قديماً، كانت الشعوب أيام الاحتلال العسكري تهتف: "يسقط النظام عميل الاحتلال".. وبعد حصول الدول على استقلالها، أصبح هتاف الأنظمة الحاكمة: "يسقط الشعب عدو الاحتلال".
فالأمر - بكل بساطة - أن الاحتلال انسحب بجيوشه، لكنه ظل محتلاً، متحكماً في سيادة الدول من خلال أنظمة تابعة له تنفذ أجندته الخاصة بالمُراد من تلك الدولة.
ففي العراق، وخلال احتفال الشعب العراقي بـ "يوم السيادة" بمناسبة جلاء آخر جندي لقوات التحالف - والتي ضمت أمريكا بشكل أساسي ومعها قوات بريطانية وفرنسية - عبّر الشعب العراقي عن فرحته بالمشي (سواء مترجلاً أو بسيارته) فوق العلم الأمريكي المحتل.
الفصائل العراقية التي قاومت تنظيم الدولة الإرهابي "داعش" والاحتلال الأمريكي، نظمت عرضاً لنعوش شهدائها، ومضت السيارات حاملة النعوش فوق العلم الأمريكي، كما أقامت بعض الفصائل سرادقات أفراح وفرشت أرضيتها بالعلم الأمريكي أيضاً.
المفاجأة أن رئيس الوزراء العراقي قرر تشكيل لجنة تحقيقية بشأن التجاوز بحق علم الولايات المتحدة خلال يوم السيادة. وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان: "إن القائد العام للقوات المسلحة، علي فالح الزيدي، أمر بتشكيل لجنة تحقيقية للوقوف على ملابسات التجاوز الذي رافق أحد الاستعراضات خلال فعاليات يوم السيادة بحقّ علم الولايات المتحدة الأمريكية".. لأن الزيدي - بصفته أيضاً رئيساً للوزراء - أدان هذا الفعل، وأكد ضرورة الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية، كما وجّه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتجاوزين، وإنجاز التحقيق ورفع نتائجه في أسرع وقت ممكن.
كان التصريح صباح يوم الأحد 4 أكتوبر 2026، وفي المساء أعلن النعمان القبض على المتورطين بالتجاوز على العلم الأمريكي في بغداد، مؤكداً محاسبة كل من يثبت تورطه بهذا الفعل، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، بما ينسجم مع القوانين العراقية والأعراف الدبلوماسية.
وفي الحقيقة، هي المرة الأولى التي نسمع فيها - خاصة في منطقة الشرق الأوسط المنكوبة - عن قانون يمنع حرق العلم الأمريكي أو إهانته كتعبير عن رفض شعبي تلقائي للاحتلال الذي لم يحترم ولم يراعِ حرمة العراق منذ احتلاله عام 2003. لكن يبدو أن الزيدي، المنضم حديثاً لجوقة الأنظمة، أراد أن يأتي بمذهب جديد، وهو احترام أمريكا بكل الأشكال. ونخشى أن نستيقظ صباحاً فنجد قانوناً يجرم حرق علم الكيان الصهيوني، وقد يصل الأمر لتجريم كلمة "الكيان الصهيوني" أيضاً.. فنحن في منطقة العجائب!
السيد علي الزيدي فاته أنه يحكم دولة اسمها العراق وليست ولاية أمريكية، وأن الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 25 أغسطس 2025 - والذي يقضي بمحاكمة من يهينون علم الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره "رمزا مقدساً" بالسجن لمدة عام، رداً على تكرار حرق العلم في احتجاجات بشأن الترحيل الجماعي للمهاجرين والدعم الأمريكي للحرب الإسرائيلية في غزة، والتي شهدتها مدن أمريكية عدة في ولاية كاليفورنيا وغيرها - لم يتطرق للدول الخاضعة للسيادة الأمريكية.
لا تغضب سيدي علي فالح الزيدي، فأنت وحكومتك لستم أصحاب سيادة، ولا يعني خروج العسكري الأمريكي أن العراق قد تحرر فعلياً، والدليل تفاخرك ومجلس وزرائك الموقر بالحصول على إذن من وزير الخزانة الأمريكية لاستئناف الرحلات الجوية مع الجارة الشقيقة إيران وفقاً للشروط الأمريكية، والتي نصت على رحلات من مطار النجف العراقي إلى طهران ومشهد الإيرانيتين فقط.
وحال السيد الزيدي كحال رفاقه في الجوقة الحاكمة بالمنطقة؛ هم حكام لولايات أمريكية، وإن كان عُمد الولايات الأمريكية يعارضون ترامب أحياناً، أما نحن فحكامنا يرفعون شعار: "وأطيعوا البيت الأبيض ومن يجلس فيه".. (مؤدبين، ومؤمنين بالولايات المتحدة الأمريكية).
الشاهد أن الدول العربية حصلت على استقلال صوري، والحكام يأتون وفقاً لرغبة المحتل، والقادم من خارج الصندوق تُوضع له العراقيل وتُنسج له المؤامرات للخلاص منه.
** العراق لا تعزف منفردة
وليس المشهد العراقي سوى تفصيل صغير في لوحة إقليمية أكبر؛ فالعواصم العربية من الخليج إلى الشام، تتسابق على استضافة القواعد والأطقم العسكرية الأمريكية بمختلف المسميات، حتى باتت بعض الدول - كالأردن - محطة مركزية لإعادة تمركز القوات والأسلحة الأمريكية وتوسيع قواعدها.
والنتيجة واحدة: سيادة معطلة، وقرار مرتهن، وحكام يحرصون على الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية مع المحتل أكثر من حرصهم على مشاعر شعوبهم.. فالقواعد ليست مجرد خيام وجنود، بل هي هيمنة ناعمة وصلبة تُملي على المنطقة خطوطها الحمراء.
وترضية واشنطن بكل السبل لا يقتصر على "دول القواعد"، وحتى من لا تملك قواعد عسكرية على أراضيها، فإنها تلتزم بالسقف السياسي المسموح أمريكياً.
دولة المغرب أبرمت (منتصف الشهر الماضي سبتمبر 2026) اتفاقاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل من مكاتب اتصال إلى سفارات، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية وثقافية برعاية أمريكية، وقع في منزل المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة في نيويورك، رغم رفض الشعب المغربي العارم، والذي تظاهر لمدة 3 أيام (من 25 وحتى 27 سبتمبر 2026) رفضاً للتطبيع مع إسرائيل، بينما الشعبان الفلسطيني واللبناني يتعرضان للإبادة.
الأنظمة العربية حرصت دائماً على إرضاء الأمريكي على حساب رغبة شعوبها؛ فعندما أنجزت مصر وقطر ما أُطلق عليه "اتفاق شرم الشيخ" لتنفيذ "خطة ترامب"، ـ وهي في أساسها فكرة مصرية خالصة نسبها الرئيس الأمريكي لذاته ـ لوقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة (والتي لم توقع عليها إسرائيل ولم تنفذ بنداً منها) أُقيم حفل صاخب حضرته جوقة من حكام العالم الراغبين والطامعين في الرضا الأمريكي بحضور ترامب، للإعلان عن الاتفاق الذي لاينفذ!
والنتيجة كانت اتفاقاً ورقياً، بينما يستمر الشعب الفلسطيني تحت الإبادة والحصار في كل ساعة، ولا تملك الأنظمة سوى الدعوة والترجي للرئيس الأمريكي لوقف المجازر، مع تجريم المظاهرات المناهضة للإبادة في غالبية الدول العربية باستثناء حالات نادرة كتونس والمغرب وموريتانيا في بعض الأوقات!
وفي الوقت الذي لا تتوقف فيه التظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني في غالبية دول العالم لأنها شعوب تستطيع التعبير وإسقاط حكوماتها، نجد أن منطقتنا تحكمها معادلة أخرى مقلوبة: يسقط الشعب ويعيش النظام.. ويسقط الشعب عدو الاحتلال.. وطاعة أمريكا ثوابها ألف حسنة منها البقاء على سُدة النظام!
----------------------------------
بقلم: محمد الضبع






