14 - 10 - 2026

إبداعات | العلبة فيها فيل - قصة قصيرة

إبداعات | العلبة فيها فيل - قصة قصيرة

حين أخبرني المدير بصدور خطاب ندب لمدة يومين لي لمعهد يبعد عن محل سكني خمسة كيلو مترات، لم ينتبني الغضب كما توقع هو وبقية الزملاء، فقد كان المدير يعتمد عليَّ في الكثير من الأعمال الإدارية إلى جانب الجانب الفني التدريسي، لكنه العجز الصارخ في المعلمين نتيجة زيادة أعداد الطلبة وقلة التعيينات الحديثة.

أخذت خطاب الندب وسافرت إلى المعهد الأزهري الإعدادي بنين، وكان المدير يعرفني فقد التقينا قبل ذلك مرات عدة في امتحانات سابقة، وكان عدد التلاميذ مرتفعاً، والكثافة عالية، ولا يوجد معلم لغة عربية أساسي في المعهد، فقد تمَّ انتدابي ومعلم آخر لتغطية هذا العجز.

والمرحلة الإعدادية مظلومة بين المرحلة الابتدائية ذات الكثافة الضخمة والمرحلة الثانوية، فنادراً ما نجد معهد مرحلة إعدادية إلا وبه عجز صارخ في جميع التخصصات.

بعد ساعتين من اليوم الدراسي، دخلت حجرة المدير، فوجدته يبحث عن العلبة، ويسألني عنها، فلم أحرَّ له جواباً.

سأل أحد الموجهين الذي كان يزور المعهد، فلم يرد عليه، فأخذ يروح ويجئ داخل المكتب، ثم خرج إلى مكتب آخر، ولم يعد.

في اليوم التالي وجدت بعض الزملاء في الصباح الباكر وقبل بدء أعمال طابور الصباح يبحث عن العلبة، وكانت الموجهة المختصة في أعمال المتابعة وهي جهة رقابية عليا تجلس في المكتب، فلم يأبه لوجودها.

لكنني لم أكن أعرف ما هي العلبة التي يريدها، والمدير أمس لم يخبرني عنها، ولم يأخذني الفضول لسؤاله عما تكون تلك العلبة.

سألتني الموجهة عنها فقلت لها: علمني أبي ألا أهتم لما أجهل، وهؤلاء القوم ينتمون إلى قرية بعيدة عدد سكانها جاوز المائة ألف، يقتربون من عدد سكان بعض الدول الثرية، فلهم ثقافة خاصة في استخدام المفردات اللغوية، فقد تكون كلمة العلبة ذات مدلول آخر عندهم، وأنا جديد عليهم.

بعد ساعتين وقرب الفسحة عاد المدير للسؤال عن العلبة، ولكنه كان حاداً هذه المرة، وكان ذلك في حضور بعض أولياء الأمور الذي يشتكون من قسوة بعض المعلمين مع التلاميذ وضرب المعلم للتلاميذ مما يعدُّ خروجاً على الأعراف التربوية والتعليمية، وقال أحدهم: لا نريد إهانة ولا ضرب التلاميذ حتى لو لم يتعلموا، فلم يعد التلاميذ يحضرون للمعهد لتلقي العلم به للترفيه، فهم يأخذون الدروس الخصوصية في الخارج.

لم يكن المدير يأبه لهم، فهذه شكوى متكررة، ما يهمه الآن هو البحث عن العلبة، فأخذني الفضول للسؤال عنها فقلت له: ماذا في تلك العلبة؟

قال: فيل، العلبة فيها فيل كبير.

شعرت بالإهانة من سخريته من سؤالي.

وانتظرت حتى حضر بعض الزملاء حين دخل وقت الفسحة فانتحيت به للسؤال عن العلبة التي يبحث عنها الجميع، ماذا في هذه العلبة؟

أجابني بثغر مبتسم يحاول أن يرسم الجدية على ملامحه قائلاً:

العلبة فيها فيل، كما أكد توفيق الدقن لعبد المنعم إبراهيم.

فزدت إصراراً على رؤية تلك العلبة، وسألت أحد الإداريين عنها فأجابني وهو يرتب أوراقاً كان مشغولاً فيها: العلبة فيها ممنوعات، أشياء نادرة لا تُقدر بثمن.

ألححت عليه بهدوء، فعاد يوضح: العلبة فيها جبنة قديمة، ممكن تكون قديمة مثل قدماء المصريين والآثار المصرية.

فتعجبت للمبالغة، فلما رفع ناظريه في وجهي ورأى تعجبي الشديد قال: نعم... لست أمزح، نحن في قريتنا لدينا نساء قادرات على صناعة جبنة قديمة في بلاليص تظل عدة سنوات قبل فتحها، ممكن تصل إلى خمس أو عشرة سنوات.

قلت له: إنها لا تكون جبنة قديمة، بل جبنة معتقة، تشبه الخمر التي يغلقون عليها براميل في سويسرا، ويظل الإغلاق أجيالاً كاملة؛ لتزداد قيمتها المالية، وتستفيد منها الأجيال التالية.

قال: الخمور لها وظيفة وهي إراحة العقل من التفكير، وإمداد الجسم بالحرارة في البلاد الباردة، أما الجبنة فهي تفتح النفس على تناول الطعام حتى لو كنت تناولت خروفاً بمجرد شم رائحتها.

فقلت: لكني لم أشم رائحتها.

قال: لأننا نحكم غلق العلبة التي نضع فيها الجبنة، ونضع العلبة داخل علبة وعلبة، ثلاث علب محكمة الغلق لئلا تخرج الرائحة، فهي جبنة نادرة وقليلة، وغالية الثمن جدا.

فسألته: كم سعر الكيلو منها؟

ضحك وترك ما بيده ثم قال: الكيلو؟ إنها لا تُباع، ما يُباع هو الجبن القديم الذي مضى عليه سنة أو سنتان فقط، أما هذه التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات فلا نبيعها، وكل فترة يتحفنا صديقنا بخرطة منها، ونظل نتناولها عدة أيام، ونشعر بالجوع بمجرد ذكرها، ولم نعد نستطع تناول الطعام من دونها.

فقلت له: ولماذا يقول المدير إن العلبة فيها فيل؟

قال: لندرة الأفيال في مصر، فقد شبهنا الجبنة لندرتها وقيمتها الغذائية الرائعة بالفيل.

فقلت له: ألا يمكنني الحصول على فيل، أقصد علبة فيها فيل بأي سعر؟

قال: إنَّ من الأشياء أشياء لا تحيط بها اللغة، مثل النغم، يصعب وصفه، وكذلك من الأشياء أشياء لا تُباع ولا تُشترى..

وصمت قليلاً ثم قال: لكنها يمكن أن تُهدى أو يُتصدق بها، لكني لا أنصحك بها؛ فهي إدمان، وقد لا يحلو الطعام من دونها، اصرف نظر أفضل.

شعرت أنها متاهة كبيرة، رغم أن النساء هن اللاتي يصنعنها، فهل من المعقول أن تصنع المرأة الفلاحة في ريف دلتا مصر شيئا بهذا القدر العالي والغالي في القيمة؟

هل تصنع المرأة فيلاً؟ نعم.. ألم يقل المثل الشعبي: وضعوا المرأة والثعبان في كيس خرج الثعبان يستغيث؟
-------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش