13 - 10 - 2026

أكتوبر.. عندما انتصر المصريون على المستحيل

أكتوبر.. عندما انتصر المصريون على المستحيل

حين نتحدث عن السادس من أكتوبر، فإننا لا نتحدث فقط عن يوم عبر فيه الجيش المصري قناة السويس، ولا عن معركة عسكرية انتهت بانهيار خط بارليف.

نحن نتحدث عن لحظة نادرة انتقلت فيها مصر من الانكسار إلى الفعل، ومن الهزيمة إلى بناء القدرة على النصر.

ولهذا أريد أن أتناول أكتوبر اليوم من زاوية مختلفة قليلاً:

لماذا انتصرت مصر في أكتوبر، رغم أن إسرائيل كانت تمتلك تفوقًا في السلاح والتكنولوجيا والدعم الأمريكي؟

الإجابة في رأيي ليست في السلاح وحده.

الإجابة كانت في الإنسان، والعلم، والتخطيط، والتصنيع، والعدالة الاجتماعية، والإرادة الوطنية، والقدرة على تحويل الدولة كلها إلى مجتمع يستعد لمعركة استعادة الأرض والكرامة.

ولعل أول درس في أكتوبر أن النصر لا يبدأ يوم إطلاق النار، وإنما يبدأ يوم اتخاذ القرار ببناء القوة.

أولاً: مصر لم تنسَ هزيمة 1967.. وإنما درستها

بعد يونيو 1967 كان أمام مصر طريقان:

إما أن تعيش في الهزيمة، أو أن تحول الهزيمة إلى مدرسة.

وقد اختارت مصر الطريق الثاني.

واللافت في الوثائق التي نشرتها وزارة الدفاع المصرية أن التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر لم يكن عملاً عسكريًا منفصلاً عن الدولة، وإنما قام على دراسة دروس حرب يونيو، وإعادة تنظيم العلاقة بين القرار السياسي والعسكري، وإعداد القوات، واختبار الخطط ومراجعتها. وتصف الوثائق الرسمية التخطيط المصري بأنه قام على أسس علمية واستراتيجية متكاملة.

وهنا أول درس:

الدولة الناجحة لا تخجل من دراسة أخطائها، وإنما تخجل من تكرارها.

ثانيًا: مفاجأة أكتوبر لم تكن مفاجأة عسكرية فقط.. بل كانت مفاجأة عقلية

إسرائيل بنت جزءًا كبيرًا من أمنها على افتراض أن مصر لن تستطيع عبور القناة، وأن خط بارليف يمثل حاجزًا لا يمكن اختراقه بسهولة.

لكن المصريين لم يدخلوا المعركة بالطريقة التي توقعها العدو.

كان هناك تخطيط، وتمويه، وخداع استراتيجي، وحساب دقيق للإمكانات والقيود.

والأهم أن القيادة المصرية لم تطلب من الجيش أن يفعل ما لا يستطيع، وإنما حددت له أهدافًا تتناسب مع قدراته، ثم أحسنت استخدام هذه القدرات.

وهذا درس مهم جدًا لنا اليوم:

ليس النجاح أن تمتلك كل شيء، وإنما أن تعرف كيف تستخدم ما تملك بأعلى كفاءة.

لقد عبر الجنود القناة، وفتحوا الثغرات في الساتر الترابي، وأقاموا الكباري، وأنشأوا رؤوس الكباري، ثم واجهوا الهجمات المضادة.

وتؤكد الوثائق العسكرية المنشورة أن العمليات لم تتوقف عند العبور، وإنما شملت تثبيت رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة وإدارة القتال حتى وقف إطلاق النار.

ثالثًا: هنا يأتي العامل الذي لا يحظى دائمًا بما يستحق من الاهتمام: الإنسان

أنا أعتقد أن أحد أهم أسرار أكتوبر كان الجندي المصري نفسه.

ولكن الجندي لم يولد في السادس من أكتوبر.

الجندي جاء من مدرسة، ومن جامعة، ومن مصنع، ومن قرية، ومن أسرة مصرية.

وهنا لا يمكن أن نفصل بين معركة أكتوبر وبين السياسات الاجتماعية التي سبقت الحرب.

لقد أتاحت مجانية التعليم لأبناء الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى فرصًا واسعة للتعليم.

دخل ابن القرية الجامعة، وأصبح مهندسًا وطبيبًا ومدرسًا وضابطًا وفنيًا.

ودخل القوات المسلحة شباب أكثر تعليمًا وتأهيلاً.

وعندما احتاجت مصر إلى بناء جيش حديث، كانت لديها قاعدة بشرية متعلمة يمكن تدريبها واستخدام قدراتها في الاتصالات والهندسة والصيانة والإدارة والتخطيط.

ومن هنا أقول:

التعليم لم يكن خدمة اجتماعية فقط؛ كان استثمارًا في قوة الدولة.

وهذا من الدروس التي يجب ألا ننساها اليوم.

فالدولة التي تريد جيشًا قويًا، تحتاج إلى مدرسة قوية.

والدولة التي تريد صناعة قوية، تحتاج إلى جامعة قوية.

