أكد وزير الدولة الألماني فلوريان هان، أن يوم الوحدة الألمانية يمثل مناسبة لاستحضار قيم الحرية والديمقراطية والتعاون، مشيراً إلى أن العلاقات بين ألمانيا ومصر تتميز بالوثاقة والتنوع، وتمتد من المجالات السياسية والاقتصادية إلى العلوم والتعليم والثقافة والتواصل بين الشعبين.
جاء ذلك خلال كلمته بمناسبة الاحتفال بيوم الوحدة الألمانية في القاهرة، بحضور وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، وهاني سويلم وزير الري المصري، والسفير الألماني بالقاهرة يورجن شولتس، وعدد من السفراء والمسؤولين وأعضاء مجلس النواب والإعلاميين والشخصيات العامة.
وقال هان: «يسعدني كثيراً أن أحتفل معكم هذا المساء في القاهرة بيوم الوحدة الألمانية»، مشيراً إلى أن المناسبة تحمل بالنسبة إليه طابعاً شخصياً، بعدما كان قبل بضعة أشهر ضيف شرف في الاحتفال بالعيد الوطني المصري في برلين، معتبراً أن احتفاله اليوم بالعيد الوطني الألماني في القاهرة يمثل تعبيراً جميلاً عن الصداقة التي تجمع بين البلدين.
وأضاف أن زيارته إلى القاهرة شهدت برنامجاً حافلاً باللقاءات والفعاليات، من بينها زيارة أهرامات الجيزة والمتحف المصري الكبير، وإجراء عدد من اللقاءات والمباحثات مع ممثلي الحكومة المصرية، فضلاً عن مشاركته في حفل تخرج بالجامعة الألمانية بالقاهرة.
وأوضح أن ألمانيا تحتفل بمرور 36 عاماً على الوحدة الألمانية، وهو يوم يجسد بالنسبة للألمان قيم الديمقراطية والحرية وتجاوز الحدود، كما يمثل التغلب على الديكتاتورية الشيوعية التي قمعت مواطنيها وأدت إلى حالة من الركود الاقتصادي، مشيراً إلى أن 140 شخصاً فقدوا حياتهم في برلين وحدها أثناء محاولتهم مغادرة البلاد.
وأكد أن الثالث من أكتوبر يمثل للألمان يوماً للفرح والامتنان والذكرى، قائلاً إنهم يتذكرون شجاعة أبناء ألمانيا الشرقية الذين خرجوا سلمياً إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير وسقوط جدار برلين، كما يتذكرون أن الوحدة الألمانية لم تتحقق بجهد ألمانيا وحدها، وإنما كان لثقة الشركاء والأصدقاء ودعمهم دور حاسم في تحقيقها.
وأشار إلى أن هذه التجربة لا تزال تشكل ألمانيا حتى اليوم، قائلاً إن الأزمات والصراعات والتوترات المتزايدة في العالم تؤكد قيمة الشراكات الموثوقة، وأضاف: «مصر بالنسبة إلى ألمانيا شريك من هذا النوع، وهي دولة محورية في هذه المنطقة».
وأوضح أن العلاقات المصرية الألمانية اكتسبت على مدى سنوات طويلة مزيداً من العمق والقوة، وتتجلى في اللقاءات والمباحثات المنتظمة بين حكومتي البلدين، والتعاون بين الشركات والجامعات، فضلاً عن الروابط الإنسانية المتعددة التي تجمع بين الشعبين.
ولفت إلى أن مشاركته في حفل التخرج بالجامعة الألمانية بالقاهرة أتاحت له لمس المعنى المباشر للتعاون الأكاديمي بين البلدين، من خلال شباب وشابات يكتسبون المعرفة ويتعلمون اللغات ويقيمون علاقات ويبنون جسوراً تتجاوز حدود فترة الدراسة الجامعية.
وأشار إلى تزايد الإقبال على تعلم اللغة الألمانية في مصر، موضحاً أن عدد المصريين الذين يتعلمون اللغة الألمانية ارتفع خلال عشر سنوات من نحو 260 ألف شخص إلى أكثر من 500 ألف، معتبراً ذلك أمراً لافتاً وفرصة كبيرة لتعزيز التعاون بين البلدين.
وأكد هان أن ألمانيا ومصر تعملان معاً على فتح مسارات منظمة ورسمية أمام الكفاءات المؤهلة، وتعزيز التدريب المهني، وإتاحة فرص نقل المعرفة والخبرات، مشدداً على أن الشراكات في مجال الكفاءات يجب أن تحقق منفعة متبادلة لسوق العمل الألماني والتنمية الاقتصادية في مصر.
وأشار إلى أن الحضور الألماني في قطاع التعليم المصري، من خلال المدارس الألمانية في الخارج ومشروعي «100 مدرسة مصرية ألمانية» و«100 مدرسة مهنية مصرية ألمانية» المرتقبين، لا يقتصر على توفير مسارات تعليمية، وإنما يسهم في بناء جسور بين المجتمعين.
