09 - 10 - 2026

المنسيون في نصر أكتوبر

المنسيون في نصر أكتوبر

كان اسمه محمد منصور؛ ما زلت أذكره، وما تزال صورته محفورة في ذاكرتي، بانفعالاتها الحادة التي تراوحت بين الاعتزاز والفخر، وبين الوجع والألم. كان جارنا الشاب الثلاثيني، وأول من رأته أعيننا ممن شاركوا في عبور قناة السويس في أول الهجمات على خط بارليف، عصر السادس من أكتوبر 1973.

التقيناه بعد الحرب بحوالي أربعة أشهر، وكان عمري وقتها تسعة عشر عامًا. تحلقنا حوله، وهو يحكي ما رأته عيناه من مشاهد بطولية وأخرى مفزعة. وما زلت أذكره وهو يرسم بكلماته صورته وهو يزحف صاعدًا إلى الساتر الترابي، بينما كانت حرائق النابالم تندلع من حول الزاحفين، ثم صورته مرتفع الهامة منتصبًا فوق أحد الخنادق المحصنة التي تأوي جنود العدو. كانت عيناه تفيضان بالدمع كلما مرت بذاكرته لحظات استشهاد بعض رفاقه، بينما كانت كلمات بطولته تبعث في قلوبنا رجفة عز وفخار.

محمد منصور واحد من الأبطال الذين شاهدتهم بعيني وسمعتهم بأذني، وهو يحكي لنا نماذج من البطولات الخارقة التي قدمها عشرات الألوف من الأبطال الحقيقيين لنصر أكتوبر، هؤلاء الذين أثبتوا بالدم والعرق والجهد والتضحيات أن المقاتل المصري كان، كما قال قادة الحرب الإسرائيليون، مفاجأة أكتوبر الحقيقية.

وما زالت باقية في ذاكرتي أصداء زغاريد الأمهات والبنات وهي تستقبل أبطالنا العائدين من الجبهة مرفوعي الرأس، وكانت مصر كلها مأخوذة بالحدث. حتى إن جنازة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين تأخرت ثلاثة أيام؛ فقد رحل في 28 أكتوبر، ولم تُشيع جنازته إلا في 31 أكتوبر، لانشغال الدولة والمجتمع كله بما يجري على الجبهة وعلى الصعيدين العسكري والدبلوماسي.

وبعدها بعشرين سنة سمعت مباشرة من الفريق أول محمد فوزي قصة الجندي الذي أوقف تنفيذ أول قرار أصدره بعد توليه مسؤولية إعادة بناء القوات المسلحة في 11 يونيو 1967. كان القرار يقضي بمنع الاشتباكات المسلحة وعدم فتح النيران إلا بأوامر صريحة، والدفاع عن النفس فقط، مع محاكمة من يخالفه ميدانيًا وفوريًا.

لكن بعد ساعات، وبالتحديد في منتصف ليلة 11/12 يونيو 1967، أُبلغ الفريق فوزي بأن جنديًا في موقع على شط القناة رأى عددًا من الجنود الإسرائيليين بينهم فتاة يسبحون في القناة، فأطلق النار بدافع الحمية الوطنية، فقتل جنديًا والفتاة وأصاب آخرين. 

وحين سُئل القائد العام عن محاكمته، قال فوزي: أصدرت القرار بعقلي البارد ومن موقع مسؤوليتي، لكنني بقلبي وعاطفتي وجدتني مشدودًا إلى الوقوف مع هذا الجندي. فأصدر أمره بعدم محاكمته، بل ترقيته وطلب ميدالية له، تحفيزًا له ولزملائه، واستجابة للشعور العام بين الجنود العائدين من سيناء.

كانت تلك، في رأيي، البداية الحقيقية لرفض الهزيمة، والبداية المبكرة لحرب الاستنزاف التي استمرت ثلاث سنوات، وهي الحرب المنسية رغم أن دورها، وفق آراء خبراء عسكريين كبار، لا يمكن حذفه من معادلة نصر أكتوبر. وتطورت المواجهة إلى معركة رأس العش في أول يوليو 1967، التي نجح فيها الجندي المصري في مواجهة العدو والاحتفاظ بالشريط الضيق المؤدي إلى بور فؤاد، المدينة الوحيدة في سيناء التي ظلت صامدة طوال سنوات الإعداد لمعركة التحرير.

المقاتل المصري، بلا أدنى شك، كان أول وأهم عوامل النصر في أكتوبر. ومع ذلك يُذكر دوره غالبًا في بضعة سطور إجمالية، بينما يجري الاستطراد في أدوار أخرى ما كانت لتصنع المعجزة لولا بطولات الجنود وتضحياتهم.