والدولة التي تريد قرارًا مستقلاً، تحتاج إلى مواطن متعلم يمتلك القدرة على التفكير.

رابعًا: التصنيع.. الوجه الآخر للمعركة

لا يمكن أن نتحدث عن أكتوبر باعتباره انتصارًا عسكريًا فقط.

فخلف الجندي كان هناك عامل وفني ومهندس ومصنع.

وكانت الدولة المصرية قد قطعت شوطًا في بناء قاعدة صناعية وطنية، خصوصًا في القطاع العام، الذي كان يمثل في ذلك الوقت جزءًا مهمًا من قدرة الدولة الاقتصادية والإنتاجية.

ولم تكن المعركة معركة سلاح فقط، وإنما معركة قدرة على توفير السلاح والمعدات وقطع الغيار والخدمات والإمداد والنقل والصيانة.

وهذا يعيدنا إلى مفهوم أصبح شديد الأهمية في عالم اليوم:

الأمن القومي لا يبدأ من الثكنة فقط، وإنما يبدأ من المصنع والمعمل والجامعة.

الدولة التي تستورد كل احتياجاتها الأساسية تصبح قدرتها على اتخاذ القرار مرتبطة بغيرها.

أما الدولة التي تمتلك قاعدة إنتاجية وعلمية، فإنها تمتلك هامشًا أكبر من الاستقلال.

وهذا أحد دروس أكتوبر التي يجب أن نقرأها بعين الحاضر، لا بعين الماضي فقط.

خامسًا: البحث العلمي كان حاضرًا في المعركة

ومن أكثر الجوانب التي تستحق إعادة القراءة أن أكتوبر لم تكن انتصارًا للحماس وحده.

الحماس وحده لا يعبر قناة.

العلم هو الذي يحول الحماس إلى قدرة.

لقد احتاج عبور القناة إلى حلول هندسية وعسكرية دقيقة، كما احتاج التعامل مع الساتر الترابي وخط بارليف إلى تفكير خارج القوالب التقليدية.

والذي يكشف أهمية هذا الجانب اليوم أن القوات المسلحة ما زالت تتعامل مع تاريخ أكتوبر باعتباره مادة للبحث والدراسة، وليس مجرد احتفال سنوي.

فهيئة البحوث العسكرية تنشر الدراسات والبحوث الاستراتيجية والنشرات العلمية، وتعرض الوثائق التاريخية والصور النادرة، وقد نظمت معرض «ذاكرة أكتوبر» لتعميق الوعي التاريخي والعسكري لدى الأجيال الجديدة.

وفي عام 2023 عقدت الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية ندوة علمية بعنوان «آفاق بناء وتطوير الجيش المصري خلال الخمسين عاماً اعتباراً من انتصارات أكتوبر 1973»، بمشاركة قيادات عسكرية وأساتذة علوم سياسية وبحوث اجتماعية وخبراء استراتيجيين.

وهذا في حد ذاته تطور مهم في طريقة قراءة أكتوبر:

أن يتحول النصر من ذكرى إلى موضوع دائم للبحث العلمي والاستراتيجي.

سادسًا: الجديد الأهم في الوثائق المصرية

ومن الأشياء التي أرى أنها يجب أن تصل إلى الشباب أن وزارة الدفاع المصرية أتاحت على موقعها الرسمي مجموعة واسعة من وثائق حرب أكتوبر.

وليس المقصود هنا مجرد صور أو بيانات احتفالية.

هناك وثائق عن:

التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الحرب يومًا بيوم، وتكوين رؤوس الكباري، وصد الهجمات المضادة، وتصفية الثغرة، وفض الاشتباك، والإعلام العسكري، ودور المنظمات الدولية، إضافة إلى مذكرات القادة، ومنها مذكرات المشير الجمسي بخط يده.

وهذه الوثائق تقدم لنا أكتوبر باعتبارها عملية تخطيط وإدارة وصناعة قرار، وليست مجرد مشهد بطولي.

بل إن الدراسات العسكرية المنشورة تؤكد أن دروس أكتوبر أصبحت تدرس في المؤسسات العسكرية في دول مختلفة، وأن الحرب أسهمت في تغيير بعض مفاهيم القتال في العقيدة العسكرية الغربية.

وهذا يجعلنا أمام حقيقة مهمة:

ما نراه نحن ذكرى وطنية، يراه الآخرون أيضًا تجربة عسكرية تستحق الدراسة.

سابعًا: ماذا علمتنا أكتوبر عن العدالة الاجتماعية؟

وهنا أريد أن أقول شيئًا ربما يبدو بعيدًا عن الحرب، لكنه في الحقيقة شديد الصلة بها.

العدالة الاجتماعية ليست رفاهية في الدولة.

عندما يشعر المواطن أن الوطن وطنه، وأن الفرص ليست مقصورة على فئة بعينها، وأن ابن العامل والفلاح يستطيع أن يتعلم ويترقى، فإن الانتماء يصبح أكثر عمقًا.

وفي أكتوبر لم يكن الجندي يقاتل دفاعًا عن حدود مرسومة على الخريطة فقط.

