ماذا يعني أن تنتج السينما أفلامًا أقل، بينما يظل خلف الكاميرات آلاف الأشخاص ينتظرون فرصة عمل؟ وماذا يعني أن تنتهي صناعة فيلم بالفعل، ثم لا يجد طريقًا واضحًا إلى الجمهور؟
هنا لا نتحدث عن موسم سينمائي ضعيف، ولا عن فيلم لم يحقق الإيرادات المتوقعة، نتكلم اليوم عن أزمة أكبر تتعلق بقدرة صناعة كاملة على الاستمرار، ففي سبتمبر الماضي، تحدث صناع سينما خلال ندوة عن تحديات الإنتاج المستقل عن تراجع عدد الأعمال المنتجة، وذُكر أن عدد الأفلام وصل إلى 22 فيلمًا في 2026، وهو رقم وُصف بأنه الأقل خلال نحو 20 عامًا، وفي الوقت نفسه، أشار المشاركون إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضيق فرص التوزيع، والاعتماد على مواسم محددة للعرض.
وفي أبريل، ملف استدامة الصناعة كان حاضرًا أيضًا في اجتماع لوزيرة الثقافة مع عدد من المخرجين والمنتجين، حيث طُرحت مشكلة الاعتماد على مواسم محددة مثل عيدي الفطر والأضحى، والحاجة إلى إعادة النظر في سياسات الإنتاج والتوزيع حتى تعمل السينما على مدار العام، لكن الأزمة الحقيقية ليست في أن المشكلة تبدأ وتنتهي عند عدد الأفلام، الأمر أكبر من ذلك بكثير..
فالمنتج محمد حفظي تحدث عن تضخم تكاليف الإنتاج وأزمة التوزيع، مشيرًا إلى أن السوق يعتمد على عدد محدود من الأسماء، وأن فرص المواهب الجديدة أصبحت أضيق، وصف أزمة التوزيع بأنها واحدة من أكبر تحديات السينما حاليًا، مشيرًا إلى أن تضخم تكاليف الإنتاج عن العائدات المتوقعة، حتى مع وجود منصات رقمية وقنوات جديدة للعرض، أخرون كتبوا على وسائل التواصل الاجتماعي بأن الشركات مضطرة الى تنفيذ عقود أعمال لأن إلغاءها سيجلب خسائر أكبر.
غرفة صناعة السينما ناقشت خلال 2026 مشكلة تضارب إيرادات الأفلام، وقال رئيس الغرفة إن عدم وجود شفافية في إعلان الإيرادات يخلق مشكلة حقيقية للصناعة، بينما عقدت الغرفة اجتماعات مع شعبة التوزيع ودور العرض لبحث آليات ضبط الإيرادات، من كل هذا نجد أن المنتج يعاني من تكلفة مرتفعة، وتحديات التوزيع لوقوعها تحت سيطرة شركات معينه، وحتى معرفة الإيراد الحقيقي للفيلم أصبح قضية مطروحة،
السينما ليست الممثل الذي يظهر على الشاشة فقط؛ وراء العمل مخرج ومؤلف ومدير تصوير ومونتير ومهندس صوت وفنيون وعمال ومؤجرون لمعدات وأستوديوهات وشركات خدمات ودعاية وتوزيع، هؤلاء لا ينتظرون تصفيق الجمهور، ينتظرون فرصة عمل تضمن لهم ولأسرهم دخلًا مستقرًا.
وهنا يأتي دور الدولة، المطالبة بتوفير بيئة تسمح بالمنافسة النزيهة بلا شللية، وبيانات موثوقة عن الإيرادات، وتوزيع أكثر كفاءة، وفرص حقيقية للإنتاج المستقل، وحوار جاد بين المنتجين والموزعين ودور العرض والمنصات حول مستقبل السوق، لمواجهة انكماش الصناعة، فالسينما ليست ترفًا اقتصاديًا منفصلًا عن حياة الناس، هي في الأصل وسيلة للارتقاء وتقويم المجتمع، ليس مجرد أسماء لامعة على الافيشات، إنها صناعة توفر فرص عمل، وتنقل الثقافة، وتفتح المجال أمام مواهب جديدة، وحين تضيق يخسر آلاف الأشخاص فرصة في العيش كإنسان في دولة توفر له سبل العيش الكريم،
السينما لا تعيش بالنجم وحده.. السينما تعيش بالصناعة بكل عناصرها وبقدرة هؤلاء جميعاً على الاستمرار في العمل دون استغلال لنفوذ أو قدرات مالية على الأضعف في الحلقة.
---------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






