الاحتفالات الشعبية هي "ممارسات اجتماعية" وطقوس جماعية تعبر عن هوية وثقافة المجتمعات تناقلتها الأجيال عبر التراث والفلكلور، وهى كذلك أنشطة اعتيادية واحتفالية يشارك فيها أفراد المجتمع لإظهار الفرح والبهجة، ومن طبيعتها أنها تنبثق من ثقافة البيئة المحلية وتستمر بالانتقال من جيل إلى آخر، وتتنوع بين مناسبات دينية (الأعياد والمواسم الدينية والموالد) ، ومناسبات وأعياد وطنية وموسمية (أعياد النصر واحتفالات الحصاد وشم النسيم ...) ، ومناسبات اجتماعية ( حفلات الزفاف ... الخ)، وتكمن أهمية تلك الاحتفالات فى: تعزيز الهوية ، وتأكيد الانتماء والروابط المشتركة بين أفراد المجتمع ، وكذلك فى التماسك الاجتماعي، وتحربك سلوك الأفراد نحو التقارب ونشر البهجة والتضامن.
اما التحفيل فهو مصطلح "عامي" حديث أو جديد يقصد به السخرية والمداعبة اللاذعة أو الشماتة المتبادلة بين الأفراد أو الجماهير ، خاصة فى الفرق الرياضية (بعد مباريات كرة القدم)، حيث يقوم جمهور الفريق الفائز باستفزاز الفريق الخاسر والتهكم على خسارته وإخفاقه .
وأصبح مصطلح التحفيل يطلق على الممارسات التى تحدث بين فريقين / دولتين / شعبين .... الخ ، وهو ما يحدث فعلياً على أرض الواقع بين شعب مصرنا الحبيبة والاسرائيليين ؛ ففى المحافل الدولية والرياضية ، تعبر الجماهير المصرية عن موقفها بوضوح ، وخير مثال على ذلك ما شهدته كواليس (مونديال كأس العالم 2026) ؛ إذ تصدي مشجعون مصريون لأي محاولات لرفع العلم الإسرائيلي وسط هتافات داعمة لفلسطين، وهو ما انتقل سريعاً إلى الفضاء الإلكتروني على شكل مقاطع فيديو وتغريدات تحفيلية واسعة الانتشار.
وخلال احتفالات المصريين بنصر أكتوبر يكون ذلك "التحفيل " على أشده؛ فعـــلى مـدار عـــقود مـــن الـــزمــان ومـــنذ عـــبور قــــواتنا الـمسحلة لقناة السويس فى الثانية ظهراً (6 اكتوبر 1973م - 10 رمضان 1393هـ) ومنذ البيان الخامس للقوات المسلحة المصرية فى الرابعة من عصر ذلك اليوم بـــــ (نجاح قواتنا المسلحة فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة واستيلائها على نقط العدو القوية بها ورفعها علم مصر على الضفة الشرقية للقناة) لم تتوقف الاحتفالات الشعبية بذلك النصر حتى تاريخه.
وقد تنوعت اشكال ومظاهر تلك الاحتفلات فشملت كافة المجالات الثقافية والتعليمية والأدبية.. وغيرها؛ تفاعلاً مع ذلك النصر، وحفاظاً على تلك الذكرى وعلى ذلك الإرث المرتبط بها، وترسيخاً للانتماء الوطنى، ونشراً للوعى بها، وتقديراً لشهدائها والتضحيات التى قدموها، ونشراً للفخر والاعتزاز بالوطن.
وقد ضمت تلك الاحتفالات على مدار الزمن ندوات تثقيفية وعروض عسكرية، واستلهم منها الشعراء والأدباء أعمالاً فنية وأدبية سطرت بطولات الجيش المصرى وانتصاراته من خلال سرد القصص البطولية الشعبية التى تنتقل عبر الأجيال، وراحت الإذاعات المدرسية الصباحية تصدح بالحديث عن البطولات، وتتغنى بكل فخر بذكرى التضحيات، وتزين لوحات حوائطها بصور الأبطال، وراحت الاتحادات الطلابية بالجامعات تكرم الأبطال والرموز، ولا يخفى على من عاصروا تلك الاحتفالات ولا على القارئ الكريم ولا على أحد مقدار التحفيل الذى كان يصدح به المحتفلون خلال تلك الفاعليات وعلى مدار تلك العقود حتى وإن كان مصطلح "التحفيل" لم يظهر آنذاك.
وعندما ظهر مصطلح "التحفيل" فقد مارسه المصريون بوضوح على إسرائيل، كأحد المظاهر الثقافية والسياسية البارزة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي (مع ظهورها وتطورها وسرعة انتشارها بشكل لافت) ؛ إذ يدمج المصريون بين الموقف المصرى الداعم للقضية الفلسطينية وفكرة النصر العسكري الذى تحقق فى 1973م ، وبين "خفة الدم" والسخرية عبر الكوميكس والمنشورات التهكمية.
ومع بدايات أكتوبر من كل عام تتحول منصات التواصل إلى "ساحات تحفيل" واسعة، عبر العديد من أشكال هذا السلوك وسياقاته، فيطلق المصريون حملات تحفيل وسخرية واسعة، ومن أشهر ما يستعينون به في الكوميكس، خراطيم المياه تعبيراً عن السخرية من تحطيم "خط بارليف المنيع" بفكرة بسيطة اعتمدت على ضغط المياه، وكذلك "البيجامات الكاستور" للتذكير الدائم بصور الأسرى الإسرائيليين وهم يرتدون تلك البيجامات المخططة الشهيرة أثناء ترحيلهم، وأيضاً استهداف الحسابات الرسمية عن طريق تجمع آلاف المستخدمين على منشورات المتحدثين الرسميين الإسرائيليين (مثل حسابات أفيخاي أدرعي المتحدث السابق باسم الجييش الاسرائيلى) لكتابة تعليقات ساخرة وتهكمية تفند الروايات الإسرائيلية وتذكرهم بالهزيمة.
وهكذا انتشر التحفيل على اسرائيل فى ذكرى اتنتصارات أكتوبر 1973 م فى ظل انتشار الثقافة الرقمية، وانتقل من المدرجات الرياضية والمقاهي ليصبح ظاهرة شائعة على منصات التواصل الاجتماعي، متجاوزاً الرياضة إلى مواقف الحياة اليومية والعمل والسياسة والفن.
حفظ الله مصر وقادتها وجيشها وشعبها من كل مكروه وسوء
--------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد






