الخداع الاستراتيجي الأعلى مستوى لا يصنع واقعًا كاذبًا للخصم؛ بل يصنع إطارًا ذهنيًا يجبره على تحويل الواقع الحقيقي إلى استنتاج كاذب، وهذه ليست حيلة عسكرية عابرة، بل فلسفة كاملة في إدارة إدراك الخصم.
والأكثر إثارة أن هذا يجعل أكتوبر 1973 واحدة من أغنى الحالات التاريخية لدراسة العلاقة بين المعلومة والإدراك والتحيز والخداع والقرار والقوة. فالحرب لم تبدأ في السادس من أكتوبر 1973، ذلك هو التاريخ الذي انطلقت فيه الطائرات، وعبرت فيه الجيوش، أما الحرب الحقيقية، فقد بدأت قبل ذلك بسنوات، بدأت يوم أدرك العقل العسكري المصري أن استعادة الأرض لا تبدأ بالضرورة باستعادة التفوق، وأن الدولة التي لا تستطيع أن تكون أقوى من خصمها في كل شيء، تستطيع أحيانًا أن تكون أذكى منه في اختيار اللحظة، وتحديد المكان، وإدارة المعلومات، وصناعة الصورة التي يرى بها الخصم نفسه والآخر.
ولهذا فإن أكتوبر ليست فقط قصة عبور قناة السويس، إنها واحدة من أكثر الحالات إثارة في تاريخ الخداع الاستراتيجي (Strategic Deception) ، والمفاجأة الاستراتيجية (Strategic Surprise) ، وفشل الاستخبارات (Intelligence Failure) ، والأهم أنها حالة نادرة تستطيع أن ترى فيها شيئًا شديد الغرابة: دولة لا تخفي الحقيقة تمامًا عن خصمها، وإنما تدفعه إلى تفسير الحقيقة بالطريقة التي تخدم خطتها، وهذه هي النقطة التي تجعل أكتوبر أكثر عمقًا من رواية عسكرية تقليدية، فإسرائيل كانت ترى، لكنها لم تكن تفهم ما ترى، وهنا يبدأ السر، فليس السر هو عبور القناة، بل عبور العقل، من انتظار الفعل إلى صناعته، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة، ومن الإحساس بالهزيمة إلى استعادة الزمام، فلم تكن إسرائيل عمياء، بل كانت ترى، لكنها لم تفهم، وهنا بالضبط، يبدأ الدرس.
فبعد الحرب، أعدت أجهزة الاستخبارات الأمريكية مراجعتها الشهيرة لأسباب المفاجأة، وجاء الاستنتاج الرسمي صادمًا: المعلومات التي وصلت إلى مجتمع الاستخبارات الأمريكي قبل الحرب كانت جميعها "وفيرة، ومثيرة، ودقيقة"، ومع ذلك أخطأت أجهزة التقييم في استنتاجها النهائي، وفي دراسة مركز الدراسات التاريخية التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية(CIA Center for the Study of Intelligence) . يوضح ماثيو تي. بيني (Matthew T. Penney) أن الأرشيفات المفرج عنها أظهرت أن المحللين الأمريكيين لم يكونوا غافلين تمامًا عن احتمال الحرب؛ بل ناقشوا المؤشرات، ودرسوا احتمال أن يُقدم أنور السادات على الحرب رغم معرفته بأن ميزان القوة لا يضمن له انتصارًا عسكريًا، لكن التقدير النهائي ظل خاطئًا.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل أكتوبر درسًا في فلسفة القوة قبل أن تكون درسًا في الحرب، فالمشكلة لم تكن في غياب المعلومات، بل كانت في العقل الذي يفسرها، وهذه الفكرة لم تبقَ مجرد انطباع تاريخي، ففي دراسة "فشل الاستخبارات والحاجة إلى الإغلاق المعرفي: في سيكولوجية مفاجأة يوم الغفران" (Intelligence Failure and Need for Cognitive Closure: On the Psychology of the Yom Kippur Surprise)، يذهب عالم السياسة الإسرائيلي أوري بار-جوزيف (Uri Bar-Joseph) وعالم النفس الاجتماعي الأمريكي آري كروجلانسكي (Arie W. Kruglanski) إلى أن أحد مفاتيح المفاجأة كان ما يسمونه "الحاجة إلى الإغلاق المعرفي" (Need for Cognitive Closure)؛ وهي في أبسط معانيها، الميل إلى تثبيت تفسير معين للواقع، ثم مقاومة كل معلومة تهدد هذا التفسير، فالعقل لا يبحث دائمًا عن الحقيقة، بل عن اليقين، وعندما يظفر باليقين، يدافع عنه كأنه الحقيقة، وفي أكتوبر، لم تكن إسرائيل فقدت عيونها؛ ولكنها تشبثت بتفسيرها، وكان ذلك التشبث هو الثغرة، فلم يكن على مصر أن تجعل إسرائيل عمياء، كان يكفي أن تجعلها واثقة من رؤيتها، وهذا هو الفارق بين إخفاء الحقيقة وصناعة الوهم.