لكن المقاتل لم يكن وحده. فالمقاتل والمواطن هما اللذان صنعا أعظم تاريخين عشناهما: السادس من أكتوبر 1973، والخامس والعشرون من يناير 2011. وفي المناسبتين حضرت روح مصرية استثنائية، وإن كانت تلك الروح قد أُزهقت عمدًا في المرتين. في أكتوبر كانت البطولة للجيش، وكان الشعب وراءه يسانده ويدفع به إلى تحرير الأرض؛ وفي يناير كانت البطولة للشعب، وكانت الملايين في الميادين، بينما وقف الجيش منذ الأيام الأولى معلنًا أنه لن يقف ضد الإرادة الشعبية.

وهكذا كانت دائمًا المعادلة المصرية القادرة على تحقيق المعجزات. في يوليو 1952 قام الجيش بانقلاب على سلطة الملك وحاشيته، فلما انضم إليه الشعب وباركه تحول الانقلاب إلى ثورة غيرت وجه الحياة في مصر. وفي أكتوبر 1973 كان الجيش أمام مهمة الثأر لكرامته التي أهدرتها هزيمة يونيو وتحرير الأرض، وكان وراءه شعب كامل يؤازره ويزأر من أجل تخليص مصر من الاحتلال.

ومن خلال ما تيسر لي الاطلاع عليه من كتب ومذكرات ودراسات وندوات مصرية وعربية وأمريكية وإسرائيلية، أرى أن إنجاز السادس من أكتوبر والأيام التي تلته يُنسب أولًا إلى شعب كامل عاش مرارة الهزيمة ودفع أثمانًا باهظة من حياته وحياة أبنائه، من أجل الوصول إلى ساعة العبور بعد ست سنوات من الصمود والإصرار.

وأول هؤلاء الأبطال المنسيين هم أبناء الشعب الذين تحملوا تهجير مدن القناة، سواء من هُجروا منها أو المدن والقرى التي استقبلتهم. وهو الشعب نفسه الذي قبل أن يتحول اقتصاد بلاده إلى اقتصاد حرب، وتحمل التضييق على معيشته، وخرج مثقفوه وطلابه وعماله في 1971 و1972 يطالبون بكسر حالة اللا حرب واللا سلم ورفض التسويفات التي بررت تأخير حرب التحرير.

لقد دفع الشعب كله فاتورة إعادة بناء الجيش من الصفر، من دون مديونيات خارجية، في ظل فقدان موارد أساسية من قناة السويس وبترول سيناء وتراجع السياحة. ولذلك كان نصر أكتوبر انتصارًا على كل التحديات التي واجهت الدولة والمجتمع بعد هزيمة يونيو، وكان كذلك انتصارًا للإرادة التي خرجت في التاسع والعاشر من يونيو 1967 ترفض الهزيمة وتحمل جمال عبد الناصر مسؤولية إزالة آثارها.

وكان النصر، كذلك، انتصارًا للقطاع العام الذي أدى دورًا عظيمًا في ظل اقتصاد الحرب، فوفّر متطلبات المعركة واحتياجات الجيش، وحافظ في الوقت نفسه على احتياجات الشعب وسعى إلى التصدير وتوفير العملة الصعبة. وانتظمت بعض شركاته في ثلاث ورديات خلال الحرب لتأمين احتياجات الجبهة والداخل، وظلت مصر تنتج مأكلها وملبسها وأثاثها وأجهزتها الكهربائية. وفي الوقت نفسه تحمل الاقتصاد تكاليف استكمال السد العالي الذي اكتمل عام 1970، وبناء مجمع الألمونيوم في نجع حمادي.

عظمة نصر أكتوبر، إذن، أنه كان حاصل جمع إرادة شعب تحمل المسؤولية والصبر والنفس الطويل، مع حسن ترتيب وعظمة تدريب قامت بهما القوات المسلحة، وروح تلبست الجندي المصري ساعة العبور، وقاعدة اقتصادية وفرت إمكانيات الصمود والقتال وتمثلت في القطاع العام.

نصر أكتوبر هو، قبل كل شيء، نصر مصر التي تحملت ست سنوات من الهزيمة والحرب والاستعداد والصمود، حتى جاءت لحظة العبور.

لا يمكن اختصار نصر أكتوبر في أنور السادات، ولا حتى في قيادة الجيش المصري العظيم وحدها. فدور الرئيس السادات كصاحب قرار العبور مقدر، وأدوار قيادات الجيش فوق العين والرأس، والضربة الجوية لا يمكن إغفالها. لكن اختصار النصر في أي واحد من هذه الأدوار اختصار مخل ومجحف بحق الشعب الذي صبر، والشباب الذي عبر، والتاريخ الذي ينبغي ألا يمجد أشخاصًا وينسى المجد الحقيقي الذي صنعته الملايين.
----------------------------
بقلم: محمد حماد


مقالات اخرى للكاتب

المنسيون في نصر أكتوبر