04 - 10 - 2026

خطيئة عبد الناصر التي لم يرتكبها

خطيئة عبد الناصر التي لم يرتكبها

يحزنني أن البعض، ومنهم محسوبون على الناصريين، يتبنون فكرة أن «خطيئة عبد الناصر الكبرى» كانت اختياره أنور السادات خليفةً له. وهذه الفكرة، على شيوعها، تقوم على خلط تاريخي واضح، وعلى رواية جرى تصديقها بأثر رجعي، مفادها أن عبد الناصر اختار السادات نائبًا لرئيس الجمهورية، وبالتالي اختاره خليفةً له، ومن ثم أصبح مسؤولًا عما جرى بعد رحيله لمشروعه السياسي.

الغريب أن كثيرين ممن يرددون هذه الرواية لم يكلفوا أنفسهم قراءة ما جرى فعلًا، وهو ليس سرًا تاريخيًا مجهولًا؛ فقد نُشر في شهادات ومذكرات عديدة، وتحدث عنه رجال كانوا داخل دائرة صنع القرار في مصر لحظة رحيل عبد الناصر، وشارك بعضهم مباشرة في الوقائع التي انتهت إلى تولي السادات الرئاسة.

المغالطة تبدأ من تحويل واقعة صحيحة إلى واقعة أخرى لم تحدث: نعم، عبد الناصر عيّن أنور السادات نائبًا لرئيس الجمهورية في 19 ديسمبر 1969، وهذا القرار ثابت بوثيقة رسمية. لكن هذا القرار لا يوفر، في ذاته، قرينة تاريخية على أنه كان إعلانًا لاختيار السادات خلفًا له.

تكشف الوقائع التي أعقبت وفاة عبد الناصر شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد تولى السادات الرئاسة مؤقتًا بحكم موقعه نائبًا لرئيس الجمهورية، وفقًا للنظام الدستوري القائم آنذاك، ثم جرت بعد ذلك عملية سياسية داخل مؤسسات الدولة انتهت إلى ترشيحه ثم الاستفتاء عليه رئيسًا للجمهورية. وشهادة شعراوي جمعة، رجل الدولة القوي في تلك اللحظة، تتحدث صراحة عن البحث بعد وفاة عبد الناصر عن آلية لترشيح السادات، وعن وجود اعتراضات ومواقف مختلفة داخل القيادة، بما يؤكد أن «الخلافة» لم تكن مجرد انتقال آلي أعده عبد الناصر مسبقًا.

وهنا يجب أن ننتبه إلى الفرق بين السؤالين: لماذا اختار عبد الناصر السادات نائبًا؟ وهل اختار عبد الناصر السادات خليفةً له؟

الأول سؤال تاريخي مشروع ما زالت حوله روايات وتفسيرات متعددة، أما تحويل الإجابة عنه إلى حقيقة محسومة تقول إن عبد الناصر اختار السادات رئيسًا من بعده، فهو قفزة من واقعة إلى استنتاج لا تثبته وقائع ما جرى بعد الوفاة المفاجئة.

هذه ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي إعادة كتابة له من نهايته.

شهادة شعراوي جمعة تكشف أن رجال الدولة أنفسهم لم تكن لديهم إجابة حاسمة عن دوافع تعيين السادات نائبًا، وأن تفسير القرار ظل موضع روايات متعددة. والأهم أن اختيار السادات رئيسًا بعد وفاة عبد الناصر كان موضوعًا مستقلًا، دارت حوله مداولات ومناورات واعتراضات وترتيبات داخل القيادة.

في الأيام الأولى بعد رحيل عبد الناصر، لم يكن هناك انتقال تلقائي للسلطة إلى السادات، وإنما اجتماع ومداولات وقرار بشأن من ينبغي أن يكون مرشح النظام للرئاسة. وكانت اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي هي التي بدأت هذه العملية، واتفق أعضاؤها على أن يتقدم لبيب شقير بترشيح السادات. وما إن طُرح الاسم حتى أعلن حسين الشافعي اعتراضه عليه، وقدم أسبابًا مطولة لرفض الترشيح. وبعد مناقشات طويلة استقر رأي اللجنة على ترشيح السادات، ثم انتقلت المسألة إلى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، ثم إلى مجلس الأمة، وصولًا إلى الاستفتاء الشعبي.