ومنذ أوائل السبعينيات، بدأ التخطيط المصري يتحرك في اتجاه مختلف عن فكرة الحرب الشاملة، فلم تكن القاهرة تملك رفاهية الدخول في سباق مفتوح مع التفوق الجوي الإسرائيلي، ولا في معركة مدرعة عميقة داخل سيناء تسمح لإسرائيل باستثمار مزاياها بأقصى درجة، وكان المطلوب شيئًا أكثر واقعية، حرب محدودة، أهداف محددة، عمق جغرافي محسوب، وقوات تعمل تحت مظلة الدفاع الجوي، ثم تحويل النتيجة العسكرية المحدودة إلى أثر سياسي واسع، وهذه الفكرة تظهر بوضوح في الدراسات الغربية عن الاستراتيجية المصرية.
والباحث الإسرائيلي يغال شيفي (Yigal Sheffy)، في دراسته المهمة "التغلب على الضعف الاستراتيجي: الخداع المصريوحرب يوم الغفران" (Overcoming Strategic Weakness: The Egyptian Deception and the Yom Kippur War)، يخلص إلى أن الخداع المصري صُمم لتحييد نقطتين اعتبرهما شيفي من "نقاط القوة الإسرائيلية": القدرة على توجيه ضربة استباقية، والقدرة على حشد قوة كبيرة في منطقة القناة قبل العبور، وكان الهدف تقليص مساحة الإنذار المتاحة أمام إسرائيل وتأخير القرار وإبطاء الاستجابة العملياتية.
هذه صياغة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن مصر لم تكن تبحث عن طريقة لتدمير كل عناصر القوة الإسرائيلية، بل كانت تبحث عن طريقة تجعل هذه العناصر تصل متأخرة إلى المعركة، أو تصل في ظروف لاتسمح لها بإنتاج أثرها الكامل، وهذه هي إحدى قواعد القوة التي كثيرًا ما تغيب عن الخطاب العسكري الشعبي: القوة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بقدرتك على استخدام أقصى إمكانياتك، وجعل خصمك غير قادر على استخدام قوته في اللحظة الحاسمة.
وهنا ظهرت العبقرية الأخرى، مصر لم تخفِ الاستعدادات العسكرية بالكامل، بل أعادتها وكررتها، بالمناورات، والتعبئة، والتحركات، والطلعات الجوية، والاصطفاف في تشكيلات قتالية بطول خط القناة، ثم لا حرب، ثم لا حرب مرة أخرى، ومرة ثالثة، وهكذا بدأ الإنذار نفسه يفقد قيمته، لم يعد التحرك العسكري يعني بالضرورة أن الحرب وشيكة، وهذه ليست ملاحظة عابرة، فالباحثة الأمريكية جانيس جروس شتاين (Janice Gross Stein)، في دراستها "الخداع العسكري والمفاجأة الاستراتيجية والردع التقليدي: تحليل سياسي لمصر وإسرائيل،" 1973–1971 (Military Deception, Strategic Surprise, and Conventional Deterrence: A Political Analysis of Egypt and Israel, 1971-73,) تناولت العلاقة بين الخداع المصري وبين عقيدة الردع الإسرائيلية، باعتبار أن نجاح الخداع ارتبط أيضًا بكيفية إدراك إسرائيل لاحتمال الحرب وكلفة الاستنفار والاستجابة، فكان المصريون، بصورة أو بأخرى، يقومون بشيء أكثر ذكاءً من إخفاء نيتهم، كانوا يُعيدون برمجة ذاكرة الخصم، فكل مناورة بلا حرب كانت تخفض القيمة النفسية للمناورة التالية، حتى أصبحتالحقيقة عندما جاءت "تشبه سوابقها الكاذبة"، وهذه واحدة من أخطر قواعد الخداع: إذا كررت الكذبة بالقدر الكافي، فلست بحاجة إلى إخفاء الحقيقة؛ يكفي أن تجعل الحقيقة تبدو كأنها كذبة أخرى.
