11 - 10 - 2026

تراكم الثروة وتراجع نصيب العمل.. خريطة جديدة للا مساواة العالمية

تراكم الثروة وتراجع نصيب العمل.. خريطة جديدة للا مساواة العالمية

كما صور الكاتب الفرنسي توماس بيكيتي في العديد من مؤلفاته عن اللامساواة وتراكم الثروة، يقدم تقرير عدم المساواة العالمي 2026 دليلاً جديداً على مسار الرأسمالية خلال السنوات الأخيرة وكيف تركزت الثروة والدخل بصورة متزايدة في أيدي فئة محدودة من سكان العالم، بينما ظل نصيب الأغلبية الساحقة محدوداً، ففي عام 2025، وفقا للتقرير امتلك أغنى 10% من سكان العالم 75% من الثروة الشخصية وحصلوا على 53% من الدخل العالمي، في المقابل لم يمتلك النصف الأفقر من سكان العالم سوى 2% من الثروة وحصلوا على 8% من الدخل. وتصبح الصورة أكثر حدة عند الوصول الى قمة الهرم، فأغنى 1% يمتلكون 37% من الثروة العالمية ويحصلون على 20% من الدخل، بينما يحصل أغنى 0.1% وحدهم على نحو 8% من الدخل العالمي وهي النسبة نفسها التي يحصل عليها نحو 4.1 مليار شخص يمثلون النصف الأفقر من سكان العالم. 

هذه الأرقام لا تقدم فقط صورة لحجم التفاوت في لحظة زمنية واحدة، فالتقرير تتبع توزيع الدخل والثروة ليكشف كيف تطورت هذه الفوارق وكيف أصبحت الثروة تتركز بصورة أكبر لدى القلة، في الوقت الذي ظل فيه نصيب النصف الأفقر محدودا. ومن هنا، تأتي أهمية قراءة التقرير لفهم واحدة من أهم سمات الاقتصاد العالمي المعاصر، وكيف ينتج العالم ثروة متزايدة؟ ومن يملك هذه الثروة؟ ومن يحصل على عوائدها؟ لهذا يتوسع التقرير في دراسة عدم المساواة خارج حدود الدخل والثروة، فهو يبحث في الضرائب والتهرب الضريبي وفي النظام المالي العالمي وفي توزيع الانبعاثات وفي الفوارق بين النساء والرجال وفي اختلاف فرص الحصول على التعليم وفي العلاقة بين المال والتمثيل السياسي لذلك. 

التفاوت العالمي وتوزيعاته   

لا يتوزع التفاوت العالمي بالتساوي بين مناطق العالم، ففي عام 2025 وحده، بلغ متوسط الثروة في أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا 338% من المتوسط العالمي بينما لم يتجاوز 20% في أفريقيا جنوب الصحراء، أي أن متوسط ثروة الفرد في المنطقة الأولى يزيد عن 16 مرة عن متوسط ثروة الفرد في المنطقة الثانية، لكن الفارق بين المناطق لا يفسر وحده حجم عدم المساواة فداخل كل منطقة تتركز الثروة أيضا في أيدي نسبة محدودة، فالنصف الأفقر من السكان لا يمتلك أكثر من 5% من الثروة في أي منطقة من مناطق العالم وتتراوح حصته بين 1% و5% فقط، في المقابل يمتلك أغنى 10% ما بين 60% و74% من ثروة مناطقهم.

وتكون الفجوة أكثر وضوحا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يمتلك أغنى 10% في المتوسط ثروة تزيد بنحو 645 مرة على متوسط ثروة النصف الأفقر، وفي أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا تصل النسبة الى 470 مرة، وحتى أوروبا التي تسجل أقل تفاوت في الدخل بين المناطق التي يقارنها التقرير، تصل فيها ثروة أغنى 10% إلى نحو 194 مرة من ثروة النصف الأفقر. والمعنى الأساسي هنا أن التفاوت لا ينتج فقط عن اختلاف مستويات الثروة بين الدول والمناطق، فحتى المناطق الأكثر ثراء تشهد تركيزاً شديداً للثروة داخلها، ولذلك ينتقل السؤال من حجم الثروة التي ينتجها الاقتصاد العالمي إلى من يملكها ومن يحصل على العائد الناتج عنها.

