لا تنشأ الرواية في فراغ ثقافي، ولا تتحرك شخصياتها وأحداثها في فضاء منفصل عن الذاكرة التي كوّنت وعي الإنسان ومخياله وطرائق نظره إلى العالم؛ فكل نص سردي، مهما بدا متصلًا بتجربة فردية محددة، يحمل في داخله أصداء نصوص سابقة، وصورًا موروثة، وأمكنة مشبعة بالذاكرة، وأصواتًا اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتدخل في حوار خفي مع الوعي الجمعي.
ومن هذا المنظور يمكن مقاربة رواية «حالة شجن» لأحمد رجب شلتوت بوصفها نصًا تتضافر في بنائه مرجعيات متعددة، لا تستقر عند حدود الإحالة إلى الواقع، وإنما تمتد إلى الذاكرة الثقافية والشعبية والاجتماعية، فتغدو الرواية فضاءً تتجاور فيه الحكاية الشخصية مع الحكاية الجمعية، ويتداخل فيه الماضي مع الحاضر، ويتحول اليومي العابر إلى علامة دالة على اختلال أعمق في بنية الحياة.
وتبدو «حالة شجن» منذ عتبتها الأولى مشدودة إلى ثنائية الذاكرة والواقع؛ فالشجن ليس حالة وجدانية عابرة تتلبس الشخصيات ثم تنقضي، وإنما يتحول إلى بنية شعورية تتخلل السرد كله، وتمنح الوقائع اليومية دلالات تتجاوز ظاهرها. ومن هنا فإن عنوان الرواية لا يحيل إلى الحزن بمعناه المباشر فحسب، بل يفتح على حالة من التوتر بين ما كان وما آل إليه الحال، بين ذاكرة تستعيد زمنًا كانت فيه الأشياء أكثر وضوحًا، وواقع يزداد التباسًا وقسوة، وبين الإنسان الذي يحتفظ في داخله بصورة عن ذاته وماضيه، والعالم الذي يدفعه باستمرار إلى الإحساس بالتهميش والانكسار. ولعل هذه المسافة بين الذاكرة والواقع هي إحدى المناطق الأكثر خصوبة في خطاب شلتوت؛ إذ لا يستعيد الماضي لمجرد الحنين، بل يستدعيه لكي يضيء الحاضر ويكشف مفارقاته.
إن المرجعية في «حالة شجن» لا تعمل بوصفها نقلًا فوتوغرافيًا للواقع، وإنما بوصفها إعادة إنتاج له داخل المخيلة السردية. فالأمكنة التي تتحرك فيها الشخصيات، من أطراف القاهرة إلى أبي النمرس والوراق وما يرتبط بها من فضاءات شعبية، ليست مجرد مواقع جغرافية تتحرك فيها الأحداث، بل تتحول إلى أمكنة ذات ذاكرة، تتراكم فيها آثار البشر وحكاياتهم، وتتشكل من خلالها ملامح عالم اجتماعي تتجاور فيه الحاجة والفقر والأمل والانكسار.
ولذلك فإن المكان عند شلتوت لا يقف خارج الشخصية، بل يشارك في تشكيلها، ويكشف ما تعجز الشخصية أحيانًا عن قوله. فالمكان الشعبي، بما يحمله من ضيق ومفارقات وعلاقات بشرية متشابكة، يصبح صورة مكثفة لمجتمع كامل، وتصبح الطرقات والأقسام والمشرحة والبيوت وأبواب المؤسسات عتبات سردية تكشف المسافة الفاصلة بين الإنسان وحقه في حياة كريمة.
ومن أبرز مستويات الذاكرة الثقافية في الرواية ذلك الذي يتصل بشخصية الأب، أحمد منصور، الجندي المتطوع السابق الذي شارك في حروب مصر. فهذه الشخصية لا تُبنى بوصفها فردًا داخل عائلة فحسب، وإنما تحمل خلفها ذاكرة وطنية كاملة. إن استدعاء الماضي العسكري للأب يضع الشخصية في مواجهة مفارقة مؤلمة: رجل منح جزءًا من شبابه للوطن، ثم يجد نفسه في خريف العمر واقعًا على هامش الحياة، مثقلًا بالإحباط والخذلان. وهنا تتولد المفارقة بين قيمة التضحية في الذاكرة وبين صورة الإنسان بعد انقضاء زمن البطولة؛ فالماضي الذي كان يمنح الذات معنى ومكانة يتحول في الحاضر إلى ذاكرة موجعة، لأن صاحب تلك الذاكرة لا يجد في واقعه ما يوازي ما قدمه ذات يوم.
ومن هذه الزاوية، تصبح شخصية الأب أشبه بمستودع للذاكرة الجمعية؛ ففي جسده المتعب ووعيه المنهك تتجاور صورة الوطن في زمن الحرب مع صورة الإنسان في زمن الحاجة. ولذلك فإن الشجن الذي يحيط بالشخصية ليس شجنًا شخصيًا خالصًا، وإنما هو امتداد لشعور أوسع بالانكسار حين تتسع الفجوة بين الذاكرة وما يقدمه الحاضر. إن الماضي هنا لا يعود لكي يمارس وظيفة توثيقية، بل يتحول إلى مرآة يقيس من خلالها السرد مقدار التحول الذي أصاب الإنسان والمجتمع.
وفي مقابل ذاكرة الأب، تتحرك ذاكرة الأبناء، جمال ومحمد، في اتجاه آخر؛ فهي ذاكرة لم تختبر البطولة ذاتها، وإنما تختبر عنف الواقع اليومي وآليات الإقصاء الاجتماعي. وتتحول رحلة البحث التي يخوضانها إلى مسار سردي يكشف طبقات متعددة من المجتمع، ولا سيما ما يتصل بالبطالة، وضيق فرص الحياة، وتعقيد العلاقة مع المؤسسات، وشعور الفرد البسيط بأنه يقف دائمًا أمام أبواب مغلقة. وهنا لا يعود البحث عن حل لمشكلة شخصية مجرد حدث روائي، وإنما يتحول إلى صورة عن رحلة الإنسان المهمش في بحثه عن اعتراف بحقه في الوجود.
ويكتسب هذا المسار دلالته من تكرار مشاهد الانتظار والوقوف على الأبواب ومواجهة الصدود واللامبالاة. فالباب في الرواية يمكن أن يُقرأ بوصفه علامة سردية تتجاوز وظيفته المكانية؛ إنه الحد الفاصل بين المواطن والمؤسسة، وبين الحاجة والاستجابة، وبين السؤال والجواب. وكلما اصطدمت الشخصيات بهذا الباب اتسعت دائرة الاغتراب، لأن المؤسسة التي يفترض أن تكون وسيطًا لحماية الإنسان تتحول، في التجربة الروائية، إلى فضاء للانتظار والتعطيل. ويأتي جمال، وهو يستند إلى عكازه، بوصفه صورة مكثفة للإنسان الذي لا يحمل عبء حاجته وحدها، وإنما يحمل فوقها عبء جسده وظروفه ونظرة الآخرين إليه.
وتتعمق هذه الدلالة عبر الشخصيات الهامشية التي تمر بها رحلة البحث، مثل عم خلف في قسم الجيزة وعم بدوي في المشرحة؛ إذ لا تظهر هذه الشخصيات باعتبارها أسماء عابرة في شبكة الأحداث، وإنما تمنح السرد ملمسًا واقعيًا، وتفتح في الوقت نفسه بابًا على الذاكرة الشعبية. فالشخصية الهامشية عند شلتوت تمتلك قدرة على اختزال المكان الذي تنتمي إليه؛ إنها تعرف أسراره، وتدرك طرائق اشتغاله، وتعيش في المنطقة التي لا تظهر عادة في الخطابات الرسمية. ومن ثم تصبح هذه الشخصيات جزءًا من «أرشيف الشارع»، أو من الذاكرة غير المكتوبة للمجتمع.