وفي المجال الاقتصادي، أكد وزير الدولة الألماني أن العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين تمثل نموذجاً واضحاً للتعاون الوثيق، مشيراً إلى نشاط الشركات الألمانية في مصر منذ سنوات طويلة، وافتتاح شركات ألمانية مواقع إنتاج جديدة في مصر خلال العام الجاري، مع اعتزام شركات أخرى القيام بذلك خلال الأشهر المقبلة.
وشدد على أهمية توفير الظروف التي تتيح للشركات الاستثمار على المدى الطويل وإقامة شراكات جديدة، بما في ذلك توفير أطر مستقرة وقابلة للتنبؤ، وإتاحة المجال أمام الاستثمارات الخاصة، وتشجيع استكشاف مجالات جديدة للتعاون.
وقال إن ألمانيا ستظل شريكاً لمصر إلى جانبها في هذا المسار، مشيراً إلى أن التعاون في مجال الطاقة يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك، في ضوء الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها مصر في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأوضح أن ألمانيا ومصر تعملان معاً على توسيع استخدام الطاقات المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة، فضلاً عن التعاون في مجال الهيدروجين الأخضر، بما يجمع بين أهداف النمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي والتحول في أنظمة الطاقة.
وبصفته من أبناء ولاية بافاريا، أشار هان إلى قوة العلاقات الاقتصادية بين بافاريا ومصر، موضحاً أنه منذ عام 2020 يوجد في القاهرة تمثيل اقتصادي لولاية بافاريا، وأن حجم التبادل التجاري بين بافاريا ومصر تجاوز 850 مليون يورو خلال عام 2025.
وأضاف أن بافاريا ومصر اتفقتا كذلك على خطة عمل مشتركة للتعاون في مجال الهيدروجين، معتبراً أن ذلك يعكس الطابع العملي والملموس للشراكة الألمانية المصرية، التي لا تقتصر على الشركات والاستثمارات، وإنما تمتد بصورة أساسية إلى الناس.
وفيما يتعلق بالملفات السياسية، قال هان إن زيارته إلى القاهرة تأتي أيضاً في إطار المحادثات السياسية، مشيراً إلى أن المنطقة تشهد وضعاً متوتراً، ومن بين ذلك أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب الجهود الرامية إلى الحيلولة دون مزيد من التصعيد في المنطقة.
وأكد أن التحديات الحالية تتجاوز حدود دول بعينها، مشيراً إلى أن مصر تتمتع بمكانة استثنائية لا ترجع فقط إلى موقعها الجغرافي، وإنما أيضاً إلى دورها كوسيط في العديد من الأزمات المعقدة في المنطقة، وهو ما يجعلها، بحسب قوله، شريكاً موثوقاً به من أجل الاستقرار وتحقيق التوازن.
وفي حديثه عن أوكرانيا، قال هان إن يوم الوحدة الألمانية، بما يرمز إليه من حرية وديمقراطية، يمثل مناسبة للنظر أيضاً إلى أوكرانيا، التي «تدافع كل يوم عن حريتها وديمقراطيتها وأمنها»، مؤكداً استمرار ألمانيا في دعمها والعمل من أجل سلام عادل ودائم.
وأضاف أن دولاً ذات أهمية كبيرة مثل مصر يمكن أن تؤدي دوراً في الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي ومستدام للحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أهمية حماية نقل الحبوب في البحر الأسود، ومؤكداً ضرورة استعداد روسيا للدخول في مفاوضات جادة.
وشدد على أهمية استمرار التواصل والتشاور بين ألمانيا ومصر، قائلاً إن الشراكة الراسخة لا تظهر فقط عندما تكون الظروف سهلة، وإنما تتجلى بصورة خاصة عندما تكون التحديات كبيرة ويستمر الحوار والتشاور رغم صعوبة الظروف.
واختتم هان كلمته بالتأكيد على أن الوحدة الألمانية تذكر الألمان بأن التاريخ ليس ثابتاً لا يمكن تغييره، وأن الحدود يمكن تجاوزها، وأن الثقة والتعاون وشجاعة الناس يمكن أن تجعل التغيير ممكناً.
وقال إن ما حدث قبل 36 عاماً يمثل التزاماً بالحفاظ على الشراكات وتجديدها باستمرار وإضفاء الحياة والمضمون عليها، مؤكداً أن ألمانيا ومصر تعملان على ذلك في السياسة والاقتصاد والعلوم والتعليم، وقبل كل شيء من خلال العدد الكبير من الأشخاص الذين يربطون بين البلدين.
ووجه هان الشكر إلى وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف لحضوره الاحتفال، وإلى السفير الألماني بالقاهرة وفريق السفارة على تنظيم المناسبة، وإلى جميع المشاركين في دعم الشراكة الألمانية المصرية وتعزيزها، مختتماً كلمته بالقول: «عاشت الوحدة الألمانية، وعاشت الصداقة بين ألمانيا ومصر».