الثروة تنمو ورأس المال يحصد

لا يفسر التقرير تركز الثروة بحجم الأصول وحده، فهناك تغير واضح في توزيع الدخل نفسه بين العمل ورأس المال. فمنذ عام 1980، انخفض نصيب العمل من الدخل العالمي من نحو 61% الى 53% في 2025، بينما ارتفع نصيب رأس المال من 39% إلى 47%.، هذا التحول يعني أن جزءا أكبر من الدخل العالمي يذهب الى أصحاب الأصول ومع تراكم هذه الأصول وارتفاع قيمتها تتسع قدرتها على توليد دخل جديد، وهكذا يرتبط توزيع الدخل بتوزيع الثروة ويصبح تركيز الملكية عاملاً في استمرار التفاوت. ويؤكد التقرير أن هذا المسار تزامن مع اتساع الثروة الخاصة مقابل تراجع الثروة العامة. ففي 2025، وصل صافي الثروة الخاصة إلى 621% من الدخل القومي في أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا و635% في شرق آسيا. في المقابل، بلغ صافي الثروة العامة نحو سالب 14% في أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا بينما وصلت إلى سالب 240% في شرق آسيا.

وبذلك، يربط التقرير بين ثلاث حركات متزامنة وهي: ارتفاع الثروة الخاصة؛ وتراجع موقع الثروة العامة؛ وزيادة نصيب رأس المال من الدخل، لتكون النتيجة هي اقتصاد تتزايد فيه قدرة مالكي الأصول على الحصول على دخل من ملكيتهم، بينما تظل الثروة مركزة بدرجة كبيرة لدى نسبة محدودة من السكان.

حين تتحول القوة المالية الى عوائد

لا يقتصر التفاوت الذي يرصده التقرير على ما يحدث داخل الدول، فالنظام المالي الدولي نفسه يخلق فروقاً في العائد بين الدول بحسب موقعها وقدرتها على التمويل والاستثمار في الخارج ويستخدم التقرير مفهوم العائد الفائض لقياس الفرق بين ما تحققه الدولة من أصولها الخارجية من جهة وما تدفعه على التزاماتها الخارجية كنسبة من ناتجها المحلي من جهة أخري، ففي عام 2025، سجلت الولايات المتحدة عائد فائض قدره 2.2% من ناتجها المحلي واليابان 5.9% ومنطقة اليورو نحو 1%. في المقابل، سجلت دول بريكس عائد فائض سالبا بنحو 2.1%. ويربط التقرير هذا الفرق بطبيعة الأصول والالتزامات، فالدول الغنية تمتلك قدراً أكبر من الأصول ذات العائد المرتفع مثل الأسهم والاستثمار الأجنبي المباشر، بينما تحصل على التمويل الخارجي بتكلفة أقل، وفي المقابل، تعتمد الدول الأقل دخلاً بدرجة أكبر على التزامات خارجية ذات تكلفة أعلى، في حين أنها تحتفظ بجزء من أصولها الخارجية في احتياطيات منخفضة العائد النتيجة، أي أن جزءا من الدخل ينتقل بصورة مستمرة من الدول الأقل دخلاً إلى الدول الأغنى عبر النظام المالي العالمي. ويقدر التقرير أن الدول الواقعة ضمن الـ 80% الأقل دخلاً تُخصص في المتوسط ما يتراوح بين 2% و3% من ناتجها المحلي سنويًا لصافي التدفقات إلى الخارج. هنا تصبح الثروة والقوة المالية مرتبطتين بصورة مباشرة. فالدول التي تمتلك أصولا أكثر وعليها التزامات أقل تكلفة تستطيع تحقيق عائد من بقية العالم. 

النساء يعملن أكثر ويحصلن على نصيب أقل

وتطرقت بيانات التقرير أيضا للفجوة بين النساء والرجال التي لا تزال واضحة في توزيع عوائد العمل، فالنساء يحصلن عالميًا على ما يقارب 25% من إجمالي دخل العمل وهي نسبة لم تتغير كثيرا منذ عام 1990.

وتختلف هذه النسبة بين المناطق بصورة كبيرة كما هو موضح بالجدول:

المنطقة
نصيب النساء من دخل العمل
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
16%
جنوب وجنوب شرق آسيا
20%
أفريقيا جنوب الصحراء
28%
شرق آسيا
34%
أوروبا وأمريكا الشمالية وأوقيانوسيا وروسيا وآسيا   الوسطى
نحو 40%


وفي مصر تحديدا، يقدر التقرير نصيب النساء من إجمالي دخل العمل بنحو 19% في عام 2025، وهذا يعني أن النساء يحصلن على أقل من خُمس دخل العمل رغم أنهن يمثلن نصف المجتمع، وتصبح الفجوة أوضح عند النظر إلى الوقت الذي يُنفق على العمل، حيث يقدر التقرير ان النساء يعملن في المتوسط 53 ساعة أسبوعيًا مقابل 43 ساعة للرجال، وذلك عندما تدخل ساعات العمل المنزلي والرعاية غير المدفوعة في الحساب ومع استبعاد العمل غير المدفوع تحصل النساء في المتوسط على 61% من دخل الرجال لكل ساعة عمل وعند احتساب العمل المنزلي والرعاية ينخفض ما تحصل عليه المرأة لكل ساعة عمل الى 32% من دخل الرجل، وهذا يكشف أن ارتفاع مشاركة النساء في التعليم والعمل لم يكن كافيًا لإنهاء الفجوة الاقتصادية، ويشير التقرير إلى أن النساء أصبحن أكثر تعليمًا ووجوداً في سوق العمل وفي مواقع القيادة بينما ظل نصيبهن من دخل العمل أقل من الرجال، كما أن التعليم حقق تقدمًا كبيراً في تقليص الفجوة التعليمية لكنه لم يؤد وحده إلى مساواة في العمل والدخل.

وتظهر نتيجة هذه الفجوة على المدى الطويل في قدرة النساء على الادخار وتكوين الثروة والحصول على معاشات أفضل، لذلك فان تفاوت الدخل من العمل يتحول مع الوقت الى تفاوت في تراكم الثروة نفسها.

من يملك الثروة يدفع العالم نحو الأزمة المناخية

ومن المثير أيضا أن التقرير كشف العلاقة المباشرة بين تركيز الثروة وتوزيع المسؤولية عن الانبعاثات، فأغنى 10% من سكان العالم مسؤولون عن 77% من الانبعاثات المرتبطة بملكية رأس المال الخاص، كما يمثل استهلاكهم 47% من الانبعاثات المرتبطة بالاستهلاك العالمي في المقابل يساهم النصف الأفقر من سكان العالم بنحو 3% فقط من الانبعاثات المرتبطة برأس المال الخاص وبنحو 10% من الانبعاثات المرتبطة بالاستهلاك.

الفئة
انبعاثات مرتبطة بملكية رأس المال    الخاص
انبعاثات مرتبطة بالاستهلاك
اغنى 10%
77%
47%
افقر 50%
3%
10%


هذه الارقام تغير طريقة النظر إلى المسؤولية عن التغير المناخي، فقياس الانبعاثات من خلال الاستهلاك وحده يخفي جزءاً مهما من الصورة، فملكية الأصول ورأس المال نفسها ترتبط بانبعاثات ضخمة وكلما تركزت ملكية رأس المال لدى فئة محدودة تركز معها جزء كبير من الانبعاثات المرتبطة بهذه الملكية. لكن التفاوت يظهر بصورة أكثر وضوحًا عند الانتقال من المسؤولية عن الانبعاثات إلى تحمل نتائج التغير المناخي. يُقدر أن أفقر 50% من سكان العالم يتحملون نحو 75% من خسائر الدخل الناتجة عن الآثار المناخية عندما تُقاس هذه الخسائر نسبة إلى دخولهم، وهكذا تظهر فجوة اقتصادية واضحة داخل بيانات التقرير، فالفئة التي تمتلك الجزء الأكبر من الثروة تساهم بالنصيب الأكبر من الانبعاثات المرتبطة برأس المال والاستهلاك بينما يتحمل الفقراء نسبة أكبر من الخسائر المناخية مقارنة بقدرتهم الاقتصادية.

وهذا يربط الأزمة المناخية مباشرة بمشكلة توزيع الثروة، فالمناخ لا يعمل خارج النظام الاقتصادي وإنما يتأثر بالطريقة التي تتوزع بها الملكية والدخل والاستثمارات، لذلك فإن التعامل مع تغير المناخ من دون النظر إلى ملكية رأس المال يترك جزءً أساسياً من المشكلة خارج الحساب فتدفع جزءً من دخلها في الاتجاه المعاكس.

في النهاية، ينتج الاقتصاد العالمي ثروة هائلة لكن ملكيتها وعوائدها تظل شديدة التركيز وهذه هي المشكلة التي يضعها التقرير في قلب النقاش، من يملك الثروة يملك قدرة أكبر على الحصول على دخل جديد وعلى التأثير في القواعد التي تحدد توزيع الثروة في المستقبل.
--------------------------------
بقلم: حسن البربري

مقالات اخرى للكاتب

تراكم الثروة وتراجع نصيب العمل.. خريطة جديدة للا مساواة العالمية