هذه الوقائع ليست تفصيلًا إجرائيًا يمكن تجاوزه، وإنما هي جوهر المسألة. فلو كان السادات قد دخل الرئاسة باعتباره الخليفة الذي اختاره عبد الناصر، لما كانت هناك حاجة إلى اجتماع لاختيار المرشح، ولا إلى مناقشة اسمه، ولا إلى اعتراض من أحد أعضاء القيادة العليا، ولا إلى بذل مجهود لإقناع قيادات الاتحاد الاشتراكي وقواعده بقبول ترشيحه.

وتكشف شهادة شعراوي جمعة أن ترشيح السادات، الذي كان متحمسًا له، واجه مقاومة داخل التنظيم السياسي نفسه.

فبعد أن استقر رأي اللجنة التنفيذية العليا على ترشيح السادات، وجد شعراوي نفسه مضطرًا إلى التحرك بين قيادات الاتحاد الاشتراكي لإقناعها بالترشيح. ويذكر أنه كان يعرف مشاعر كثير من قيادات التنظيم وقواعده تجاه السادات، وأن عددًا منهم كان قد اصطدم به في مراحل سابقة. بل إنه يروي كيف ظل فريد عبد الكريم، أمين محافظة الجيزة، رافضًا لترشيح السادات، وكيف طال النقاش بينهما أكثر من ساعتين، قبل أن يسأله شعراوي: إذا كنت لا تريد السادات، فمن ترشح؟ فاقترح محمود فوزي.

والدلالة هنا ليست في أن محمود فوزي كان ينبغي أن يصبح رئيسًا، ولا في المفاضلة بين الأسماء. الدلالة أن السادات لم يدخل إلى الرئاسة باعتباره الاسم الذي كان الجميع ينتظر أن يخلف عبد الناصر، وإنما باعتباره اسمًا احتاج اختياره إلى قرار سياسي ثم إلى عملية إقناع واسعة داخل التنظيم الذي كان يفترض أن يكون صاحب السلطة في ترشيح رئيس الجمهورية.

بل إن شعراوي جمعة يذهب أبعد من ذلك في شهادته. فقد تحدث عن شعور عام في أوساط أمناء الاتحاد الاشتراكي وقواعده برفض ترشيح السادات، وعن الحاجة إلى بذل جهد لإقناعهم به. وتظهر روايته أن قيادات منظمة الشباب نفسها لم تكن بمنأى عن هذا الرفض، وأن القائمين على عملية الاختيار اضطروا إلى بذل جهد شديد لتمرير الترشيح؛ حتى إن شعراوي جمعة يروي أنه خرج من اجتماعه مع قيادة منظمة الشباب باكيًا من شدة ما واجهه من رفض.

وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحًا: إذا كان السادات هو الخليفة الذي اختاره عبد الناصر، فأين كانت هذه المقاومة كلها؟ وكيف يكون الرجل الذي اختاره عبد الناصر لخلافته مرشحًا لا تقبله قطاعات من قيادات التنظيم السياسي وقواعده؟ ولماذا احتاج الذين قرروا ترشيحه إلى كل هذا الجهد لتمرير اسمه؟

بل إن حسين الشافعي، وهو من رجال الثورة ومن أعضاء دائرة السلطة العليا، لم يعترض على السادات اعتراضًا عابرًا. فقد أعلن رفضه لترشيحه في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا، وذكر من أسباب اعتراضه أن السادات لم يتولَّ عملًا تنفيذيًا طوال مسيرته منذ قيام الثورة، وأن اختياره قد يعرّض النظام للاهتزاز إذا لم ينجح في الاستفتاء.

وكانت هناك، في تلك اللحظة، أسماء أخرى ذات ثقل داخل النظام. وكان علي صبري، الذي كان قد تولى رئاسة الوزراء ورئاسة الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، صاحب نفوذ وشعبية أكبر داخل البناء السياسي، وإن كان قد استبعد نفسه بنفسه من سباق الخلافة ورفض ترشيح نفسه. وكانت أسماء أخرى حاضرة في حسابات رجال النظام، من بينها محمود فوزي، فضلًا عن موقع زكريا محيي الدين في الذاكرة السياسية للنظام وفي النقاشات المتعلقة بالخلافة.

بل إن لدينا واقعة سابقة أكثر دلالة: ففي 9 يونيو 1967، عندما قرر عبد الناصر التنحي، سمّى زكريا محيي الدين صراحةً ليتولى رئاسة الجمهورية. ثم تراجع عن قرار التنحي تحت ضغط الموقف الشعبي. وهذه الواقعة تكفي لإسقاط القول بأن السادات كان اسم الخلافة المحسوم في ذهن عبد الناصر.

وهذا كله يعيدنا إلى النقطة التي ينبغي ألا نضيعها وسط التفاصيل: لم يكن السادات مرشحًا طبيعيًا لخلافة عبد الناصر.

والأهم من ذلك أن هذه ليست خلاصة خصوم عبد الناصر أو خصوم السادات، وإنما معنى يمكن استخراجه من شهادات رجال كانوا في قلب النظام نفسه، ومن بينهم الذين شاركوا بالفعل في اختيار السادات.

وهنا تأتي شهادة محمد فوزي التي نقلتها مذكرات الفريق أول محمد صادق في «الأهرام». ففي خضم خلافات مايو 1971، قال فوزي، وفق الرواية المنشورة، عن المجموعة التي كانت قد دخلت في صراع مع السادات: «هم الذين وضعوا السادات على الكرسي ليحكم مصر»، وأضاف أنهم وضعوه رغم ما كان لديهم من تحفظات وما كان مسجلًا في ملفاتهم عنه.

الجملة بالغة الدلالة؛ لأنها تضع الفعل في مكانه الصحيح. لم يقل: عبد الناصر وضع السادات على الكرسي. قال: هم الذين وضعوه.

وهذه ليست مجرد مسألة في اختيار الضمير. إنها الفارق بين تاريخين مختلفين تمامًا: تاريخ يقول إن عبد الناصر اختار خليفته ثم أخطأ في الاختيار، وتاريخ آخر يقول إن عبد الناصر اختار نائبًا له، ثم مات قبل أن تُحسم مسألة من يخلفه، فوجد رجال النظام أنفسهم أمام قرار لم يكن قد اتخذه عنهم.

ولعل هذا هو السبب في أن بعض الروايات اللاحقة احتاجت إلى اختزال المسافة بين الواقعتين: بين اختيار السادات نائبًا في حياة عبد الناصر، واختيار السادات رئيسًا بعد وفاته. ومع مرور الوقت، أصبح التعيين نائبًا يُقرأ باعتباره تعيينًا للخلافة، وأصبح وصول السادات إلى الرئاسة دليلًا على أن عبد الناصر كان قد اختاره لها، ثم أصبحت النتائج التي ترتبت على رئاسة السادات حجة إضافية على سوء اختيار عبد الناصر.

وهكذا اكتملت دائرة الرواية بأثر رجعي: اختار عبد الناصر السادات نائبًا، إذن اختاره خليفة؛ واختاره خليفة، إذن يتحمل مسؤولية ما فعله خليفته.

لكن الحلقة الأولى في هذا الاستنتاج لا تثبت الثانية.

وقد كان محمد حسنين هيكل أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في ترسيخ السردية التي ربطت بين اختيار السادات نائبًا وبين خلافته لعبد الناصر، مع اختلاف التفاصيل والتفسيرات التي قدمها في هذا السياق. وقد تولى بنفسه قيادة حملة ترشيح السادات، وهذا لا يعني أن هيكل «اخترع» الرواية، وإنما يعني أن نفوذه الكبير في كتابة تاريخ المرحلة أسهم في جعل هذا الربط يبدو، بمرور الزمن، وكأنه حقيقة محسومة لا تحتاج إلى مساءلة.