لكن المسألة لم تكن مجرد مناورات، كانت هناك مشكلة أكبر داخل العقل الإسرائيلي نفسه، ما عرف لاحقًا باسم "المفهوم" (The Concept)، حيث كانت هناك قناعة إسرائيلية راسخة بأن مصر لن تبدأ حربًا واسعة قبل امتلاك شروط معينة تجعلها قادرة على إلحاق أضرار استراتيجية بإسرائيل، وفي مقدمتها قدرات جوية وصاروخية تسمح لها بالتعامل مع العمق الإسرائيلي، وبدا هذا الافتراض منطقيًا، لكنه كان افتراضًا، وهنا يكمن الخطر.
والباحث الإسرائيلي إفرايم كاهانا (Ephraim Kahana)، في دراسته "الإنذار المبكر في مواجهة المفهوم: حالة حرب يوم الغفران" 1973 (Early Warning versus Concept: The Case of the Yom Kippur War 1973,) يوضح أن الأدلة التي ظهرت في أواخر 1973 كانت تشير إلى احتمال كبير لهجوم عربي، لكن "المفهوم" الذي كانت الاستخبارات تستخدمه لقياس هذه الأدلة ظل أكثر صلابة من التحذيرات نفسها، وهذه العبارة وحدها تستحق التأمل، فالمفهوم أصبح أقوى من المعلومة، وهو ما يعني أن إسرائيل لم تكن تفتقر إلى العيون، كانت تفتقر إلى الشك.
وفي دراسة أخرى، "فشل التقديرات الاستخباراتية الوطنية: حالة حرب يوم الغفران (Failures in National Intelligence Estimates: The Case of the Yom Kippur War) المنشورة في مجلة (World Politics) عام 1976، يعيد المؤرخ البريطاني الإسرائيلي آفي شلايم (Avi Shlaim) السؤال بصورة أكثر قسوة: لماذا أُسيء تفسير النية العربية رغم امتلاك إسرائيل معلومات كثيرة ودقيقة عن تحركات الخصم؟ ويضع القضية داخل إطار أوسع يتعلق بالجذور النفسية والتنظيمية لفشل الاستخبارات، وهنا يمكن فهم أحد أعظم إنجازات أكتوبر، فمصر لم تكن بحاجة إلى اختراع واقع بديل، كان عليها فقط أن تجعل الواقع الحقيقي يدخل إلى عقل إسرائيل من خلال البوابة الخطأ.
لكن الخداع المصري كان أوسع من إسرائيل، وهذه نقطة لا تحظى بما يكفي من الاهتمام، فكان هناك حليف سوفيتي، وكان هناك شريك سوري، وكان هناك جيش مصري هائل الحجم، وكان هناك مجتمع مصري، وكان هناك عالم دولي، وآخر عربي، وكل طرف يحتاج إلى صورة مختلفة بما يكفي لخدمة الغرض السياسي والعسكري، وهذا هو معنى الخداع متعدد الطبقات (Multi-Layered Deception)، فلم يكن المطلوب أن يعرف الجميع السر نفسه، بل كان المطلوب أن يمتلك كل طرف الجزء الذي يسمح له بفهم ما يحدث، دون أن يمتلك بالضرورة الصورة التي تكشف كل شيء.
وهنا يظهر واحد من أكثر مبادئ الأمن العملياتي كلاسيكية: (Need-to-Know Compartmentalization) أن تعرف ما تحتاج إلى معرفته فقط لا أكثر، فحتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها لم يكن الجميع يعرفون الموعد النهائي للحرب في اللحظة نفسها، وتدرجت معرفة القادة والوحدات كلما اقتربت ساعة الصفر، فكانت السرية جزءًا من العمليات، وليست مجرد إجراء أمني حول العمليات.
ثم جاءت المناورة، وهذه ربما أجمل حلقات الخداع كله، حيث كان الجيش المصري يجري تدريبات يمكن تفسيرها باعتبارها تدريبات، ثم جاءت لحظة تغير فيها الجوهر دون أن يتغير الشكل بالقدر الذي يوقظ إنذار الخصم، وهنا تصبح الحرب أشبه بعملية مسرحية شديدة الإتقان، المشهد نفسه، الممثلون أنفسهم، الحركة نفسها، ولكن هذه المرة ليست بروفة، إنها الحقيقة، وهكذا أصبحت المناورة نفسها ستارًا، والستار هو ما جعل الحرب غير مرئية وهي تتحرك أمام العيون.
ثم جاءت لحظة القناة، وهنا تنتقل قصة أكتوبر من الخداع النفسي إلى عبقرية الهندسة العسكرية، فكان الساتر الترابي الإسرائيلي يمثل عقبة هائلة، وكان التفكير التقليدي سيدفع إلى استخدام المتفجرات والجرافات والقصف، لكن المهندسين المصريين وجدوا طريقًا آخر، "الماء".. مضخات ذات ضغط عالٍ، فتح ممرات في الساتر، حل المشكلة من داخل طبيعتها نفسها، وهذا ليس مجرد تفصيل هندسي جميل، إنه يلخص فلسفة كاملة، "ألَّا تواجهالمشكلة بالطريقة التي يتوقعها خصمك"، فإسرائيل بنت ساترًا من الرمل، ومصر لم تبحث عن مطرقة أكبر، بحثت عن الخاصية الفيزيائية التي تجعل الرمل ينهار، وهكذا تحول الماء إلى سلاح، وتحددت الهندسة كقوة قتالية، وأصبحت واحدة من أكثر لحظات أكتوبر دلالة على أن الابتكار العسكري لا يعني دائمًا امتلاك التكنولوجيا الأحدث؛ بل يعني أحيانًا إعادة تعريف المشكلة بحيث تصبح الموارد المتاحة كافية لحلها.
ثم جاءت الساعة الثانية ظهرًا، التوقيت الغير معتاد لبدء الحروب، فتوقيت الحرب ليس مجرد رقم في كتب التاريخ، إنه جزء من الخطة، فالجيش الذي يختار توقيت المعركة يختار أيضًا جزءًا من شروطها، والسادس من أكتوبر لم يكن يومًا عاديًا، كان يوم الغفران في إسرائيل، وكان رمضان في مصر، وكانت إسرائيل تعيش لحظة دينية واجتماعية مختلفة عن إيقاع الجبهة التقليدي، ومع ذلك لا ينبغي اختزال المفاجأة في العامل الديني وحده، فالتوقيت كان جزءًا من منظومة أكبر، المفاجأة الحقيقية كانت قد صُنعت قبل الساعة الثانية بسنوات، الساعة الثانية كانت فقط لحظة ظهورها المفاجيء.
ثم نصل إلى أكثر الأسماء غموضًا في القصة كلها، أشرف مروان، وهنا يجب أن نتوقف، لا لأن القصة غامضة فقط، بل لأن الباحث الجاد لا يملك رفاهية تحويل الخلاف التاريخي إلى يقين، فالباحث الإسرائيلي أوري بار-جوزيف (Uri Bar-Joseph)، في دراسته "مسألة ولاء: أشرف مروان وإخفاق إسرائيل الاستخباراتي في حرب يوم الغفران" (A Question of Loyalty: Ashraf Marwan and Israel's Intelligence Fiasco in the Yom Kippur War،) يرفض بقوة فرضية العميل المزدوج، ويخلص إلى أن مروان كان بالفعل مصدرًا إسرائيليًا حقيقيًا، بل يصفه بأنه من أفضل المصادر التي حصل عليها الموساد. ولكن الباحثين إيزابيلا جينور (Isabella Ginor) وجدعون ريميز (Gideon Remez)، في دراسة "أفضل جاسوس لإسرائيل أم عميل مزدوج بارع؟" (Israel's Best Spy—or a Master Double Agent? New Light from the Soviet Angle on the Mystery of Ashraf Marwan)، قدما قراءة مختلفة اعتمادًا على مواد من الزاوية السوفيتية، ورأيا أن المعلومات التي قدمها مروان تحمل عبقرية استخباراتية قد خدمت المصالح المصرية والسوفيتية وأسهمت في تثبيت تصورات إسرائيلية خاطئة.
