خمسون عاما تفصل بين حرب أكتوبر 1973 والزلزال الذي أحدثته، وبين هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي شنته حركة حماس وفصائل أخرى للمقاومة الفلسطينية، والذي أدى إلى ردود فعل أحدثت زلزالا تجاوز حدود الحدث إلى الإقليم والعالم، وأطلق سلسلة من الحروب الصغيرة والكبيرة التي لا تزال مستمرة رغم مرور ثلاثة أعوام على الحدث، والتي من المحتمل أن تتوسع وأن تغير وجه منطقة الشرق الأوسط الذي عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والتي رسمت معالمها قبل تلك الحرب واستقرت تلك الملامح بعد الحرب العالمية الثانية، في النظام الدولي الذي تشكل في أعقاب تلك الحرب. وتبدلت خلال العقود الخمسة اللاحقة على حرب أكتوبر موازين القوى وتغيرت مواقف الأطراف على الساحة الفلسطينية، وعلى المستويين الإقليمي والعالمي، وكان لهذه التغيرات تأثير على مسار الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، لب الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وكان هجوم السابع من أكتوبر أحد ثمار هذه التغيرات، وسيكون لهذا الهجوم وتداعياته تأثير على مستقبله.
بينما كان الرأي الغالب في العالم العربي، الذي يمجد المقاومة الفلسطينية والذي ينطلق من يقين إيماني بأن فلسطين ستنتصر حتماً وأن إسرائيل إلى زوال، يذهب إلى أن هجوم السابع من أكتوبر غير المعادلات الاستراتيجية لصالح القضية الفلسطينية، انتهى كتاب "طوفان الحمقى: دراسة حول نتائج حروب أكتوبر 2023 وما تلاها"، للأستاذ شريف العصفوري، والذي صدر هذا العام إلى نتائج مختلفة، إذ سعى مؤلفه إلى أن يدرس الصراع دراسة علمية موضوعية تستند إلى الحقائق والمعلومات وتميز بين التصورات الأيديولوجية والتمنيات وبين ما يحدث على الأرض، وهو نهج لم يمض فيه سوى قلة من الكُتَّاب العرب حسبما أشار في مقدمة الكتاب.
إن الوضع الراهن والماثل أمام أعيننا يشير، بالفعل، إلى تغير في المعادلات الاستراتيجية، لكن هذا التغير لا يعمل وفق المعطيات الراهنة لصالح الشعب الفلسطيني، على الرغم من تزايد التعاطف الدولي مع مأساة فلسطيني غزة وتحول الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، وصمودها في مواجهة الدعاوى الإسرائيلية التي سأمها العالم بخصوص معادة السامية أو أن الجمهور المعارض لسياسات الحكومة الإسرائيلية، الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة، يغلب عليه المنحدرون من أصول فلسطينية أو عربية أو إسلامية. كذلك فإن استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وفي جنوب لبنان، بموجب صيغة الهدنة المسلحة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية. ومن المستبعد أن تجد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش لتحويل وقف إطلاق النار في غزة إلى "ترتيب دائم"، إلا أن هناك تعقيدات كبيرة تحو دون الانتقال إلى بناء إطار سياسي يربط بين تقديم المساعدات وإعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية وحقوق الفلسطينيين، الأمر الذي ترفضه إسرائيل والولايات المتحدة التي تستخدم سلطة النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع نيل فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، بدلا من صفتها “دولة مراقب غير عضو” منذ العام 2012.
عملية السلام لم تمت لكنها تزداد تعقيداً
ربما كان البيان الذي أصدره المستشار الألماني فريدريش ميرتس عشية ذكرى مرور ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، يحمل دلالات مهمة بالنسبة لهذه التغيرات والتحولات في أوروبا، رغم تأكيده موقف ألمانيا الثابت في دعم إسرائيل، رغم اعترافه بأن بلاده “تشهد تصاعدا في معاداة السامية" وأنه لم تتم مواجهة هذا التصاعد "بالقدر الكافي”، وتعهده بأن تبذل حكومته “كل ما في وسعها لمكافحة جميع أشكال معاداة السامية" ليتمكن "اليهود من العيش دون خوف في أنحاء ألمانيا"، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة وضع أسس نظام جديد يُمكن للإسرائيليين والفلسطينيين وجيرانهم أن يعيشوا في ظله بسلام وأمن" وأن "إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل هي أفضل سبيل لتحقيق السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط".
على الرغم من أن هجوم السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى بؤرة الاهتمام العالمي، وهو ما تعتبره حماس وأنصارها إنجازا مستحقا للشعب الفلسطيني، يبرر إقدامهم على هجوم السابع من أكتوبر مهما كانت الخسائر التي تكبدها الفلسطينيون في غزة وفي الضفة الغربية، إلا أن الهجوم جعل عملية السلام التي قد تفضي إلى حل الدولتين، أو أي حل آخر للمشكلة الفلسطينية، أكثر تعقيدا، في ظل الوضع الراهن على كافة المستويات. فعلى الرغم من اعتراف 160 دولة من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة، بدولة فلسطين، وغلى الرغم من عضوية فلسطين في أكثر من مئة منظمة ومعاهدة دولية، لا يزال الفلسطينيون في الداخل يواجهون سياسات جيش الاحتلال في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، ويواجهون خطر التهجير أو الإبادة حسبما يفيد خطاب أحزاب اليمين الصهيونية المهيمنة على الساحة السياسية الإسرائيلية، ولا يقتصر هذا الخطر على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة فقط وإنما يمتد إلى فلسطيني الداخل الذي يحملون الجنسية الإسرائيلية ويتمتعون بحقوق مواطنة، وإن كانت منقوصة.
على الرغم من أن استطلاعات الرأي قبل هجوم السابع من أكتوبر كانت تشير إلى أغلبية بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين لا تقل عن 70 بالمئة مؤيدة للحل السلمي للصراع، إلا أن هيمنة العقائديين على المجال السياسي في المجتمعين، أدت إلى تراجع كبير فيما يعرف بمعسكر السلام. في المحيط العربي، تسود حالة رفض واسعة للتطبيع في الشارع العربي والمصري والأردني، وتعتبر الفصائل والقوى السياسية أن السلام الشامل لن يتحقق دون نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة، وهو الموقف الذي أكدته "مبادرة السلام العربية"، التي طرحتها جامعة الدول العربية في عام 2002، من خلال ربط التطبيع الشامل والاعتراف بإسرائيل بانسحابها الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
أحد التغيرات الكبيرة التي ترتبت على هجوم السابع من أكتوبر هو الإجهاز على معسكر السلام والتعايش في إسرائيل، والذي تعرض لعملية ممنهجة اتبعتها أحزاب اليمين الصهيوني المتطرفة، منذ اغتيال اسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وقع اتفاقية أسلو مع الفلسطينيين، على يد متطرف يهودي في نوفمبر عام 1995، لتصفية أي صوت إسرائيلي يدعو إلى حل للصراع مع الفلسطينيين، قبل أن يبدأ هجومهم المنظم على فكرة التعايش مع الفلسطينيين، خصوصا مع صعود الأحزاب الدينية والقومية المتشددة، وسعيها لتقويض الأسس التي قامت عليها الدولة منذ إعلانها في عام 1948 وصعود المستوطنين. على الرغم من محورية الهجوم ومسألة الأمن في الانتخابات الإسرائيلية المزمع أن تجرى هذا الشهر، وعلى الرغم من وضوح التهديدات التي يتعرض لها فلسطينيو الداخل، لم يتغير موقف الأحزاب العربية كثيراً عن موقفهم في الانتخابات الأخيرة والتي مكنت بنيامين نتنياهو زعيم الليكود بتشكيل حكومة تحظى بتأييد أغلبية بسيطة في الكنيست. وهذه التهديدات لها مصداقية ما لدى بعض أحزاب الائتلاف الحاكم رغم قرار النيابة العامة الإسرائيلية، توقيف محاضر كبير للرياضيات عمره 60 عاماً في جامعة بار إيلان، وهي جامعة للمتدينين اليهود بالقرب من تل أبيب، بتهمة وضع مخطط مدروس وبدء العمل على تنفيذه؛ بهدف تهجير الفلسطينيين من وطنهم من خلال ارتكاب مجازر يُقتل فيها مئات منهم، والبدء في تشكيل خلايا مسلحة لتنفيذ هذه الخطة.
لم تكن هذه الخطة نتيجة لهجوم السابع من أكتوبر، إذ تشير الاتهام، إلى أن المخطط تبلور مطلع فبراير 2023، أي قبل ثمانية أشهر من الهجوم، وتحمل الخطة أوجه شبه مع المجازر التي ارتكبتها جماعات الإرهاب اليهودي في فلسطين قبل حرب عام 1948 لترويع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية لإجبارهم على النزوح ومغادرة المنطقة والتوجه إلى خارج حدود إسرائيل. وعلى الرغم من فشل المخطط في تجنيد مؤيدين وشركاء، إلا أن الخطر لا يزال قائماً لوجود شخصيات بارزة في الائتلاف الحالي تتبنى أفكارا مماثلة. يزيد من تعقيد عملية السلام أيضاً عدم التزام الحكومات الإسرائيلية التي جاءت بعد رابين في تنفيذ اتفاقيات أوسلو والانتقال إلى معاهدة سلام دائمة مع الفلسطينيين، عدم وضوح هدف حماس والفصائل المتحالفة معها مع حل الدولتين، الأمر الذي يفصل إسرائيلياً، بأنه إصرار على تدميرها وإقامة دولة فلسطينية على كامل أرض فلسطين من نهر الأردن حتى البحر المتوسط. ولا يزال كثير من فصائل المقاومة الفلسطينية ولا أنصارهم في الخارج يرون جدوى في الرهان على أي نشطاء للسلام في إسرائيل في حل الصراع، ولا يعملون بالتالي على تشجيع كتلة داعمة للسلام في إسرائيل الأمر الذي يرسخ اعتقادهم بأن الصراع مع إسرائيل صراع وجودي لا مجال فيه للمساومة والحلول الوسط. المتاح فقط هو هدنة طويلة الأمد لتأجيل الصراع.
هل يهدد التصعيد السلام الهش؟
هناك وجوه للشبه بين حرب أكتوبر وبين هجوم حماس، في مقدمتها عنصر المفاجأة الاستراتيجية، فالحدثان كانا بمبادرة فاجأت إسرائيل، وكانا ردا على واقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وردا على سياساتها العدوانية، لكن هناك اختلافات كبيرة بين حرب يشنها جيش نظامي يخضع للقرار السياسي لقيادة الدولة، وهو قرار يتخذ وفق حسابات دقيقة ويراعي موازين للقوة التي تتحرك الدولة في حدودها، ولديه مهام واضحة في الدفاع عن الدولة ومصالحها ويمتلك "قوة ردع" تمنع أي اعتداء على الدولة ومواطنيها. هذه الصيغة مكنت القيادة السياسية في مصر من تحويل المكاسب العسكرية التي تحققت في الميدان في حدود القدرة المتاحة إلى انتصار سياسي مكنها من استكمال مهمة تحرير الأرض بوسائل سياسية ومن خلال المفاوضات. وبالنظر إلى الوضع الحالي في سوريا وفي فلسطين، فإنه لولا الخطوة التي أقدم عليها الرئيس السادات في عام 1977، وأكملتها الدولة المصرية لاحقا، ما كان يمكن استرداد سيناء دون عمل عسكري كان من الصعب استئنافه في ظل التعقيدات الدولية والإقليمية.
إلا أن من الصعب وصف العلاقة بين مصر وإسرائيل بأنها علاقة سلام تام بين دولتين تحكمها معاهدة للسلام وبينهما تبادل دبلوماسي وعلاقات تجارية وتنسيق أمني وأشكال أخرى من العلاقات المتذبذبة بحسب الأوضاع الإقليمية، وبسبب الشكوك العميقة المتبادلة بينهما، بسبب معارضة مصر للسياسات الإسرائيلية ودعمها لصمود الفلسطينيين على أرضهم وسعيها الدؤوب من أجل التوصل إلى ترتيبات تمنع التصعيد العسكري وزعزعة الأمن الإقليمي والأمن القومي للدول. وعلى الرغم من هذه الظروف تلتزم مصر ببنود اتفاق السلام مع قدر من التعديلات المتفق عليها وتلتزم إسرائيل بالاتفاقية بشكل عام على الرغم من بعض المخالفات المقبولة وعدم تجاوز خطوط حمراء فيما يخص أمن الطرفين. ووصف ضابط مصري كبير العلاقة بين الطرفين بأنها تقوم على طمأنة الطرف الآخر وردعه في الوقت نفسه، الأمر الذي حقق للعلاقة قدرا من الاستقرار رغم التحديات الكثيرة التي واجهتها. لكن استمرار العلاقة على هذا النحو مرهون بالتزام أي حكومة إسرائيلية في المستقبل وعدم تجاوزها أي من الخطوط الحمراء، وضمان الولايات المتحدة لهذا الالتزام، والحال كذلك بالنسبة للأردن. ويختلف موقف مصر والأردن وسوريا ولبنان عن مواقف الدول العربية الأخرى لأنها دول جوار مباشر.
