هناك لحظات لا يكتبها التاريخ بالحبر، وإنما تُكتب بالتضحيات والدماء والإرادة.
ومن بين تلك اللحظات سيظل السادس من أكتوبر عام 1973 يومًا استثنائيًا في ذاكرة مصر؛ يوم تحولت فيه إرادة شعب بأكمله إلى قوة قادرة على تغيير واقع ظن البعض أنه أصبح أمرًا مفروضًا لا يتغير.
كانت سيناء تحت الاحتلال، وكانت جراح يونيو لا تزال حاضرة في الذاكرة، لكن المصري لم يقبل أن تتحول الهزيمة إلى قدر، ولم يسمح للاحتلال أن يصبح حقيقة دائمة.
فجاء أكتوبر.
لم يكن العبور مجرد عبور قناة السويس، بل كان عبورًا من الانكسار إلى الثقة، ومن انتظار اللحظة إلى صناعة اللحظة، ومن الاعتقاد بأن العدو يملك زمام المبادرة إلى إثبات أن الإرادة المصرية تستطيع أن تفاجئ العالم.
عندما اندفع الجندي المصري نحو الضفة الشرقية، لم يكن يحمل سلاحه فقط؛ كان يحمل تاريخ وطن، ودماء شهدائه، وحقًا لا يقبل التنازل عنه.
وسقطت أوهام كثيرة في ساعات قليلة.
سقط وهم أن التحصينات قادرة وحدها على حماية احتلال، وسقط وهم أن المصري يمكن أن يقبل الأمر الواقع، وسقطت فكرة أن التفوق العسكري يستطيع إلى الأبد أن يفرض إرادته على شعب صاحب أرض وتاريخ.
كان أكتوبر درسًا في الإرادة قبل أن يكون درسًا في القتال.
والدرس الأكبر الذي يجب أن يصل إلى الأجيال الجديدة هو أن الأوطان لا تُحمى بالكلمات وحدها؛ وإنما بالعلم والعمل والإنتاج والانضباط والوعي، وبجيش قوي، وشعب يعرف قيمة أرضه، ومؤسسات تعمل من أجل المصلحة الوطنية.
ولذلك فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد ذكرى سنوية، بل مناسبة نسأل فيها أنفسنا: ماذا فعلنا من أجل مصر؟
هل حافظنا على مصنعها؟
هل دعمنا زراعتها؟
هل أتقنا أعمالنا؟
هل احترمنا القانون؟
هل علّمنا أبناءنا معنى الوطن؟
هل وقفنا في مواجهة الفساد والإهمال بالكلمة والعمل المسؤول؟
فالجندي الذي عبر القناة عام 1973 كان يدافع عن الأرض، والمواطن اليوم عليه أن يدافع عن الوطن بطريقته: بالعمل الشريف، والإنتاج، والعلم، والحفاظ على المال العام، واحترام مؤسسات الدولة، والتمسك بوحدة المجتمع.
إن مصر لا تحتاج إلى أن تكره أحدًا حتى تكون قوية، ولا تحتاج إلى الاعتداء على أحد حتى تثبت قدرتها.
القوة المصرية الحقيقية أن تكون مصر آمنة، مستقرة، منتجة، صاحبة قرار، قادرة على حماية حدودها ومصالحها، ومتمسكة بحقوقها، وتعرف في الوقت نفسه قيمة السلام.
ومن أراد أن يعرف لماذا يبقى أكتوبر حاضرًا في وجدان المصريين، فعليه أن يفهم أن القضية لم تكن مجرد أرض، بل كانت كرامة وطن.
لقد قال المصري في أكتوبر كلمته بالفعل لا بالشعارات:
هذه أرضنا، وهذه كرامتنا، وهذا وطننا، ومن يعتدي على حقنا سيجد شعبًا لا ينسى وطنه ولا يتنازل عن سيادته.
رحم الله شهداء مصر الذين بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الأرض، وتحيا ذكرى أبطال أكتوبر الذين صنعوا لحظة لا تزال مصر تفتخر بها.
وسيظل أكتوبر رسالة لكل من يراهن على ضعف مصر:
مصر قد تصبر، لكنها لا تنسى.
مصر قد تمد يدها للسلام، لكنها لا تفرط في الحق.
ومصر قد تواجه الصعاب، لكنها لا تقبل أن يكون وطنها مستباحًا.
إن أكتوبر ليس حكاية من الماضي؛ إنه درس متجدد يقول لنا إن الوطن الذي تتوحد إرادته، ويعرف قيمة أرضه، ويؤمن بقدرة أبنائه، يستطيع أن يتجاوز أصعب المحن.
تحيا مصر.. أرضًا وشعبًا وجيشًا،
ورحم الله شهداء الوطن، وحفظ الله مصر من كل سوء.
---------------------------------------
بقلم : محمد عبدالمجيد هندي






