24
بيروت، 24 ديسمبر 2015
رجعت من عيادة دكتور صبره منذ نحو ساعة، على غير العادة عُدت محملة بقدر أكبر من التوتر، خلاف ما سبق من زيارات، حيث لا أكاد أجلس إليه حتى أُلقي بأحمال همومي – من دون تمييز - تحت قدميه، أُلقي بها دون تجميل، ودون أي خجل، أحكي من دون أن أضع نفسي داخل قفص الاتهام وأُحاكمها، لم فعلت هذا، ولم تفعلين ذاك، فلا ألبث اعتدل في جلستي على الكرسي الطويل (الشيزلونج) حتى أشعر أنني صرت أخف حملاً، وأكثر تفاؤلاً.
لم تكن ليلة عادية في بيروت، فهي ليلة الميلاد. شجرة طويلة تغمز بمصابيحها من واجهة محل الحلويات، وبائع الكستناء يلوّح بكيس ورقي لكل عابر، وأجراس كنيسة قريبة تجرّب صوتها قبل القداس. مررت بكل ذلك كمن يعبر مدينة ليست مدينته. أنا التي كان بيتها يحيي هذه الليلة بالترانيم ومائدة طويلة، لم أنتبه إليها إلا حين لسعني الهواء البارد، وسألت نفسي: متى كانت آخر مرة وقفت فيها في الكنيسة؟ تذكرت أبي وعلاقته الشائكة مع الدين، وتذكرت سؤال دكتور صبره، وتذكرت أيضًا أنني ضحكت يومها ولم أجد جوابًا.
وعدت نفسي ليلة أمس، وأنا أبتلع القرص الثالث، أن أقول له كل شيء. بقي الوعد معي طوال الطريق، وسقط عند عتبة العيادة كمعطف ثقيل. ما إن جلست حتى تغير الأمر الليلة؛ هناك أشياء لا أريد أن أحكيها، هناك مساحات أُفضل أن تبقي بيني وبين نفسي، لا يطلع عليها أحد، هذه مساحات خاصة بي أوجدها ذلك الحب الذي نبت وترعرع من غير موعد أو إنذار، حتى أنني كنت إذا استغرقت في البوح وأدركت أنني تفوهت بجملة أو جملتين مما أعُدُه أمورًا خاصة، سارعت والتففت حول المعاني والمقاصد.
كنت أمام هذا السلوك، وهذه الرغبة، أتعامل مع دكتور صبره صديق الأسرة الذي يجب أن يراني في أفضل صورة، وليس الطبيب الذي يتفهم أن زوار عيادته جاءوه بحثًا عن علاج لآلامهم وأحزانهم، وأنهم لولا ما بهم جروح ما قصدوه، ولا سألوه علاجًا.
المهم يا دفتري العزيز أنني تعمدت في أول الأمر أن أخفي هاشم عن دكتور صبره، ليس لمرة وحسب، بل ولمرات عديدة، بمشاعر مختلفة، وصلت إلى حد النقيض في بعض الأحيان، أحيانًا سعيدة سعادة طفلة تخبئ حلواها عن أعين والديها، اللذين لا يتورعان عن تحذيرها من مغبة الإسراف، فإذا ما كانت بين أيديهما، قنعت بالقليل منها، وزهدت في الكثير أمام أعينهما، وفي داخلها سعادة أنها لا تلبث بعد قليل تنفرد في ركنها الخاص بما لذ وطاب، وأنها ستأكل منها ما شاء لها الله أن تأكل، آمنة، هانئة، مستمتعة، خالية الذهن من كل لوم، وأحيانًا أخرى أعاتب نفسي أشد ما يكون العتاب، وأنني من سيدفع من راحة باله ثمنًا جلسة علاج لا يُسمح فيها للطبيب بأن يرى أكثر من نصف الحقيقة.
لم أستطع أن أخبره أنني استبدلت هاشم، ليس فقط بجلسات العلاج، بل وبالدواء نفسه. صار طقسًا أساسيًا في حياتي، لا يمر يوم إلا ونتقابل في العمل، ولا ينقضي أسبوع إلا ونتناول طعام الغداء أو العشاء معًا في أحد مطاعم بيروت أو مدينة من تلك المدن القريبة.
--------------------------------------------
في العادة يجلس دكتور صبره خلفي حيث لا أراه، وأحكي للسقف. هذه المرة سمعت صوت مقعده يُسحب على الأرض، وحين التفتُّ وجدته قد أدار كرسيه ليواجهني، وانتبهت إلى أن الضوء الخافت المتعمّد صار أعلى قليلاً.
