ لمطاردتها، وإنما تباغتنا ونحن نعيش، في تفصيلة عابرة، أو ذكرى هادئة، أو شيء بسيط لم نكن نضع حسابه أصلًا.
غير أننا نقضي سنوات طويلة ونحن نبحث عنها في المكان الخطأ، فنضع لها شروطًا معقدة: بيت أجمل، مال أكثر، سفر، أشياء نرغب في امتلاكها، أو حياة تبدو في أعين الآخرين مثالية.. نتوهم أن الوصول إلى هذه الأشياء سيمنحنا أخيرًا ذلك الشعور الذي نفتقده.
ومع الأيام، نجد أننا أصبحنا نملك أكثر، ونستهلك أكثر، ولدينا خيارات لا حصر لها للترفيه والهروب من الملل، لكن الشعور بالوحدة لا يختفي، والفراغ لا ينتهي، ونظل نطرح السؤال نفسه: لماذا لا أشعر بالسعادة رغم أن لدي كل ما أردت؟
السبب ببساطة أننا خلطنا بين المتعة والسعادة.
المتعة جميلة، ولا أحد ينكر حاجتنا إليها؛ وجبة نحبها، رحلة ننتظرها، قطعة ملابس جديدة، لقاء مع أصدقاء، أو حتى لحظة نقضيها أمام الشاشة ونشعر خلالها بالبهجة... كلها أشياء تجعل الحياة ألطف. لكن المتعة بطبيعتها قصيرة وقابلة للنفاد. تأتي لتمنحنا شعورًا خاطفًا ثم ترحل، فنعود للبحث عن شيء جديد يعيد إلينا التجربة ذاتها، وندخل في دائرة لا تنتهي من الرغبة والاستهلاك، دون أن نصل إلى الرضا.
وربما يظهر هذا بشكل أكثر وضوحًا في العلاقات العاطفية في الآونة الأخيرة، مع ما يسمى بـ«الريد فلاج» أو العلاقات السامة، حين يصبح الهدف أحيانًا هو الحصول على شعور مؤقت بالسعادة، حتى لو كان الثمن علاقة تستنزفنا على المدى الطويل.
أما السعادة الحقيقية، فتتطلب جذرًا أعمق، تحتاج إلى المعنى.
تحتاج أن تشعر بأن لحياتك قيمة، وأن وجودك يترك أثرًا، وأن هناك أشخاصًا تنتمي إليهم وينتمون إليك، رغم اختلافنا وتباين طرقنا.. أن يكون لديك ما تحبه، وما تؤمن به، وما يستحق أن تبذل من أجله وقتك وجزءًا من روحك.
والجميل أن السعادة قد تكون أقرب وأبسط مما نتخيل، تتجسد في يد تمسك بها وقت احتياجك، في شريك حياة صادق، في بيت تعود إليه وتجد فيه أمانك، في وجه يشعر بالامتنان لأنك كنت إلى جواره، في عمل تؤديه بإخلاص وتعرف أنه نافع، أو في صنيع صغير تفعله لأحدهم في الخفاء دون أن ينتظر منك أحد مقابلًا.
لهذا السبب تحديدًا، لا تحل السعادة حين نقرر أن نتفرغ للبحث عنها، بل تنبت تلقائيًا ونحن نعيش بصدق؛ نجدها ونحن نبني علاقات حقيقية، ونمنح من نحبهم وقتًا واهتمامًا ومشاعر حقيقية صادقة، ونتعلم شيئًا جديدًا، ونصنع شيئًا نفتخر به، ونمد أيدينا لمن يحتاج إلينا، ونستقر في مكان تشعر فيه أرواحنا بالانتماء.
ولذلك أجدني أقول: السعادة ليست جائزة نصل إليها في نهاية المطاف، وليست سلعة يمكن شراؤها مهما بلغ ثمنها، بل هي الأثر الدافئ الذي تتركه الحياة في داخلنا حين نعيشها بطريقة تشبهنا حقًا.
لعلنا نحتاج الآن إلى أن نتوقف قليلًا عن سؤال أنفسنا: متى سأصبح سعيدًا؟
ونسأل بدلًا من ذلك: هل أبني حياة أريد أن أعيشها فعلًا؟
فمتى كانت حياتك متسعة لمن تحب، ولمبدأ تؤمن به، ولمعرفة تتعلمها، وشغف تبنيه، وأثر تمنحه للآخرين... فلن تحتاج إلى مطاردة السعادة أصلًا.
اترك لها مساحة بين التفاصيل، وعش ما تحب، وكن حاضرًا بقلبك في كل لحظة؛ فتكتشف في النهاية أنها لم تكن غائبة عنك، بل كانت تسير إلى جوارك طوال الوقت.
------------------------------
بقلم: أسماء حامد






