لا تمثل ذكرى نصر أكتوبر مجرد استعادة لحدث عسكري وقع في الماضي، وإنما يمكن النظر إليها من منظور علم النفس الاجتماعي باعتبارها مناسبة لإحياء الذاكرة الجمعية واستعادة نماذج البطولة والتضحية والانتماء الوطني. فالأحداث التاريخية الكبرى لا تبقى حبيسة الماضي؛ إذ يمكن أن تستمر آثارها النفسية والاجتماعية من خلال الطريقة التي تتذكر بها الجماعة هذه الأحداث، والمعاني التي تمنحها لها، والنماذج الإنسانية التي تقدمها للأجيال اللاحقة.
ومن هذا المنظور، فإن استدعاء ذكرى نصر أكتوبر لا يعني فقط تذكير الأجيال بما حدث في السادس من أكتوبر، وإنما يعني أيضًا إعادة تقديم مجموعة من القيم والمعاني المرتبطة بذلك الحدث، وفي مقدمتها الشجاعة، والتضحية، والمسؤولية، والانتماء، والولاء، والإيثار، والاستعداد لتحمل المخاطر من أجل الصالح العام.
وهذه المعاني تتوافق مع المنظور النفسي الحديث للبطولة، الذي ينظر إلى البطولة باعتبارها ظاهرة معقدة تتداخل فيها العمليات النفسية الفردية مع العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية والسياسية.
أولًا: من الحدث التاريخي إلى الذاكرة النفسية
تكتسب الأحداث الوطنية الكبرى أهميتها النفسية من قدرتها على الانتقال من كونها وقائع تاريخية إلى أن تصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية للجماعة.
فالجيل الذي عاش حرب أكتوبر بصورة مباشرة يمتلك ذكريات وتجارب شخصية مرتبطة بالحدث، بينما تستقبل الأجيال اللاحقة هذه الحرب من خلال الروايات العائلية، والتعليم، ووسائل الإعلام، والمناسبات الوطنية، والرموز والنماذج التي تستحضرها الجماعة عند الحديث عن النصر.
ومن هنا، فإن الذاكرة الجمعية لا تعني مجرد حفظ المعلومات المتعلقة بالماضي، وإنما تتضمن إعادة بناء معنى الماضي في ضوء حاجات الحاضر وتطلعات المستقبل.
وعندما تستعيد الجماعة ذكرى نصر أكتوبر، فإنها لا تستعيد فقط تاريخ معركة عسكرية، وإنما تستعيد أيضًا صورة جماعية عن القدرة على مواجهة التحديات، وتحمل المسؤولية، والتضحية من أجل الوطن.
ثانيًا: لماذا نحتاج إلى استدعاء ذاكرة النصر؟
من المنظور النفسي الاجتماعي، يمكن أن يؤدي استدعاء الأحداث الوطنية الكبرى عددًا من الوظائف المهمة.
أول هذه الوظائف هو تعزيز الهوية الوطنية؛ فالفرد لا يعيش بمعزل عن الجماعات التي ينتمي إليها، وإنما يستمد جانبًا من مفهومه لذاته من عضويته في هذه الجماعات.
وعندما ترتبط الهوية الوطنية بذاكرة مشتركة تتضمن قصصًا عن التضحية والصمود والانتصار، يمكن أن تصبح هذه الذاكرة مصدرًا للشعور بالفخر والانتماء.
وثانيها تعزيز الاستمرارية بين الأجيال. فالأجيال الجديدة لا تبدأ من الصفر، وإنما تتلقى إرثًا رمزيًا وتاريخيًا من الأجيال السابقة. واستدعاء ذكرى أكتوبر يسمح بإنشاء جسر نفسي بين من صنعوا الحدث ومن يتعلمون منه اليوم.
وثالثها إعادة تنشيط القيم الوطنية. فالاحتفال بالنصر يمكن أن يتحول من مناسبة لتذكر الماضي إلى مناسبة للتأكيد على قيم المسؤولية والعمل والتضحية والإيثار.
ثالثًا: البطولة ليست مجرد قصة عن الماضي
تقدم الأبحاث النفسية حول البطولة فكرة مهمة للغاية: البطولة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها سلوكًا لا يستطيع القيام به إلا أشخاص استثنائيون.
ففي أعمال فيليب زيمباردو وزينو فرانكو، يبرز السؤال حول إمكانية أن يتعلم الأشخاص العاديون أن يصبحوا أكثر استعدادًا لاتخاذ مواقف شجاعة عندما تتطلب الظروف ذلك.
ويشير مفهوم الخيال البطولي Heroic Imagination إلى أهمية أن يتصور الفرد نفسه قادرًا على القيام بفعل إيجابي عندما يواجه موقفًا يتطلب التدخل والمسؤولية.
وهنا تظهر القيمة التربوية لاستدعاء أبطال أكتوبر.
فحين نقدم أبطال النصر إلى الأجيال الجديدة، ينبغي ألا نكتفي بتقديمهم باعتبارهم شخصيات تاريخية خارقة، بعيدة عن عالم الإنسان العادي؛ لأن تقديم البطل باعتباره «إنسانًا استثنائيًا بصورة مطلقة» قد يجعل البطولة تبدو شيئًا بعيدًا عن قدرة الفرد العادي.
أما تقديم البطل بوصفه إنسانًا واجه موقفًا صعبًا، واتخذ قرارًا شجاعًا، وتحمل مسؤولية، وقدم مصلحة الجماعة على مصلحته الشخصية، فيمكن أن يجعل النموذج البطولي أكثر قابلية للاقتداء.
وهنا تتحول الرسالة من:
هؤلاء كانوا أبطالًا
إلى:هذه القيم التي جسدوها يمكن أن تكون جزءًا من سلوكنا اليوم».
وهذا التحول له قيمة نفسية وتربوية كبيرة.
رابعًا: من بطولة الحرب إلى بطولة الحياة اليومية
لا ينبغي أن تُحصر قيمة أبطال أكتوبر في السياق العسكري الذي ظهروا فيه.فالقيمة النفسية للنموذج البطولي تكمن في إمكانية نقل المبادئ التي جسدها إلى سياقات الحياة اليومية. فالشجاعة يمكن أن تظهر في تحمل المسؤولية، والصدق، والدفاع عن الحق، ومساعدة الآخرين، ومقاومة التنمر، ومواجهة الظلم، والإسهام في خدمة المجتمع.
وهذا يتفق مع ما يطرحه علم نفس البطولة المعاصر من أن الهدف من دراسة البطولة ليس تمجيد الماضي فقط، وإنما تعزيز السلوك المسؤول اجتماعيًا الذي يخدم الصالح العام. وبذلك يمكن أن تصبح ذكرى أكتوبر مناسبة لتوسيع مفهوم البطولة لدى الأجيال الجديدة:
البطولة ليست فقط أن تحمل السلاح دفاعًا عن الوطن؛ فقد تكون البطولة أيضًا أن تتعلم، وتعمل، وتتقن مهنتك، وتحافظ على وطنك، وتساعد الآخرين، وتتحمل مسؤوليتك، وتضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية.
خامسًا: البطل بوصفه نموذجًا نفسيًا
يمتلك النموذج البطولي قدرة خاصة على التأثير؛ لأن الإنسان لا يتعلم فقط من التعليم المباشر، وإنما يتعلم أيضًا من خلال النمذجة والملاحظة والاقتداء. وعندما تقدم المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام أبطال أكتوبر بصورة إنسانية واقعية، فإنها لا تنقل معلومات تاريخية فحسب، وإنما تقدم نماذج للسلوك والقيم.
ومن هنا، فإن السؤال المهم ليس فقط:
ماذا حدث في أكتوبر؟
ولكن أيضًا:
ماذا نتعلم نفسيًا وإنسانيًا من الذين صنعوا هذا الحدث؟
وما القيم التي يمكن أن تنتقل من جيل أكتوبر إلى أجيال اليوم؟
وهنا يمكن أن تتحول الذاكرة التاريخية إلى ذاكرة فاعلة.
------------------------------
بقلم: د. عبدالمريد عبدالجابر
* أستاذ علم النفس بجامعة الإمام سعود.