لامني كثيرًا على تقصيري في المتابعة، مضت عدة شهور على آخر زيارة لي، وإن كان اكتشافه عدم التزامي بتناول الدواء واتباع تعليماته كان أكثر ما ضايقه، تبدلت ملامح وجهه الهادئ، حتى أنه وضع القلم والأوراق جانبًا، وراح ينظر بعيدًا إلى لا شيء، كنت أعرف أن هذه عادته عندما يصل به الضيق إلى حد لا يجد فيه كلامًا. لم أعلّق. سألني وهو يداري ارتباكه بالنظر إلى أوراقه:
- جبتي الدفتر معِك؟
لا بالبيت
- .......
تمددت كالعادة على الكرسي الطويل وحكيت للدكتور ما غاب عنه خلال هذه الفترة الطويلة، ثم وجدتني أمام تزايد علامات ضيقه أحكي له عن حبي لهاشم، وإن لم أخبره أنه زميلي في العمل، بدا وجهه محايدًا، ثم بدت عليه بعض علامات قلق، لم أفهم سببها، وعندما استفسرت منه عن السبب طأطأ رأسه قليلاً ثم رفعها وتمتم بصوت منخفض (إن شاء الله يكون خير)، ثم مضى يسألني عن الكثير من التفاصيل دون أن يفقد وجهه حياده، استشعرت معها لمحة قلق في عينيه، إلى أن نظر في عينيّْ وسألني؛
- قوليلي يا مايا... صار معِك قبل هيك تستغربي وجودِك بمكان معيّن؟
يا ريت توضّحلي أكتر دكتور
- قصدي... فجأة تنتبهي إنّك بمكان، وما تتذكّري كيف وامتى وصلتي لعندو!
بذلت مجهودًا كبيرًا حتى تذكرت، فقلت وأنا شبه مغمضة العينين
- إي... فعلًا، صارت معي مرّتين أو تلاتة...
حاولي تتذكّريهن، واحكيلي.
- من حوالي شهرين، كنت بكافيتيريا Bay Rock...
وحدِك؟
- لا... معه
مين؟
- هاشم!
وشو صار؟
- ولا شي... كنّا عم نحكي، وفجأة حسّيت كأني كنت نايمة وفقت، واستغربت كيف جيت لهونيك... حاولت أتذكّر وما قدرت.
لم أقل له ما لم أجد له كلمات: أن آخر ما أذكره من ذلك الصباح فنجان قهوة يتصاعد منه بخار رفيع، وهاشم يقول شيئًا ضاحكًا عن مدير لا يعرف كيف يغلق جهاز العرض، وضحكتي التي بدأت ولم تكتمل. ثم لا شيء. ثم فجأة صوت الموج على الصخرة، وفنجاني بارد بين كفيّ، ووجه هاشم قريب مني ينظر إليّ بابتسامة لا أعرف كم مضى عليها وهي معلقة هناك. لا أعرف إن كان قد لاحظ شيئًا، أو لاحظ وآثر الصمت. قلت: «معك حق»، وأنا لا أعرف على ماذا بالضبط أقول إنه معه حق.
- وشو عملتي؟
استوعبت الموقف، وحاولت خبّي ارتباكي وما طَول القعدة
- ورحتي لوين بعدا؟
عالبيت
- وحدِك؟
إي
- (كرّرها وهو عم يطلع بعيوني) وحدِك؟
إي وحدي!
- والمرّة التانية، وين كانت وإمتى؟
من حوالي شهر... كنت بالشغل، باجتماع
- وشو صار؟
كنت قاعدة حدّ زميلتي جان، وفجأة استغربت وجودي بالاجتماع
- اجتماع شو؟
خصوص الشغل... وجودي فيه طبيعي، المشكلة إني ما كنت متذكّرة كيف وامتى وصلت
- لما انتبهتي، تذكّرتي بداية الاجتماع أو النقاشات اللي صارت؟
لا والمرّة التالتة؟
- مش متذكّرتها دكتور
حاولي
هززت رأسي أن لا
- ..
قام إلى المكتب وطلب مني الجلوس على كرسي المكتب. وقعت عيني على سطحه الخشبي اللامع، ومصباحه الأصفر، والقلم الموضوع بزاوية مستقيمة إلى جوار الدفتر، فتذكرت ما كتبته ذات مساء عن المكتب الذي يحوّل البوح إلى اعتراف في مركز شرطة. لم يكن في الغرفة محقق ولا مخبرون، لكن الجسد يعرف قبل العقل: جلست منتصبة ويداي على ركبتيّ، كمتهمة تنتظر أن يُقرأ عليها الحكم. وانتظر هو قليلاً، ثم رفع رأسه وتحدث بهدوء وبصوت جاد وحازم،
- مايا .. محتاجين نغير بروتوكول العلاج، لكن فيه شغلة مهمة بحب تعرفيها
خوّفتني دكتور
- الفترة اللي وقفتي فيها الدوا والجلسات، سبّبت آثار جانبية ما كنت حبّ إنّا نوصل لهون... المرّات اللي فقتِ فيها وحسّيتي حالِك بمكان وما بتعرفي كيف وصلتي لعندو، وتحسّي كأنك كنتِ نايمة وفجأة فقتِ... هيدا معناه إنّا عم ننتقل لمرحلة تانية بالعلاج.
