04 - 10 - 2026

عصب.. مفتاح باب المندب

عصب.. مفتاح باب المندب

لا يمكن فهم التصعيد المتسارع في القرن الأفريقي بمعزل عن الصراع على باب المندب والبحر الأحمر؛ فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول الحدود أو الموانئ، وإنما حول من يمتلك موطئ قدم قادرًا على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

فالولايات المتحدة، التي تعتمد على قاعدة «كامب ليمونييه» في جيبوتي، تواجه بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا مع اتساع الحضور الصيني في المنطقة وتزايد أهمية الموانئ المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. وفي المقابل، منح سيطرة الحوثيين على الجانب اليمني من باب المندب المضيقَ بعدًا أمنيًا أكثر حساسية بالنسبة لواشنطن، ودفعها إلى إعادة النظر في خياراتها العسكرية واللوجستية على الضفة الأفريقية.

ومن هنا تكتسب إريتريا، وميناء عصب تحديدًا، أهمية استثنائية؛ فالموقع يمنح أي قوة عسكرية موجودة فيه قدرة مباشرة على مراقبة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، وهو ما يفسر أهمية المحاولات الدولية للحصول على موطئ قدم في هذه المنطقة. وإذا كانت أسمرة ترفض منح واشنطن هذا الحضور، فإن البحث عن بدائل لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوى في القرن الأفريقي.

وفي هذا السياق، فإن تصاعد الخلاف الإثيوبي–الإريتري بشأن الوصول إلى البحر الأحمر لا ينبغي قراءته فقط باعتباره نزاعًا ثنائيًا بين أديس أبابا وأسمرة. فخلف ملف الموانئ والممرات البحرية تقف شبكة واسعة من المصالح الدولية والإقليمية، تمتد من واشنطن وبكين إلى القوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ في البحر الأحمر.

أما الزعم بأن تحرك إثيوبيا يستند إلى رغبة «العفر الإريتريين» في الانضمام إليها، فيحتاج إلى تدقيق شديد، لأن توظيف العامل العرقي في تفسير الصراع قد يخفي وراءه صراعًا أكبر على الجغرافيا الاستراتيجية والموانئ. فالمسألة في جوهرها ليست مجرد البحث عن منفذ بحري لإثيوبيا، وإنما صراع على من يملك مفاتيح البحر الأحمر وباب المندب، ومن يستطيع أن يحول هذه الجغرافيا إلى ورقة نفوذ في النظام الدولي الجديد.

وبذلك، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل تريد إثيوبيا ميناءً على البحر الأحمر؟ بل: من يريد أن تكون إثيوبيا هي القوة التي تملك هذا الميناء، ومن يريد أن يبقى باب المندب تحت نفوذ قوة دولية بعينها؟
--------------------------------------
بقلم: 
د. أحمد عبدالعزيز بكير


مقالات اخرى للكاتب

عصب.. مفتاح باب المندب