في مصر، عندنا مشكلة قديمة لا تحتاج إلى دستور جديد ولا إلى قانون جديد كي نفهمها: مشكلة الذين لا يملكون موقفًا، وإنما يملكون «مصلحة».
وهؤلاء موجودون في كل مكان، وفي كل مهنة، وتحت كل نظام. لا يهمهم كثيرًا من يحكم، ولا ما الذي يقوله، ولا حتى إلى أين تتجه البلاد. المهم أن يعرفوا أين تقف السلطة، ثم يقفوا بجوارها.
تتغير الوجوه، فتتغير اللغة. تتبدل الشعارات، فتتبدل القناعات. يأتي نظام فيجد من يصفق له، ويرحل نظام فيجد أصحاب التصفيق أنفسهم وقد أصبحوا فجأة من أشد المنتقدين له. ثم يأتي نظام جديد، فيعيدون ترتيب الكلمات، ويخرجون علينا بالمنطق نفسه، وكأن الذاكرة المصرية قصيرة إلى هذه الدرجة!
هؤلاء لا يختلفون مع السلطة من حيث المبدأ، لأنهم ببساطة لا يملكون مبدأً ثابتًا تجاه السلطة.
هم مع القوة عندما تكون قوية، ومع النفوذ عندما يكون نافذًا، ومع الاتجاه الغالب عندما يكون هو الاتجاه الغالب. أما الحقيقة، فتأتي في آخر القائمة، إذا وجدت لها مكانًا أصلًا.
المشكلة أن هذا النوع من البشر لا يكتفي بأن يبيع موقفه لنفسه، وإنما يحاول أحيانًا أن يقنع الآخرين بأن ما فعله كان «حكمة» و«واقعية» و«حرصًا على المصلحة العامة».
أي مصلحة عامة نتحدث عنها؟
المصلحة العامة لا يمكن أن تكون هي مصلحة الشخص في الاحتفاظ بمقعده، أو منصبه، أو امتيازاته، أو علاقاته. والمصلحة العامة لا تتغير كل صباح بتغير اتجاه الريح.
هناك فرق هائل بين رجل يختلف معك ثم يغير رأيه لأنه اقتنع، وبين رجل يغير رأيه لأن مصلحته تغيرت.
الأول يمكن احترامه حتى لو اختلفت معه.
أما الثاني، فالمشكلة ليست في رأيه، وإنما في غياب المبدأ الذي يحكم هذا الرأي.
والأخطر من ذلك أن الانتهازية حين تنتشر لا تفسد السياسة وحدها؛ إنها تفسد معنى الكلمة نفسها. تجعل الناس يتشككون في كل صوت، ويضعون كل موقف تحت سؤال واحد: «هو مقتنع فعلًا، ولا له مصلحة؟»
وهنا يصبح أصحاب المواقف الحقيقية عملة نادرة.
رجل الموقف ليس هو الذي يصرخ أكثر، ولا الذي يظهر أكثر، ولا الذي يملأ الشاشات والكلمات. رجل الموقف هو الذي يستطيع أن يقول «لا» عندما تكون «نعم» أكثر أمانًا، وأن يقول الحقيقة عندما يكون الصمت أكثر ربحًا.
قد يخسر منصبًا، أو علاقة، أو فرصة، لكنه يخرج من المعركة محتفظًا بشيء لا يمكن شراؤه: احترامه لنفسه.
أما الذين اعتادوا تغيير مواقفهم وفقًا للسلطة، فعليهم أن يدركوا أن السلطة تتغير، والمواقع تتغير، والأسماء تتغير، لكن ذاكرة الناس أطول مما يتصورون.
والتاريخ، في النهاية، لا يسأل الرجل: كم مرة كنت قريبًا من أصحاب القرار؟
بل يسأله: ماذا قلت عندما كان قول الحقيقة مكلفًا؟
وهنا يظهر الفرق بين من عاش طوال عمره يبحث عن «المكان الآمن»، ومن اختار أن يكون في «المكان الصحيح».
ولهذا، لم يعد المطلوب من المصريين أن يصفقوا لهذا أو يهاجموا ذاك، وإنما أن يرفعوا سقف السؤال: أين الموقف؟ وأين المبدأ؟ وأين المسؤولية؟
علينا أن نتوقف عن مكافأة من يغيّر مواقفه كلما تغيّرت مصلحته، وأن نطالب كل صاحب سلطة أو نفوذ بأن يضع قراراته وأفعاله أمام الناس، للنقاش والمساءلة، لا أمام دائرة من المصفقين.
السياسة ليست ولاءً للأشخاص، ولا شيكًا على بياض لأي سلطة. السياسة في جوهرها مسؤولية عامة، والسلطة التي لا تسمع إلا المديح تفقد القدرة على رؤية أخطائها، والمجتمع الذي يخاف من قول «لا» يفقد إحدى أهم أدوات حماية مستقبله.
فلنبدأ من هنا: لا تقديس للأشخاص، لا حصانة للمواقف، لا تصفيق مجاني، ولا ثقة بلا حساب.
من يريد ثقة الناس فليحصل عليها بالعمل، ومن يريد احترامهم فليتحمل النقد، ومن يملك سلطة فليقبل المساءلة.
أما نحن، فعلينا أن نتعلم أخيرًا أن المواطن ليس جمهورًا في مدرج، وأن الوطن ليس شركة خاصة، وأن الموقف السياسي ليس سلعة تُشترى وتُباع.
آن الأوان أن يصبح السؤال الذي يسبق كل ولاء: ماذا فعلت من أجل الناس؟ وأن تصبح الإجابة هي وحدها التي تمنح صاحبها ثقة الناس أو تسحبها منه.
فالدولة القوية ليست التي يخاف فيها الناس من قول «لا»؛ وإنما التي تستطيع أن تسمع «لا» دون أن تخاف منها.
--------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