علاج شو؟
- ما بدي خوّفِك...
لو سمحت دكتور... بدي أعرف!
زم شفتيه، وقال بصوت منخفض وهو يضع نظارته على المكتب أمامه
- هيدي أعراض أوليّة للفُصام...
فُصام؟
لفظتها بحلق جاف، مستفهمة، لم تكن الكلمة غريبة عليّ. قالها لي في آذار أول مرة ملفوفة بورق ملون، وظللت منذ ذلك اليوم أضعها في درج بعيد وأقفل عليه، كما أفعل مع كل ما لا أطيق. الجديد هذه المرة أنه قالها بلا ورق ملون، وأنني لم أجد الدرج. رأيت في زجاج نظارته الموضوعة على المكتب وجهًا مقلوبًا لا أعرفه، ثم أدركت أنه وجهي.
- للأسف... صحيح كان ممكن نتجنّبها أو نقلل منها لو التزمتي بالدوا، بس بعد في فرصة للعلاج.
...
- الإيجابي بالموضوع إنو بعدّه بالبداية... الالتزام ببروتوكول الدوا ضروري جدًا، وأي تهاون رح يعقّد الأمور أكتر.مسحت وجهي بكفي، وشعرت ببعض قطرات عرق على جبهتي، نظرت نحوه بعينين مجهدتين، وأنا أبحث عن كلام، دون جدوى
...
- ما تقلقي، الأمور إن شاء الله بتحسن قريب
شكرًا دكتور
ثم سألني وهو يناولني روشتة العلاج ومعها قصاصة ورق، عن إيلي، فأجبته أننا نتواصل بشكل مستمر
- بدي أعطيكي نصيحة... خلي هالورقة دايمًا معِك، واكتبي عليها جملة بتنبهِك لمّا تقريها. ممكن تحطيها بالشنطة، أو حتى بعلبة السجاير... المهم تكون قريبة منك وتفكّرك.
تناولت القصاصة بعينين دامعتين ويد مرتعشة، فأردف (ما تقلقي.. إذا أنا شايف خطر عليك، أكيد بنبهك، هيدي قصاصة متل يلي منحطها في جيوبنا ونحنا رايحين البقالة أو السوبرماركت)
وسكت هنيهة، ثم أردف، (وبدي قلّك شغلة... مش بصفتي دكتور، بل كصديق للعيلة، وبمكانة عم أو خال.. راجعي حالِك بموضوع هالشب، وانتبهي عحالك) هززت رأسي محبطة وقمت أجر أقدامي.
---------------------------------------------
لم أتخيل أن تصل حالتي إلى هذه الدرجة من السوء، في الوقت الذي كنت أتصور فيه أنني تعافيت، وما عادت لي حاجة بالدواء، بل صرت أُمني نفسي بأن جلسات العلاج صارت ماض وذكرى، فإذا بي استيقظ على كابوس، فضلاً عن تحفظ دكتور صبره على علاقتي بهاشم.
رجعت البيت أجر همومي على كثرتها، كانت ساندرا تتناول عشاءها مع الخادمة، ما أن رأتني حتى اندفعت نحوي، ربت على شعرها وجلست إلى جوارها على الطاولة أتابعها بذهن شارد، فكرت فيها وفي إيلي، ومرت صور أمي وأبي وأخي أمام عينيي سريعًا، ثم ارتسمت صورة هاشم في إطار كبير أمامي، لم أستطع أن أحول وجهي عنه، تدحرجت دمعتان على خداي، فمسحتهما بظهر كفي، وحمدت الله أن ساندرا لم تنتبه لحالي.
نهضت إلى غرفتي واستبدلت ملابسي واتجهت بالروب نحو الحمام، ووقفت تحت الدش يختلط رزاز الماء الساخن بدموعي، كنت ارتجف، وعلى عكس رغبتي في البقاء تحت ماء الدش لمدة أطول، وجدتني انتزع نفسي وأجفف جسمي الغارق في ماء دموعي، كنت متلهفة للخروج من الحمام، كأن هناك من يطاردني، حتى أنني من فرط اضطرابي نسيت غلق الدش، مما دعا الخادمة لدخول الحمام وعلى وجهها علامات استغراب ودهشة، أغلقته وجففت الأرضية، وأعادت إلى الحمام نظامه، وراوحت عيناها تتنقلان بين غرفتي والحمام، وعلى وجهها ألف ألف سؤال، في الوقت الذي كنت أتطلع فيه نحو سقف الغرفة كأنما أود النظر للسماء، وأتساءل بيني وبين نفسي، لما كل هذا؟، ثم أردفت أين أنت يا هاشم؟.
* * *
-------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