أما الدراسات الأحدث عن إخفاق 1973، فتضيف طبقة أكثر تعقيدًا، ففي دراسة بعنوان "فشل استخبارات يوم الغفران بعد خمسين عامًا: ما الدروس التي يمكن استخلاصها؟" (The Yom Kippur Intelligence Failure after Fifty Years: What Lessons Can Be Learned?) تلفت النظر إلى مشكلة أخرى: لم تكن إسرائيل تملك معلومات ناقصة عن مروان، بل ربما أصبحت تعتمد أكثر مما ينبغي على المعلومات عالية الجودة التي يوفرها مصدر بشري بالغ الحساسية، وهذه نقطة شديدة الخطورة، فحتى أفضل مصدر تثق فيه يمكن أن يصبح خطرًا إذا تحول من مصدر داخل منظومة تحليل إلى مرجع فوق منظومة التحليل.
وفي 2026 مازال الجدل قائمًا، فداني شوهام (Dany Shoham) أعاد طرح فرضية العميل المزدوج بقوة، لكنه نفسه يقر بأن القضية لم تُحسم بصورة نهائية، بينما تظل المؤسسة الإسرائيلية ومجموعة من الباحثين متمسكين بالرواية المعاكسة، ولهذا فإن السؤال الأكثر إثارة ليس: هل كان أشرف مروان جاسوسًا مصريًا أمإسرائيليًا؟ بل: هل يمكن أن تصبح قيمة العميل في مقدار الثقة التي يصنعها، لا فقط في المعلومات التي يقدمها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن أخطر عمليات الخداع ليست التي تكذب فيها على خصمك، بل التي تعطيه ما يكفي من الحقيقة كي يثق بك عندما يأتي وقت الكذبة، وهنا تتحول الاستخبارات إلى فلسفة.
ولكن أكتوبر لم تكن معجزة بلا أخطاء، وهذه نقطة يجب أن تُقال حتى يظل المجد في مكانه الصحيح؛ في التاريخ، لا في الأسطورة، فبعد نجاح المرحلة الأولى، ظهرت مسألة استمرار الهجوم المصري، وفي 14 أكتوبر شن الجيش المصري هجومًا جديدًا انتهى إلى نتائج سلبية وساهم في تغيير اتجاه العمليات، وتشير دراسة "العوامل الخفية التي قلبت الموازين: صنع القرار الاستراتيجي والاستخبارات العملياتية في حرب 1973" (The Hidden Factors that Turned the Tide: Strategic Decision-Making and Operational Intelligence in the 1973 War) إلى أن قرار أنور السادات استئناف الهجوم بين 9 و13 أكتوبر، رغم تحفظات عسكرية، كان نقطة تحول مهمة في مسار الحرب.
وهذا التفصيل مهم جدًا، لأنه يثبت أن الفكر الاستراتيجي ليس أن تعرف كيف تبدأ الحرب فقط، بل أن تعرف حدود الخطة، فكان نجاح المرحلة الأولى قائمًا على الانضباط، هدف محدود، عمق محدود، ومظلة دفاع جوي، ثم تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي، وعندما بدأت الحسابات تتجاوز هذه الحدود، أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا، وهنا يظهر درس استراتيجي نادر: أحيانًا يكون الانضباط في عدم استخدام كل قوتك أهم من امتلاك القوة نفسها.
لهذا لا ينبغي أن نقرأ أكتوبر باعتبارها قصة عن جيش مصري عبر قناة، فهذا اختزال مخل، والأصح أن نقرأها باعتبارها تجربة متكاملة في تحويل القوة الكامنة إلى قوة فعلية، فكان هناك جيش، لكن الجيش وحده لا يصنع المفاجأة، وكانت هناك معلومات، لكن المعلومات وحدها لا تصنع النصر، وكانت هناك أسلحة، لكن الأسلحة لا تحدد وحدها مكان المعركة، وكانت هناك دبلوماسية، لكن الدبلوماسية لا تعبر القناة،
وكانت هناك هندسة، لكن المضخات لا تضع الاستراتيجية، فالقوة ظهرت عندما اجتمعت هذه العناصر في منظومة واحدة، السرية مع الخداع، والخداع مع التوقيت، والتوقيت مع الهندسة، والهندسة مع التخطيط العملياتي، والتخطيط العسكري مع الهدف السياسي، هذه هي "نظرية القوة" التي تكشفها أكتوبر، وليست القوة في كثرة الموارد وحدها، بل في كفاءة تحويل الموارد إلى أثر.
وهنا يصبح من المثير أن نعود إلى الوثائق الأمريكية مرة أخرى، فالمراجعة الرسمية التي أعدها مجتمع الاستخبارات الأمريكي بعد الحرب لم تقل إن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا بلا معلومات، قالت العكس، كانت المعلومات موجودة، وكان بعضها دقيقًا، وكان بعضها مخيفًا، لكن التقدير أخطأ، والوكالة الأمريكية نفسها تشير، في مراجعتها التاريخية، إلى عوامل مثل التصورات المسبقة عن القدرات العربية، والتحميل المعلوماتي (Information Overload)، والنمذجة العقلانية للفاعل (Rational Actor Modeling)، والتفكير الجماعي (Groupthink)، أي أن أكتوبر تقدم لنا درسًا معاصرًا بصورة مدهشة، ففي عصر الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار الفضائي، والتنصت الإلكتروني، والبيانات الضخمة، يمكن أن تمتلك الدولة آلاف المعلومات، ثم تخطئ لأن عقلها لا يعرف ماذا يفعل بها، وهذه ليست مشكلة من الماضي، إنها مشكلة الحاضر، بل ربما أصبحت أخطر، لأن العالم الحديث لا يعاني من نقص المعلومات، بل يعاني من تضخم المعلومات.
من هنا يمتد الجسر من أكتوبر إلى زمننا، ففي الحروب الحديثة لم تعد المعركة فقط بين دبابة ودبابة، هناك حرب على الإدراك، وحرب على التوقع، وحرب على تفسير الصور، وحرب على الخوارزميات، وحرب على الرواية، وحرب على قدرة الدولة على أن تميز بين الإشارة والضوضاء، وما حدث في أكتوبر 1973 يقدم درسًا مبكرًا شديد الأهمية: قد لا تحتاج إلى السيطرة على معلومات خصمك لكي تؤثر في قراره؛ يكفي أحيانًا أن تؤثر في النموذج الذي يفسر به معلوماته، هذه هي النقطة التي تجعل حرب أكتوبر معاصرة رغم مرور أكثر من نصف قرن، فالخصم اليوم قد لا يحتاج إلى أن تمنعه من رؤية دبابتك، يكفي أن تجعله يعتقد أن وجودها يعني شيئًا آخر، قد لا تحتاج إلى إخفاء تحركك، يكفي أن تجعله يضع تحركك داخل تفسير خاطئ، وقد لا تحتاج إلى تدمير تفوقه، يكفي أن تمنعه من تحويل هذا التفوق إلى نتيجة.
وهنا نعود إلى جوهر الفكر المصري في أكتوبر، فلم تحاول مصر أن تنتصر في حرب لا تستطيع شروطها، فغيرت شروط الحرب نفسها، فلأنها لم تستطع أن تصبح في نفس قوة إسرائيل، جعلت إسرائيل تقاتل في اللحظة الأولى، وفق معادلة لم تكن من اختيار إسرائيل، ولم تهزم القوة بالقوة، بل استخدمت التخطيط لتحديد أين ومتى تستطيع القوة أن تعمل، ولم يكن العبور مجرد عبور جغرافي، كان عبورًا من عقلية "رد الفعل" إلى عقلية "صناعة المبادرة"، ومن دولة تنتظر ما يفعله الخصم إلى دولة تحدد للخصم ما الذي ينبغي عليه أن يتعامل معه، من قوة مادية محدودة إلى قوة استراتيجية مركبة.