وهنا يتضح أحد أهم وجوه التناص في الرواية؛ فالتناص ليس بالضرورة إحالة مباشرة إلى نص أدبي سابق أو اقتباسًا من كتاب معروف، وإنما قد يكون تناصًا مع خطاب اجتماعي كامل، ومع لغة الناس، ومع الموروث الشعبي، ومع الأمثال والأغاني والعبارات اليومية التي تستقر في الذاكرة وتعيد إنتاج نفسها في المواقف المختلفة. فالكاتب يستثمر الثقافة الشعبية لا بوصفها زينة لغوية، بل باعتبارها نظامًا من أنظمة التفكير؛ إذ تحمل العبارة الشعبية تاريخًا من التجارب الإنسانية، وتختزن رؤية المجتمع إلى الحياة والموت والفقر والحب والخسارة والنجاة.
ومن هنا تكتسب لغة الحوار في «حالة شجن» أهميتها؛ فهي لا تسعى إلى صناعة حوار أدبي مصطنع، وإنما تنحاز إلى اللغة التي تتنفس بها الشخصيات وتتحرك داخلها. إن حضور لغة الشارع المصري، بما فيها من عفوية ومفارقة وسخرية، يمنح الرواية صدقها الاجتماعي، ويجعل الشخصيات قريبة من نبض بيئتها. غير أن الأهمية الفنية لهذه اللغة تكمن في أن شلتوت لا يستخدمها استخدامًا تسجيلّيًا محضًا؛ إذ يعيد تشكيلها داخل بنية سردية تجعلها قادرة على إنتاج الدلالة. فالجملة الساخرة قد تخفي وراءها ألمًا، والنكتة قد تكون قناعًا للخوف، والضحك قد يكون طريقة لمقاومة واقع لا يمنح الإنسان سببًا حقيقيًا للفرح.
ومن هنا تتشكل الكوميديا السوداء بوصفها واحدة من الآليات الجمالية البارزة في الرواية. فالضحك في «حالة شجن» ليس نقيض الحزن، بل هو الوجه الآخر له. وحين يسخر الإنسان البسيط من واقعه، فإنه لا يثبت خفة هذا الواقع، وإنما يكشف ثقلَه. إن السخرية تمنح الشخصية وسيلة لمواجهة العجز؛ فحين لا تستطيع تغيير الواقع تستطيع على الأقل أن تفضح مفارقاته بالسخرية منه. ولهذا تتحول المفارقة الكوميدية إلى موقف سردي له دلالة اجتماعية، لأنها تكشف عبثية بعض المواقف دون أن تحول الرواية إلى خطاب مباشر أو تقرير اجتماعي.
ويتصل بذلك حضور الذاكرة الغنائية والشعبية في الرواية؛ فالأغنية، والمثل، والعبارة المأثورة، والإيقاع الشعبي ليست عناصر خارجية ملحقة بالنص، وإنما تدخل في نسيجه لتستحضر طبقة من الوعي الجمعي. فالشخصية حين تستدعي عبارة مألوفة أو نغمة شعبية لا تستدعي كلمات فقط، وإنما تستدعي زمنًا كاملًا، ووجوهًا وأماكن ومواقف وأحاسيس ارتبطت بتلك الكلمات. وهذا هو جوهر الذاكرة الثقافية: أن تستقر التجربة في علامة صغيرة قادرة على استحضار عالم كامل.
ومن اللافت أن الذاكرة في «حالة شجن» لا تتخذ دائمًا صورة الاسترجاع المباشر، بل تتسلل أحيانًا عبر الأحلام والهواجس والتداعيات النفسية. ففي لحظات الغفوة أو الهذيان تتداخل الأزمنة في وعي الأب، وتتداعى صور الماضي في هيئة مشاهد ورموز وإيحاءات، فتبدو الذاكرة كأنها تعمل من تلقاء نفسها، تستعيد ما عجز الوعي عن استعادته بصورة منظمة. وهذه التقنية تمنح السرد بعدًا نفسيًا؛ لأن الذاكرة هنا ليست ملفًا محفوظًا في ذهن الشخصية، وإنما كائن حي يعيد ترتيب الماضي وفقًا لحاجة الحاضر وأزمته.
وتحضر صورة الطيور المنكسرة أو ومضات الضوء الباهتة، في هذا السياق، بوصفها علامات قابلة للتأويل ضمن البنية الرمزية للرواية. فالطائر في المخيال الإنساني يرتبط غالبًا بالحرية والتحليق والانعتاق، غير أن الطائر المنكسر يقلب هذه الدلالة؛ إذ يصبح رمزًا لإمكان الحرية حين يُصاب بالعجز. وكذلك الضوء الباهت لا يختفي تمامًا، لكنه لا يكفي لتبديد العتمة؛ ولذلك يمكن قراءة هذه الإشارات بوصفها امتدادًا رمزيًا لحالة الشخصيات التي لا تفقد الأمل بصورة كاملة، لكنها تعيش في منطقة يكون فيها الأمل ضعيفًا، مؤجلًا، ومهددًا باستمرار.
وفي هذا المستوى تتفاعل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية؛ فحلم الأب ليس شأنًا نفسيًا منعزلًا، لأنه يستعيد عبره زمنًا كانت فيه البطولة ممكنة، بينما واقع الأبناء يستعيد زمنًا آخر أصبحت فيه البطولة اليومية هي مجرد القدرة على الاستمرار. وبذلك تتحول الرواية إلى مساحة للتجاور بين أجيال مختلفة، لكل جيل ذاكرته، غير أن هذه الذكريات تلتقي في الإحساس ذاته بالفقد.
وتؤدي الأم، في مقابل صورة الأب المنهك، وظيفة وجدانية وثقافية ذات أهمية خاصة؛ فهي لا تظهر فقط بوصفها عنصرًا في البنية الأسرية، وإنما تجسد طاقة الاحتضان والاستمرار. وفي صلابتها وعاطفتها يمكن أن تتشكل صورة أخرى للوطن، لا بوصفه خطابًا مجردًا، وإنما بوصفه بيتًا يحاول أن يحافظ على أبنائه مهما اشتدت الأزمات. وإذا كان الأب يمثل ذاكرة البطولة والخذلان، فإن الأم تمثل ذاكرة البقاء؛ فهي التي تظل ممسكة بخيط الحياة حين تتفكك الخيوط الأخرى.
ويتسع هذا المعنى حين يدخل الجيران وأبناء الحي في نسيج الحكاية، ولا سيما في لحظات المواساة أو الاحتفاء بعودة الابن الغائب «غريب». فالجماعة الشعبية هنا تستعيد دورها بوصفها شبكة حماية وجدانية في مجتمع أنهكته الأزمات. ولعل هذا الجانب من الرواية يحقق توازنًا مهمًا؛ إذ لا يترك شلتوت شخصياته في عتمة فردية مطلقة، بل يتيح للآخرين أن يشاركوا في حمل الألم. ويتحول الفرح الجماعي، مهما كان بسيطًا، إلى فعل مقاومة رمزي؛ لأن الجماعة التي تضحك وتحتفي وتواسي، رغم ضيق الحال، تثبت أنها لم تفقد قدرتها على إنتاج المعنى.
ومن ثم فإن «حالة شجن» لا تقدم المجتمع من خلال ثنائية مبسطة بين الخير والشر، وإنما تكشف عن شبكة معقدة من العلاقات؛ فيها المهمش، وفيها الموظف، وفيها الجار، وفيها الأم، وفيها الأب، وفيها الابن، وفيها المؤسسة، وكل شخصية تتحرك داخل شروطها الخاصة. وهذا ما يمنح الرواية بعدها الإنساني؛ إذ لا تتحول الشخصيات إلى أقنعة لأفكار جاهزة، بل تبقى مرتبطة بتجاربها وانفعالاتها ومحدودية قدرتها على تغيير ما يحيط بها.
إن مرجعيات النص، بهذا المعنى، تمتد من التاريخ إلى الجغرافيا، ومن الذاكرة الوطنية إلى الذاكرة الشعبية، ومن الأغنية والمثل إلى لغة الشارع، ومن التجربة الفردية إلى التجربة الجمعية. وهذه المستويات لا تعمل منفردة، وإنما تتشابك لتنتج ما يمكن تسميته بـ«الذاكرة السردية»؛ أي تلك الذاكرة التي لا تستعيد الماضي كما حدث، وإنما تعيد بناءه من خلال الحاضر. فالروائي لا يكتب الماضي وحده، بل يكتب الطريقة التي ينظر بها الحاضر إلى ذلك الماضي، وهذه المسافة بين الحدث وتذكره هي التي تمنح النص قابليته للتأويل.
ولذلك فإن التناص في «حالة شجن» لا ينبغي أن يُحصر في البحث عن مصادر خارجية للنص، وإنما ينبغي النظر إليه بوصفه بنية داخلية تشكل طريقة الرواية في إنتاج المعنى. فحين تتجاور اللغة الشعبية مع الذاكرة العسكرية، وحين يلتقي المكان الواقعي بالحلم، وحين تتجاور السخرية مع الألم، وحين تتحول الأغنية أو العبارة الموروثة إلى حامل للذاكرة، فإن الرواية تكون قد أقامت حوارًا بين أنظمة ثقافية متعددة. وهذا الحوار هو الذي يمنح النص كثافته؛ لأن القارئ لا يقرأ قصة عائلة فحسب، وإنما يقرأ تحتها طبقات من الثقافة والتاريخ والمجتمع.
وتتجلى براعة شلتوت في أنه لا يحوّل هذه المرجعيات إلى عبء معرفي يثقل السرد؛ فهي تدخل غالبًا من خلال الشخصيات وحركتها ولغتها، ولذلك تبدو طبيعية ومتصلة بنسيج الحكاية. فالمرجعية الناجحة ليست تلك التي يراها القارئ بوصفها إحالة مقصودة، وإنما تلك التي يشعر بوجودها دون أن يشعر بثقلها. ومن هنا تتولد شعرية النص من منطقة التفاعل بين الواقعي والرمزي، وبين المعيش والمتخيل، وبين اللغة اليومية والدلالة العميقة.
كما أن حضور الموت والفقد والغياب في الرواية لا يأتي بوصفه حدثًا نهائيًا يغلق الحكاية، وإنما يتحول إلى قوة تستدعي الذاكرة. فالإنسان حين يفقد شخصًا أو زمنًا أو مكانًا، يبدأ في استعادته بالكلمات، ولذلك يمكن القول إن الذاكرة في الرواية تنشأ من الفقد بقدر ما تنشأ من الحنين. وكلما اتسعت مساحة الفقد، اتسعت الحاجة إلى الحكاية. ومن هنا يصبح السرد نفسه فعل مقاومة للنسيان؛ فالحكاية تمنح الأشخاص الذين يوشكون على الغياب فرصة ثانية للحضور.
ولعل هذه النقطة هي التي تمنح الرواية بعدها الإنساني الأوسع؛ إذ إن «حالة شجن» لا تجعل من الشجن غاية جمالية مكتفية بذاتها، وإنما تجعله طريقًا إلى اكتشاف الإنسان في لحظة ضعفه. فالشجن هنا ليس استسلامًا للحزن، بل وعي به؛ والوعي بالألم يختلف عن الغرق فيه. ولذلك فإن الرواية، وهي تكشف هشاشة الواقع، تترك في أعماقها إمكانية للمقاومة، لا المقاومة الصاخبة بالضرورة، وإنما مقاومة الإنسان البسيط للنسيان، وتمسكه بالأسرة، والجار، والذاكرة، والسخرية، وبقدرته على مواصلة الحياة رغم كل ما يهددها.
ومن هذا المنظور، تبدو «حالة شجن» نصًا تتحول فيه الذاكرة من مادة سردية إلى بنية دلالية، ويتحول التناص من تقنية إلى طريقة في بناء الرؤية. فالنص يستمد قوته من تلك المساحة التي يلتقي فيها ما هو شخصي بما هو جمعي، وما هو واقعي بما هو متخيل، وما هو مألوف بما هو رمزي. وتصبح الشخصيات، في هذا السياق، حاملة لذاكرة تتجاوزها، ويصبح المكان شاهدًا على ما مرّ به الناس، وتصبح اللغة سجلًا غير رسمي للثقافة الشعبية، وتصبح السخرية إحدى الوسائل التي يحتمي بها الإنسان من قسوة الواقع.
إن أحمد رجب شلتوت، في «حالة شجن»، لا يكتب عن الهامش من موقع المتفرج، وإنما يجعل الهامش مركزًا للرؤية؛ ومن خلال الأشخاص الذين لا يمتلكون سلطة صناعة الحدث، يمنحهم سلطة الحكاية. وهذا التحول من «المهمش» إلى «صاحب الصوت» من أهم الأبعاد الجمالية والإنسانية في التجربة الروائية؛ لأن الأدب يستطيع أن يعيد توزيع الضوء، فيمنح حضورًا لمن لا يظهرون عادة في الخطابات الكبرى.
وهكذا تتشكل الرواية بوصفها نصًا متعدد الذاكرات: ذاكرة وطنية تستعيد زمن الحرب والبطولة، وذاكرة اجتماعية تسجل تحولات الحياة اليومية، وذاكرة شعبية تحفظ الأمثال والأغاني ولغة الشارع، وذاكرة مكانية تستبقي صور الأمكنة وأهلها، وذاكرة شخصية تستعيد الفقد والغياب والانتظار. وتتداخل هذه الذاكرات جميعًا لتصنع خطابًا روائيًا يقوم على جدلية الاستعادة والنقد؛ فالماضي لا يعود لمجرد الحنين، والحاضر لا يُعرض لمجرد الشكوى، وإنما يتواجه الزمنان لكي يكشف كل منهما الآخر.
وبذلك تغدو «حالة شجن» أكثر من حكاية عائلة أو تسجيل لمجموعة من الوقائع الاجتماعية؛ إنها محاولة سردية لالتقاط الإنسان حين تتراجع المسافة بين الخاص والعام، وحين تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر قدرة على قول الحقيقة من الخطب الكبرى. فالبيت، والشارع، والقسم، والمشرحة، والجيران، والعكاز، والانتظار، والعودة، والأغنية، والضحكة المرة، كلها تتحول إلى وحدات دلالية تتضافر لتشكيل صورة مجتمع يعيش اختلالاته ويحاول، في الوقت نفسه، أن يحتفظ بما تبقى له من دفء إنساني.
وفي المحصلة، تكشف رواية «حالة شجن» عن خطاب سردي تتجاور فيه مرجعيات الواقع مع تناصات الذاكرة الثقافية، لتنتج كتابة لا تكتفي برصد الألم، وإنما تعيد صياغته جماليًا. وإذا كان الشجن هو النغمة التي تسري في جسد الرواية، فإن الذاكرة هي موسيقاها الداخلية؛ فهي التي تمنح الألم جذوره، وتربط الشخصيات بماضيها، وتفسر انفعالاتها، وتفتح الحاضر على أسئلة أعمق من حدود الحكاية المباشرة. ومن هنا فإن قيمة النص لا تتأسس في كثرة ما يستعيده من مرجعيات، وإنما في الطريقة التي يحول بها تلك المرجعيات إلى طاقة سردية منتجة للمعنى.
إن الرواية، في النهاية، تكتب الإنسان وهو يقاوم التلاشي؛ تكتب الأب الذي يحمل ذاكرة زمن مضى، والأبناء الذين يواجهون حاضرًا ضاغطًا، والأم التي تحرس ما تبقى من دفء البيت، والجيران الذين يحولون التضامن إلى فعل حياة، والشخصيات الهامشية التي تحفظ أسرار الأمكنة، واللغة الشعبية التي تصر على أن تضحك حتى في أكثر اللحظات قسوة. ومن خلال هذا كله ينجح أحمد رجب شلتوت في أن يجعل من الذاكرة مادة فنية، ومن التناص وسيلة لتوسيع أفق الحكاية، ومن الشجن خطابًا إنسانيًا لا يستسلم للعتمة، بل يستخرج من قلبها قدرة الإنسان على التذكر، والحكي، والسخرية، والاستمرار.
---------------------------------
بقلم: د. وسام علي الخالدي
* ناقدة وأكاديمية عراقية