وهنا لا يتعلق الأمر بهيكل وحده، ولا برواية واحدة يمكن ردها أو قبولها، وإنما بآلية أوسع في كتابة التاريخ: حين تكون النهاية معروفة، يصبح من السهل إعادة تفسير كل ما سبقها باعتباره طريقًا إليها. وهكذا تحولت نتيجة سبتمبر 1970 إلى مفتاح لقراءة ديسمبر 1969، وأصبح تعيين السادات نائبًا يُفسَّر على ضوء رئاسته اللاحقة، بدل أن يُقرأ في سياقه السياسي والتاريخي وقت اتخاذه.

وهذا هو جوهر القراءة بأثر رجعي التي ينبغي مقاومتها.

نحن نعرف اليوم ما فعله السادات بعد أن أصبح رئيسًا، ونعرف التحولات الكبرى التي أدخلها على مسار الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة الخارجية. لكن معرفتنا بهذه النتائج لا تمنحنا حق تحميلها على عاتق عبد الناصر.

وليس المقصود هنا البحث عن ثغرة للدفاع عن عبد الناصر بأي ثمن. فالرجل ليس بحاجة إلى أن ننسب إليه ما لم يفعله لكي ندافع عنه، كما أنه ليس من الموضوعية أن نحمله مسؤولية قرار لم يتخذه.

بل إن الدفاع عنه في هذه النقطة تحديدًا يصبح أكثر قوة حين لا يتحول إلى دفاع شامل. يمكن أن نناقش قرارات عبد الناصر كلها، وأن نختلف معه في اختيارات كثيرة، وأن نسائل نظام يوليو عن الطريقة التي أدار بها مسألة السلطة. لكن ذلك كله لا يغير حقيقة بسيطة، ان تعيين السادات نائبًا لم يكن يعني اختياره رئيسًا.

الفارق بين الأمرين ليس لغويًا ولا شكليًا. إنه الفارق بين قرار اتخذه عبد الناصر وهو حي، وقرار اتخذه رجال النظام بعد موته.

هؤلاء الرجال أنفسهم لم يكونوا يتعاملون مع السادات باعتباره الخليفة الذي تركه لهم عبد الناصر، وإلا لما احتاجوا إلى اختياره من جديد، ولما اختلفوا حوله، ولما احتاجوا إلى إقناع قيادات الاتحاد الاشتراكي وقواعده، ولما كان حسين الشافعي قد وقف في الاجتماع نفسه معلنًا اعتراضه عليه، ولما كان شعراوي جمعة قد سجل بعد ذلك، بمرارة واضحة، أخطاءهم في طريقة الاختيار.

إننا هنا أمام واقعة تاريخية شديدة الدلالة: الرجل الذي يُقال إن عبد الناصر اختاره خليفة له لم يكن هو المرشح الذي تتعامل معه مؤسسات النظام بعد وفاته باعتباره أمرًا مفروغًا منه. بل كان اسمه موضع خلاف، وكان تمرير ترشيحه يحتاج إلى جهد، وكانت هناك أسماء أخرى أقوى حضورًا في البناء السياسي، وكان قطاع واسع من قواعد التنظيم لا يريده، فضلًا عن أن سمعته في الأوساط الشعبية لم تكن في صالحه.

وبكل وضوح أقولها: شعراوي جمعة وسامي شرف ومحمد حسنين هيكل كانوا في قلب العملية التي وضعت أنور السادات على كرسي الرئاسة خلفًا لجمال عبد الناصر.

لم يكن عبد الناصر هو الذي اختار السادات رئيسًا، وإنما كان هؤلاء، ومعهم آخرون في قيادة النظام، هم الذين تعاملوا بعد رحيله مع مسألة الخلافة، ودفعوا في اتجاه ترشيح السادات وتمرير اختياره داخل مؤسسات النظام. وتشهد رواية شعراوي جمعة نفسه على الجهد الذي بذله لإقناع الرافضين، وعلى الأخطاء التي ارتكبها هو ومن معه وأدت، في النهاية، إلى تثبيت السادات في الحكم.

قد يكون عبد الناصر قد أخطأ في قرارات كثيرة؛ لكن اختيار السادات رئيسًا ليس واحدًا منها. هذه، ببساطة، خطيئة عبد الناصر التي لم يرتكبها.
-------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

خطيئة عبد الناصر التي لم يرتكبها