سعت مصر على مدى ما يقرب من أربعة عقود بعد توقيع اتفاقية السلام إلى الحفاظ على تحقيق توازن بين التزاماتها بموجب اتفاقيتي الإطار في كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، والتزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني والقضايا العربية، ونجحت إلى حد كبير في تحقيق ذلك رغم الصعوبات، وضبطت وتيرة العلاقات مع إسرائيل بسياسات الأخيرة تجاه الفلسطينيين والدول العربية. وكثيرا ما يصف ساسة ومحللون إسرائيليون لا يرضيهم الموقف المصري العلاقة القائمة مع مصر بأنها علاقة "سلام بارد"، ووصف بعضهم هذه العلاقة بأنها "حرب باردة"، لاسيما في الأوقات التي شهدت أزمات كبيرة مثل الوقت الحالي ومنذ حرب غزة الأخيرة. لقد أوضحت مصر منذ بداية هذه الحرب الخطوط الحمراء التي لا ينبغي لإسرائيل أن تتجاوزها، وأظهرت قدرة عسكرية لردع إسرائيل عن الإقدام على أي مغامرة محسوبة، وتعاونت في الوقت نفسه في التحقيق مع عدد من الحوادث الأمنية التي تقع، وأثبتت وضعها كطرف لا يمكن تجاهل مصالحه في أي ترتيبات، وكوسيط لا غنى عنه في أي تسوية للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. وتصدت بحزم للخروقات الإسرائيلية التي تمس الأمن القومي المصري مباشرة.
الوضع مختلف على الساحة الفلسطينية، على الرغم من وجود اتفاقية سلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين إسرائيل جرى توقيعها في أوسلو في عام 1993، وتتحمل إسرائيل قدراً كبيراً من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع على الساحة الفلسطينية، بسبب انتهاكاتها المستمرة لبنود اتفاقية أوسلو وعدم التزامها بالجداول الزمنية المتفق عليه، والأهم بتشجيعها للانقسام بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس لتبرير عدم التزامها بالاتفاقية والتغطية على سياساتها الرامية إلى تفريغ هذه الاتفاقية من مضمونها والتي لا تنتهك فقط الاتفاقية وإنما تنتهك أيضا مبادئ وقواعد القانون الدولي العام والقانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتمارس سياسات عنصرية تجاه فلسطيني الداخل. كانت هناك مستويات للصراع بين إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، وبين الفلسطينيين. فمن ناحية هناك صراع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يأخذ شكل عقاب السلطة على تحركاتها الدولية من أجل تثبيت الوضع القانوني لفلسطين في الأمم المتحدة على الصعيد الدولي، ومعاقبتها على أي هجوم تشنه فصائل فلسطينية مناوئة للسلطة في رام الله على جنود أو مستوطنين أو مواطنيها، بينما لا تمكن السلطة من ممارسة مهامها على الأرض وترفض التعامل معها. على مستوى آخر هناك صراع بين إسرائيل وبين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والذي وصل في كثير من الأحيان إلى حد الحرب المفتوحة وغير المتكافئة، بسبب إصرارها على عدم تمكين السلطة الفلسطينية بسبب التوافق العام بين الإسرائيليين على رفض حل الدولتين.
لقد وصلت إسرائيل بسبب هذه السياسات إلى مستوى من الوحشية، يؤرق الضمير العالمي، لاسيما في حربها الأخيرة في غزة وأيضاً بسبب عدوانها على شعوب ودول أخرى في المنطقة وخارجها. جاء هجوم السابع من أكتوبر ردا على الاحتلال الإسرائيلية للضفة الغربية في فلسطين ومرتفعات الجولان السورية، والذي وسعته ليشمل مناطق أخرى في سوريا وفي جنوب لبنان والحصار على قطاع غزة، وترتب على هذا الهجوم حرباً عدوانية لا تزال مستمرة، أدت إلى شهد تدمير كامل للبنية التحتية في قطاع غزة وفي جنوب لبنان وفي بلدات ومخيمات في الضفة الغربية، وإلى سقوط أعداد من المدنيين شهداء على نحو لم تشهده أي من الحروب السابقة. أحدثت الحرب على غزة والعدوان على دول في المنطقة امتد إلى إيران تحولات استراتيجية أخلت بموازين القوة العسكرية المختلة أصلا بين إسرائيل والفلسطينيين، وفاقم هذا الاختلال عجز حماس عن توظيف الأوراق التي كانت في بديها قبل الهجوم لتحسين الوضع والانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة الصراع، ويحصد الفلسطينيون الآن نتائج سياساتها.
لا أريد في هذا المقال تكرار ما سبق أن ذكرته في المقالات التي كتبتها ونشرت من خلال موقع المشهد لتحليل الحدث الثاني تحت عنواني "حرب غزة 2023"، و "ما بعد حرب غزة"، والتي علقت في بعضها على أحداث جارية مرتبطة بالحرب ومساراتها، وحللت في بعضها الآخر التغيرات في البيئات الثلاث، المحلية والإقليمية والعالمية، ودعوت في بعضها الآخر إلى مراجعة لرؤيتنا للصراع وتطوراته سعياً من أجل منظور جديد. والمقالات متاحة على الموقع وهي ملك لمن يشاء من القراء الرجوع إليها وتقييمها، وهو ما سأفعله لاحقاً، ولا أريد تكرار ما يكتب من مقالات بمناسبة حرب أكتوبر وما أحدثته من تغييرات في التفكير الاستراتيجي في العالم، سبقتها عملية مراجعة أدت إلى تغيير جذري في التفكير الاستراتيجي المصري، وهو ما رصده الأستاذ أحمد حمدي درويش في مقاله في ذكرى السابع من أكتوبر المنشور من خلال المشهد.
أكثر من خمسة عقود مرت على حرب أكتوبر جرت خلالها مياه كثيرة على الصعيد الدولي وأيضا على الصعيدين الوطني والإقليمي، بعضها كان نتيجة للحدث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والبعض الآخر كان نتيجة تحولات لا ترتبط بالحدث مباشرة ولكن كان لها تأثير مباشر على الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وثلاثة أعوام مرت على الحدث الثاني، الذي أدى أيضاً إلى سلسلة من التغيرات على المستويين الإقليمي والدولي، من المتوقع أن يكون لها أيضاً تأثير على القضية الفلسطينية وعلى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي يعد جوهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط، الذي لم يعد صراعا عربيا إسرائيليا كما كان مع دخول إيران وتركيا ودول أخرى في الشرق الأوسط الموسع إلى دائرته، وكان لهذا الحدث تأثير كبير على الأوضاع الداخلية في سوريا ولبنان والعراق.
الآن، أصبحت القوى الإقليمية المختلفة وكذلك الفلسطينيون، في حاجة ماسة إلى مراجعة جذرية وصادقة للوضع، داخلياً وإقليمياً ودولياُ، ووضع استراتيجية توازن بين نقاط القوة ونقاط الضعف لدى الأطراف المنخرطة في الصراع والمعنية. هناك اجتهادات كثيرة في هذا الصدد يمكن الاستفادة منها، كذلك يمكن استحضار التجربة المصرية في حرب أكتوبر واستخلاص الدروس والعبر من هذه الحرب، إلى جانب التقييم الموضوعي والعلمي لنتائج الحرب على غزة وتداعياتها. السؤال كيف يمكن إدارة الصراع في ظل هذا الاختلال الشديد في موازين القوة لتحقيق ما يمكن تحقيقه لضمان الصمود الفلسطيني على الأرض وللتصدي للخطط الإسرائيلية في ظل أي حكومة قد تسفر عنها الانتخابات القادمة؟
قد يراهن البعض على أن التصعيد الراهن قد يؤدي إلى انهيار السلام الهش بين إسرائيل وبين بعض الدول، لكن السؤال كيف يمكن أن يكون انهيار هذا السلام في صالح الدول العربية وفي صالح القضية الفلسطينية؟
-----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