وهنا تكمن عظمة أكتوبر، لقد تعلم العالم بعد 1973 أن المفاجأة ليست غياب الإنذار، فقد يكون الإنذار موجودًا، وقد تكون المعلومات كثيرة، وقد تكون الصور واضحة، وقد تكون التقارير صحيحة، ومع ذلك تقع المفاجأة، لأن المفاجأة الحقيقية تحدث عندما يفشل العقل في تحويل المعرفة إلى قرار، وهذا ما يجعل دراسة أكتوبر ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالعالم الذي نعيش فيه أكثر تسلحًا بالمعلومات، لكنه ليس بالضرورة أكثر قدرة على فهمها، والدول الكبرى تملك أجهزة استخبارات هائلة، لكنها تظل معرضةللوقوع في فخ "المفهوم"؛ ذلك الإطار الذهني الذي يجعل المؤسسة ترى ما تتوقع رؤيته، وتقلل من شأن ما لا يتفق مع توقعاتها.
ولهذا فإن أعظم درس تركته أكتوبر ليس عسكريًا فقط، إنه درس في التفكير؛ "لا تثق في النموذج أكثر من الواقع، ولا تجعل وفرة المعلومات بديلًا عن جودة التحليل، ولا تفترض أن خصمك سيخوض الحرب بالطريقة التي تتصورها أنت، ولا تخلط بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها"، وهذه قواعد لا تخص حربًا انتهت في 1973، إنها قواعد للقوة في القرن الحادي والعشرين.
لقد عبر المصريون قناة السويس في السادس من أكتوبر، لكن شيئًا آخر كان قد عبر قبلهم، عبر العقل المصري حاجز 1967، عبر من الإحساس بالهزيمة إلى استعادة المبادرة، ومن ردّ الفعل إلى الفعل، ومن انتظار اللحظة إلى صناعتها، ومن محاولة امتلاك كل عناصر القوة إلى معرفة كيف يُحوَّل المتاح إلى قوة فعَّالة.
ولهذا فإن أجمل ما في أكتوبر ليس أن مصر امتلكت في ذلك اليوم جيشًا شجاعًا، فهذا أمر لا يحتاج إلى برهان، الأجمل أن هذا الجيش تحرّك داخل خطة تعرف حدود القوة، وطبيعة الخصم، وقيمة السر، خطة تعرف كيف تعوِّض الهندسة نقص القوة، وكيف تتحول المعلومة إلى سلاح، وكيف يصبح التوقيت قوة، وكيف يُنتج هدف عسكري محدود أثرًا سياسيًا واسعًا.
ذلك هو الإنجاز الذي يستحق التأمل، فالحروب الكبرى لا تصنعها الأسلحة وحدها، بل تصنعها العقول التي تعرف متى تخفي، ومتى تُظهر، ومتى تتقدم، ومتى تتوقف، ومتى تجعل الخصم يستخدم قوته ضد نفسه، ولهذا ربما تكون العبارة الأدق لوصف عبقرية أكتوبر ليست: "لقد فاجأت مصر إسرائيل"، بل: "لقد جعلت مصر إسرائيل ترى الحقيقة، ثم أقنعتها بأن الحقيقة تعني شيئًا آخر".
وهذه ليست حيلة عابرة في حرب، بل درس كامل في فلسفة القوة، الدولة التي تعرف كيف تحوِّل مواردها إلى قدرة، وقدرتها إلى مبادرة، ومبادرتها إلى تأثير، لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون الأقوى لكي تغيِّر ميزان القوة، وفي أكتوبر 1973، فعلت مصر ذلك، بالجيش، وبالهندسة، وبالاستخبارات، وبالسرية، وبالخداع، وبالقرار السياسي، وقبل كل ذلك… بالعقل والإرادة.
-------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش







