01 - 10 - 2026

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 23

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 23

23

بيروت، 23 ديسمبر 2015

اتصل بي دكتور صبره، وكعادته، كان ودودًا وإن بدت نبرة القلق عليّْ في صوته. مر أكثر من ثلاثة شهور على آخر زيارة له، داعبته بصوت ملؤه الضحك بأنه هو الذي دلني على الدفتر، فتباعدت لقاءاتنا، وكذبت عليه حين قلت له "صار الدفتر صديقي الحميم"، وتعمدت ألا أُكمل العبارة بأن ذلك كان صحيحًا إلى أن ظهر هاشم.

منذ ظهر، تغيرت تفاصيل حياتي، وتحديدًا يوم عقدنا أول اجتماع مشترك بمكتبه مع الزملاء، أذكر أول اجتماع جمعنا في مكتبه مع الزملاء؛ جلس في طرف الطاولة قليل الكلام، يدوّن ملاحظاته بقلم رصاص ويرفع عينيه إليّ كلما تحدثت، ثم يخفضهما سريعًا كمن ضُبط يسترق السمع.

ثم لقائنا بعدها بأسابيع صدفة على الكورنيش وهو يجلس مع أصدقائه معتمرًا طاقية صوف يتقي بها برد الصباح الباكر، إلى تواتر اتصالاتنا ولقاءاتنا ثم تحولها إلى طقسٍ أساسي من لحظة نفتح عيوننا من النوم إلى أن نضع رؤوسنا على الوسائد مرة أخرى. موجات عواطف جياشة لا تخمد حركتها بين إقبال وإدبار، تعلو وتفيض دائمًا ولا تغيض أبدًا.

في داخل كل واحد منا ألف رغبة لنأخذ خطوات أبعد وأبعد، وفي أقدامنا ألف ألف قيد، نحوم حول سور المدينة البعيدة، نتطلع إلى أضواء مصابيحها المتوهجة، وإلى شجي موسيقاها الشرقية العذبة، فيسرح الخيال إلى ما بعد الخيال ببعيد. كنت كلما قابلته رأيت أنهار الحكي في عينيه، وجفاف الصحراء على شفتيه، شتان بين شلالات كلام عينيه، وبخل حديث شفتيه.

في كل صباح أزداد حنينًا وتوهجًا، واتطلع إلى لقائه، فإن عزَّ، سارعت إلى مهاتفته، فيمضي بنا الحديث في دروب بعيدة وقريبة، يمضي من دون أن نفكر إلى أين يمضي، إلى أن جاءت محاضرة دكتور ستيوارت، وكان ما كان بيننا من عناق، صحيح أنه لم يستغرق سوى ثوانٍ معدودات، لكن من قال إننا نحسب أوقاتنا مع من نحب بتلك المواقيت البالية عديمة الفائدة.

حين نكون في صحبة من نحب يترك الزمن عاداته السخيفة، ويأخذ في رسم إيقاع مختلف، تصبح اللحظة السعيدة فيه عمرًا طويلا، والاتكاء على كتف المحبوب ضمان أمان واطمئنان، حتى الكلمة، تغادر معناها القديم وتتجلى في معانٍ جديدةٍ لم نجربها ولم نتذوقها من قبل.

"وحشتيني..."

يا لهذه الكلمة حين همس بها عبر الهاتف ذات مساء، فتغير معنى الكلمة في أذني، كانت متخمة بمشاعر الحب والحنان والدفء، يصلح كل حرف فيها أن يصبح مشعلاً ينير طريق الحيارى والمكلومين والمعذبين..

قالها بلهجته المصرية التي لم تُفلح سنوات بيروت في محوها كلها، وإن تسللت إليها كلمات لبنانية صار يتبادلها معي دون أن ننتبه، وبصوتٍ معتّق بحب العمر، آه لو كان قبالتي ساعتها، آه لو كان في متناول ذراعي وقت قالها، لقفزت وتعلقت برقبته ولغمرته بقبلات لم تعرفها الأرض بعد.

ومنذ ذلك المساء وأنا أحمل الكلمة معي كما يحمل المسافر رغيفه الأخير؛ تكفيني زادًا، وتجعلني نجمة في سماء تعجّ بملايين النجوم. وما كان أحوجني إليها بعد مكالمة دكتور صبره.

---------------------------------------------------------------

عاد إليّْ صدى اتصال دكتور صبره، فأعادني إلى الواقع، وإلى تجاهلي، ليس فقط المرور عليه لعدة أسابيع، بل امتد إلى إهمالي تناول الأدوية، وذلك ما كان يخشاه ويحذر منه دائمًا، كثيرًا ما كرر على مسامعي أنه مهما بلغت من تحسن ومن صفاء نفس ومن تصالح مع الحياة، يظل الدواء أمرًا مقدسًا لا يحق لي وحدي اتخاذ قرارٍ بشأنه، هو وحده من يقرر متى، وكيف.

كان يخشى حدوث ارتدادات عكسية يمكن أن تعيدنا إلى المربع صفر. حاولت طمأنته وتخفيف حدة قلقه، ووعدته بالمرور عليه مساء اليوم التالي.

أنهيت المكالمة سريعًا ورحتُ أستعدُ لتناول العشاء مع هاشم في مطعم مشاوي الشام، كانت ساندرا قد أوت إلى فراشها، أخذت حمامًا دافئًا وغيرت ملابسي، ونازعتني الرغبة في تدخين سيجارة مع فنجان قهوة، قامت الخادمة على إعدادها فيما جلست مسترخية على الفوتية بروب الحمام القطني، اتكأت برأسي على المسند وسرعان ما سرحت بعيدًا. جرفني تيار الذكريات إلى ماضٍ بعيد مع شعور بانقباض أسفل الصدر، بدا غريبًا وغير معتاد، تبعه توتر تتصاعد وتيرته بشكل سريع حتى أنني فقدت القدرة على التركيز، وحين أتت الخادمة بالقهوة حاولت أن اتماسك وأبدو طبيعية، لكن ارتعاشة يدي تسببت في سقوط بعض القهوة على السجادة.

هرولت صوب علب الدواء، وأخذت أقلب فيها بلهفة وتوتر، وأدهشني نظرتي إلى بعض منها باستغراب، كأنما أراها للمرة الأولى، حتى لكأن الأسابيع التي أهملتها فيها صارت سنوات طويلة، على الغلاف الأبيض خطّ الدكتور صبره بقلمه الأزرق عدد الحبات وموعدها، ولم أقرأ شيئًا من ذلك. تناولت حبتين، ثم ثالثة، وفي رأسي صوته الهادئ: «الدواء أمرٌ مقدس، لا يحق لكِ وحدكِ أن تقرري». عرفت أنني أخالفه في هذه اللحظة بالذات، وأن ما أفعله ليس علاجًا بل هروبًا، لكن اليد كانت أسبق من الوصية. جلست أتصبب عرقًا كأنما أستريح من عَدوٍ لمسافات طويلة دون توقف، وقلت لنفسي: غدًا أحكي له كل شيء.

ما الذي حدث؟، لا أدري.. هل لذلك صلة بمكالمة دكتور صبره وتحذيراته من تبعات إهمالي الدواء، هل سيطر الخيال على الواقع، أم أن هناك أمرًا فيزيائيًا أدى إلى ذلك، لا أدري.

لم أكن في حال تسمح لي بالتركيز وخشيت إن خرجت مع هاشم أن تعاودني تلك النوبة أو ترتفع وتيرتها فأكون في حال لا أستطيع فيه كبح جماح نفسي، خاصة أنني لا أستطيع الجلوس في مكان واحد، أتحرك كبندول ساعة لا تتوقف إلا ليتحرك، ارتفع مستوى الأدرينالين إلى القمة، وتصببت عرقًا، أحسست رطوبته تحيط بجسمي تحت الروب القطني.

-----------------------------------------

من دون مقدمات، وجدتني رغم أنفي اتصل بهاشم وأختلقُ له الأعذار واعتذر عن موعدنا، حاولت السيطرة على نفسي وأن يبدو صوتي طبيعيًا، استشف هاشم أن هناك شيئًا ما، وسايرني على الهاتف حتى أنهينا المكالمة واتفقنا أن نلتقي صباح الغد في العمل، وظننت أن كل شيء قد انتهى.

بعد حوالي الساعة، رن جرس هاتفي، كان هاشم، حملقت في الشاشة محتارة، رغم عدم قدرتي على الرد، فقد كانت بداخلي رغبة جارفة للحديث معه، كنت على يقين أنه وحده القادر على الإنصات لي بصدر رحب، وأنه سوف يستوعب همومي وسوف يمنحني ما أبحث عنه من أمان.

تناولت الهاتف بيد مرتجفة، وجاءني صوته هادئًا واثقًا؛ (مايا.. أنا بالشارع تحت البيت.. ناطرك)، ثم أغلق الهاتف ولم ينتظر إجابة، تجمدت في مكاني، وارتفع مستوى الأدرينالين، ومع ذلك مضيت نحو الحمام واغتسلت سريعًا، وارتديت ملابسي وهرولت إلى الشارع، كان يقف على الناصية يقطع الوقت بالتمشي بين زاويتي الرصيف متحدثًا في الهاتف، خطوت نحوه وكان ظهره لي فبادرته متسائلة وأنا أحاول الابتسام؛

- تعبتك معايا!

- أهلا..

تبادلنا قبلتين سريعتين على الوجنات، وسألته؛

- لك مدة تنتظر؟

- العمر!!..

كانت عيناه تشعان بضوء غريب، فأبعدت عينيي عنهما، وعقبت وأنا اغتصب ابتسامة على وجهي

- يااه .. بكير كثير!

-           ..

ابتسمنا ثم مضينا سويًا نحو أول شارع الحمرا، حيث صف سيارته تجنبًا لزحام الشارع، وعندما اقتربنا منها فضلنا أن نكمل الطريق سيرًا على الأقدام إلى المطعم. كانت أضواء زينات عيد الميلاد تكسو مباني وشوارع بيروت، شتان بين بهجة بيروت وأحزاني، كيف تمضي حزينًا وسط أجواء من الفرح، يا له من تناقض كبير! 

تحدث قليلاً وتحدثت كثيرًا كثيرًا، لم أركز في كلامي، كانت لدي رغبة جارفة لإلقاء حمولتي النفسية عند أول ناصية، وكان هاشم أقرب النواصي إلى قلبي، أنصت وشاركني مشاعري المحطمة، واستطاع بقليل الكلام شحذ طاقتي.

لم أخبره بأزمتي النفسية وإن استشعرت أنه أدرك ذلك في حيرة عينيَّ وعدم استقرارهما، وربما توتري وترددي الزائدين عن الحد، وربما لفقدي التركيز وارتباكي.

كان هاشم قد تخلى – بفعل القرب - عن كثير من تحفظه، تعددت لقاءاتنا وكثيرًا ما كانت المحال المنتشرة على الكورنيش مسرحًا لتلك اللقاءات؛ كافيتريا Bay Rock نهارًا بإطلالتها الساحرة على صخرة بيروت، ومطعم ليلي أو مشاوي الشام، وما شابههما مساءً. 

كنا كلما التقينا تبادلنا قبلات الترحيب، ولكن دعني أخبرك بسرٍ آخر من أسراري يا دفتري العزيز، ذلك أني صرت أتعمد أن تكون قبلتي أقرب ما تكون إلى زاوية شفتيه منها إلى وجنتيه، فلكم تمنيت أن نغرق معًا – ولو مرة - في قبلة طويلة نغيب بها عن الواقع، لكنني وككل مرة كنت أحظى بها في خيالي، وما أدراك ما الخيال، وصدق من قال (ولنا في الخيال حياة).

عُدت ذلك المساء إلى بيتي وأنا أكثر استقرارًا وتوازنًا، ولم أعرف أكان الفضل للحبات التي ابتلعتها على عجل، أم لرجلٍ أنصت إليّ دون أن يسأل، ولعلني كنت أخشى أن أعرف، غيرت ملابسي وجلست على السرير بوجه متجهم جامد، وما أن وقعت عيناي على الدفتر، حتى تناولته ورحت أدون مذكراتي.

كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة مساءً، ولم تكن قد مرّت ساعة كاملة منذ تركني هاشم أمام منزلي وانصرف مودعًا متمنيًا لي ليلة هانئة، ومع هذا كان ثمة شعورٍ داخلي مُلحٌ للحديث معه، تناولت الهاتف وقبل أن أهم بضغط رقم الاتصال تراجعت، وفضلت استطلاع أحواله عبر رسالة واتس آب، لكنني ترددت ثانية في إرسالها، كتبت ومسحت الرسالة عدة مرات، ثم وجدتني في النهاية أخضع لرغبتي وأكتب رسالة من كلمة واحدة، (وصلت؟)، كنت أرغب في التواصل معه بأي شكل، بل تمنيت لو دعاني للخروج ثانية في ذات الليلة.

بعد دقيقتين جاءني رده؛ الحمد لله .. طمنيني عنك؟، ماشي الحال، حبيت أطمن عليك، تعرف .. ما كان بدي فلّ أصلًا، لو قلتلي كنّا سهرنا للصبح... هههه، كانت سهرة حلوة كتير...

وامتد حديثنا لأكثر من ساعة، كنت سعيدة لدرجة تمنيت ألا ننام.. وعندما وضعت رأسي على الوسادة تخيلته إلى جواري وأطلقت العنان لخيالي لأستيقظ صباح اليوم التالي منتشية بالحب وبحمام الصباح الدافئ.

* * *
---------------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط