14 - 10 - 2026

أفغانستان بعد 5 سنوات من حكم طالبان (1)

أفغانستان بعد 5 سنوات من حكم طالبان (1)

- حكم متشح بالإسلام و بعيد عن عدالته ..  واستقرار أمني هشّ وثمن إنساني باهظ

بعد خمس سنوات على عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، يقف المشهد الأفغاني عند مفارقة قاسية. هدوء أمني نسبي أنهى عقوداً من الحرب، لكنه جاء مصحوباً بتدهور إنساني واقتصادي غير مسبوق، وقيود اجتماعية جعلت أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي تُحرم فيها النساء والفتيات من حقوقهن بشكل منهجي.

في سبتمبر 2026، احتفلت الحركة بالذكرى الخامسة لعودتها، مبرزة السيطرة الوطنية وتحسين الأمن وجهود الاستقرار الاقتصادي كدليل على نجاحها. لا تزال سلطات طالبان تسيطر على كامل الأراضي الأفغانية، وتواصل إنفاذ سياساتها القائمة على تفسيرها الخاص للإسلام. لكن هذا الاستقرار يظل هشاً. فجماعات مسلحة، وعلى رأسها تنظيم "داعش-ولاية خراسان"، ما زالت تشكل تهديداً حقيقياً. شهدت السنوات الأخيرة هجمات كبرى في كابل، من بينها تفجير انتحاري أودى بحياة وزير اللاجئين بالوكالة في ديسمبر 2024، وهجوم على مطعم صيني في يناير 2026 أسفر عن مقتل سبعة أشخاص.

وعلى الصعيد الخارجي، تصاعدت التوترات العسكرية مع باكستان بشكل خطير من أواخر 2025 إلى ربيع 2026. شنت باكستان ضربات جوية متقطعة داخل الأراضي الأفغانية، ووصف مسؤولون باكستانيون الوضع بأنه "حرب مفتوحة". في الوقت نفسه، تتحدث تقارير دولية عن خلافات داخلية وانقسامات متزايدة تهدد بتفكيك النسيج السياسي للحركة نفسها.

على الجانب الإنساني، تقف أفغانستان اليوم على مفترق طرق خطير. تقدر الأمم المتحدة أن 21.9 مليون شخص، أي حوالي 45% من السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2026، من بينهم أكثر من 11.6 مليون طفل. لكن المأساة الأكبر تكمن في انهيار التمويل الدولي. بلغت المساعدات الإنسانية لأفغانستان ذروتها عند 3.27 مليار دولار في 2022، لكنها انخفضت بنسبة تقارب 70% لتصل إلى مليار دولار فقط في 2025. وبحلول أبريل 2026، لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية على سوى 14% من احتياجاتها، أي 240.9 مليون دولار من أصل 1.7 مليارا مطلوبة.

انعكس هذا النقص الحاد في التمويل على الخدمات الأساسية. أُغلقت أو عُلّقت نحو 600 منشأة صحية، مما حرم حوالي أربعة ملايين شخص، نصفهم من الأطفال، من الرعاية الصحية الأولية. ويعاني واحد من كل عشرة أطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بإجمالي 3.7 مليون طفل في 2026، بزيادة 14% خلال أربع سنوات. ومن المتوقع أن يواجه 17.4 مليون شخص مستويات أزمة في انعدام الأمن الغذائي بين أبريل وسبتمبر 2026، بزيادة ثلاثة ملايين عن العام الماضي.

أما الاقتصاد، فقد حقق نمواً طفيفاً بنحو 4.8% في 2025، مدفوعاً بالطلب المحلي والتحصيل الضريبي الأفضل. لكن هذا النمو لا يكفي لمواكبة النمو السكاني السريع. النتيجة أن نصيب الفرد من الدخل انخفض بنسبة 5.6% في 2025، ومن المتوقع أن ينخفض بنسبة إضافية تبلغ 3.5% في 2026. لا يزال أكثر من 30 مليون أفغاني يعيشون على أقل من دولار واحد يومياً. ويعاني الاقتصاد من اعتماد مفرط على الواردات، مع ارتفاع تكاليف النقل بسبب إغلاق الحدود والتوترات الإقليمية، مما يزيد من صعوبة وصول الغذاء والوقود والسلع الأساسية.

في المقابل، استقرت العملة الأفغانية عند حوالي 66 إلى 70 أفغانياً للدولار، مقارنة بانخفاض تاريخي بلغ 130 بعد عودة طالبان، كما استقر سعر رغيف الخبز الأساسي عند حوالي 10 أفغانيات. لكن الاستقرار النقدي لم يخفف الضغوط المعيشية. يقدر مسؤولون حكوميون أن 26% من السكان في سن العمل عاطلون عن العمل، مع توقع ارتفاع هذا الرقم مع عودة ملايين اللاجئين من باكستان وإيران.

غير أن الوجه الأكثر قتامة في المشهد الأفغاني يبقى وضع المرأة. تواجه المرأة الأفغانية اليوم ما وصفه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بأنه "نظام فصل يشبه نظام الفصل العنصري، لكنه قائم على النوع الاجتماعي وليس العرق". أصدرت سلطات طالبان أكثر من 100 مرسوم تقيد حقوق النساء والفتيات. لا تزال 2.4 مليون فتاة محرومات من التعليم الثانوي، مما يهدد بفقدان أكثر من 25 ألف معلمة وعاملة صحية، وهو ما سيفاقم أزمة الرعاية الصحية للنساء.

نصف النساء الأفغانيات لا يخرجن من منازلهن سوى مرة أو مرتين شهرياً، وأكثر من 70% يشعرن بعدم الأمان عند الخروج دون محرم. في يونيو 2026، سُجنت 30 امرأة على الأقل في هرات بتهمة مخالفة قواعد اللباس، وقوبلت احتجاجاتهن باستخدام مفرط للقوة. كما أبطلت المراسيم الأخيرة المساواة القانونية بين الرجال والنساء، ومنحت الأزواج سلطة قانونية على زوجاتهم، وجرّمت العنف الزوجي فقط عندما يؤدي إلى إصابات جسدية "شديدة ومرئية". وجعلت المراسيم من الصعب على المرأة مغادرة الزواج، مع الحفاظ على حق الرجل في الطلاق الأحادي.

سببت العزلة القسرية وفقدان الحقوق أزمة صحة نفسية حادة، حيث تصف سبع من كل عشر نساء حالتهن النفسية بأنها "سيئة" أو "سيئة جداً".

وهكذا تقف أفغانستان اليوم بين استقرار أمني لا ينكره أحد، وأزمة إنسانية وحقوقية لا يمكن تجاهلها. نجحت طالبان في فرض سيطرتها الداخلية وإنهاء عقود من الحرب الأهلية، لكنها خلقت نظاماً يستبعد نصف سكانه من الحياة العامة، ويعتمد على مساعدات دولية آخذة في التقلص. خمس سنوات بعد العودة، يبدو المستقبل غامضاً. استمرار الاستقرار الأمني مرهون بمعالجة الأسباب الجذرية للاستبعاد والفقر، وهو ما لا تبدو الحركة مستعدة للقيام به.

و للحديث بقية ...
---------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال

مقالات اخرى للكاتب

نرجسية خبيثة أم نتاج العصر؟ جدل الخبراء حول شخصية ترامب