كان يقاتل دفاعًا عن بيته وأسرته وكرامته ومستقبله.

ولهذا فإن العدالة الاجتماعية، والتعليم، والصحة، والعمل، وتحسين مستوى المعيشة، كلها ليست ملفات منفصلة تمامًا عن الأمن القومي.

إنها جزء من تماسك المجتمع.

ثامنًا: الوطنية في أكتوبر لم تكن مجرد هتاف

أحيانًا نختصر الوطنية في الأغاني والأعلام والهتافات.

لكن وطنية أكتوبر كانت شيئًا أكبر.

كانت عاملًا يذهب إلى مصنعه.

وفلاحًا ينتج.

وطالبًا يتعلم.

وضابطًا يخطط.

وجنديًا يتدرب.

وأسرة تتحمل غياب ابنها.

ومواطنًا يتبرع أو يساعد أو يعمل ساعات إضافية.

كانت الوطنية تعني أن يسأل كل إنسان نفسه:

ماذا أستطيع أن أفعل من أجل بلدي؟

وهذا هو معنى الوطنية الحقيقي.

الوطنية ليست فقط أن نحب مصر عندما تنتصر.

الوطنية أن نعمل من أجلها وهي تمر بظروف صعبة.

تاسعًا: الدرس السياسي أيضًا مهم

أكتوبر علمتنا أن السياسة والقدرة العسكرية لا يعملان في عالمين منفصلين.

الوثائق المصرية نفسها تشير إلى أن التخطيط للحرب ارتبط بالتوجيه السياسي والعسكري، وأن العمل السياسي والدبلوماسي كان جزءًا من إدارة الصراع.

كما أن المعركة لم تنته بمجرد توقف المدافع.

جاءت بعدها مفاوضات الكيلو 101، وقرارات وقف إطلاق النار، وعمليات فض الاشتباك.

أي أن الحرب كانت لها بداية عسكرية، ولكن لها أيضًا نهاية سياسية واستراتيجية.

وهذا درس مهم:

القوة العسكرية ضرورية، لكنها ليست بديلاً عن السياسة؛ والسياسة تكون أقوى عندما تستند إلى دولة قوية ومجتمع متماسك.

عاشرًا: ماذا نحتاج من أكتوبر اليوم؟

نحتاج أن نخرج من الاحتفال بالسؤال:

ماذا نفعل نحن بنصر أكتوبر؟

إذا كان أجدادنا قد عبروا قناة السويس في 1973، فعلينا اليوم أن نعبر حواجز أخرى:

حاجز التخلف العلمي.

حاجز ضعف الإنتاج.

حاجز البيروقراطية.

حاجز الفقر.

حاجز ضعف التعليم.

حاجز الاعتماد الزائد على الخارج.

وحاجز فقدان الثقة في قدرتنا على الإنجاز.

أكتوبر يقول لنا:

المستحيل ليس حقيقة ثابتة؛ أحيانًا يكون مجرد واقع لم نعرف بعد كيف نتعامل معه.

وأخيرًا..

بعد 53 عامًا من أكتوبر، لا أريد أن نكتفي بعبارة:

«كان آباؤنا عظماء».

بل أريد أن نسأل:

هل نحن قادرون على أن نكون عظماء مثلهم في معارك زماننا؟

هم كانت معركتهم تحرير الأرض.

أما معركتنا اليوم فهي بناء دولة قوية، منتجة، عادلة، متعلمة، قادرة على المنافسة، وتمتلك قرارها الوطني.

هم واجهوا خط بارليف.

ونحن أمام خطوط بارليف جديدة، بعضها اقتصادي وبعضها علمي وبعضها تكنولوجي وبعضها اجتماعي.

وإذا كان جندي أكتوبر قد عبر القناة وهو يؤمن أنه يستطيع،

فإن مصر اليوم تستطيع أن تعبر كل أزماتها إذا امتلكت العلم والإنتاج والعدالة والتخطيط والإرادة الوطنية.

إن أعظم درس في أكتوبر ليس أن المصريين انتصروا مرة.

بل أن المصريين حين توحدت إرادتهم، وحسنوا التخطيط، واستندوا إلى العلم، وأعدوا الإنسان، ووظفوا إمكانات الدولة والمجتمع، استطاعوا أن يفعلوا ما ظنه الآخرون مستحيلاً.

ولهذا فإن تحية أكتوبر الحقيقية ليست فقط أن نرفع أصواتنا:

تحيا مصر.

وإنما أن نسأل أنفسنا كل صباح:

ماذا فعلت اليوم حتى تصبح مصر أقوى؟

رحم الله شهداء مصر.

وحفظ أبطال قواتنا المسلحة.

وحفظ مصر وشعبها.

وكل عام ومصر عزيزة وقوية وقادرة على عبور المستقبل كما عبرت أكتوبر.
-----------------------------
بقلم: كامل السيد
(نص كلمتى فى احتفالية حزب الحرية المصرى فى القليوبية بذكرى نصر أكتوبر)

مقالات اخرى للكاتب

رئيس هيئة التأمين الصحي الجديد.. ثلاثة مطالب تنتظر قرارات تنفيذية