01 - 10 - 2026

الجمهورية الجديدة: مصر تنمو ولا تتحول

الجمهورية الجديدة: مصر تنمو ولا تتحول

ثمة سؤال يبدو اقتصاديًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة سؤال عن فلسفة الدولة في إدارة ثروتها ومستقبلها: لماذا لا نبني منظومة تجعل كل أصل نمتلكه قادرًا على إنتاج أصل جديد؟ ليس هذا سؤالًا تقنيًا عن جدوى الاستثمار، ولا استفهامًا محاسبيًا عن العائد على رأس المال، بل هو سؤال عن القدرة على التحويل (Transformative Capacity) - تلك المسافة الدقيقة والقاتلة بين أن تمتلك الدولة مواردها، وبين أن تُنتج منها قوة مستدامة تتجدد عبر الزمن.

ففي تقريرها السنوي لعام 2026 عن الاقتصاد المصري، استخدمت وحدة الاستخبارات الاقتصادية (Economist Intelligence Unit - EIU) عبارة بدت من دقتها كأنها تختصر مأساة تنموية كاملة: "مصر تنمو، لكنها لا تتحول"، إنها جملة قاتلة في إيجازها، عميقة في دلالتها، لأنها تلتقط المفارقة المركزية: أن يتحرك الاقتصاد إلى الأمام، لكنه لا يتحرك إلى الأعلى، أن تتراكم أرقام، ولا تتراكم قدرة، أن تُبنى الأصول، لكنها لا تُنتج أصولًا جديدة.

والأرقام الكلية تبدو مبهرة في ظاهرها، ولا ننكر ذلك، فالناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 5.3% في النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مدفوعًا بارتفاع الاستثمار الخاص وتحسُّن عائدات السياحة والصادرات غير النفطية، وصافي الاستثمار الأجنبي المباشر قفز إلى 13 مليار دولار خلال تسعة أشهر، بنمو 32.6% عن العام السابق، واحتياطي النقد الأجنبي تجاوز 57.5 مليار دولار، وهو رقم يمنح وهمًا بالطمأنينة، ولكن تحت سطح هذه الأرقام اللامعة، يقف الاقتصاد المصري عاجزًا عن الإجابة على سؤال واحد: لماذا لا نبني منظومة تجعل كل أصل نمتلكه يولِّد أصلًا جديدًا؟

فالمشكلة ليست في غياب النمو، بل في نوعيته، وليست في نقص الأصول، بل في غياب المنظومة التي تحوِّل الأصل إلى قدرة، فالنمو الذي لا يُنتج تحويلًا هيكليًا هو نمو يُطعم الحاضر لكنه يستنزف المستقبل، والاستثمار الذي لا يُنتج إنتاجية هو استثمار يضيف أصلًا إلى الميزانية لكنه لا يضيف قدرة إلى الاقتصاد، والاحتياطي الذي يرتفع لا يعني شيئًا إذا كان يخدم ديونًا مستحقة لا صناعة قائمة، وهنا تحديدًا تكمن المعضلة: أن نبني أصولًا لا تُنتج أصولًا، وأن نُشيِّد بنية لا تُنتج قدرة، وأن نمتلك مقومات القوة دون أن ننتج القوة ذاتها.

فهل نُدير الأصول بوصفها مخزونًا يُستهلك، أم بوصفها رأسمالًا يُستثمر؟ وهل نقيس نجاحنا بما أنفقنا، أم بما أنتجنا؟ وهل نبني منظومة تُوزِّع الريع، أم منظومة تُنتج القيمة؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول هذا المقال أن يفككها، بلا تجميل ولا تهوين، عبر قراءة في البيانات والتقارير الدولية، وربط خيوط العلاقات الدولية بالقرارات المحلية، وكشف البنى العميقة التي تجعل فجوة التحويل تستمر عامًا بعد عام.

فجوة التحويل: أصلٌ لا يُنتج أصلًا

المشكلة ليست في غياب الأصول، فهذه حقيقة يجب أن نقولها بصراحة قبل أي شيء آخر: مصر لا تعاني من فقر في الموارد ولا من ندرة في البنية الأساسية ولا من ضعف في حجم الاستثمارات الموجهة إليها، فمنطقة اقتصادية لقناة السويس وحدها جذبت 16 مليار دولار في أربع سنوات، و1262 مشروعًا في المناطق الحرة برؤوس أموال بلغت 14.4 مليار دولار، وهذه أرقام لا تقول إن الدولة عاجزة عن البناء، بل تقول إنها قادرة عليه بامتياز، لكن السؤال الذي يلاحق هذه الأرقام جميعًا ليس: ماذا بنينا؟ بل: ما الذي أنتجه ما بنيناه؟

هنا تكمن المفارقة التي كشفها تقرير البنك الدولي في أبريل 2026 حين قال بصراحة: "التقدم نحو تعميق الإصلاحات الهيكلية لم يكن متوازنًا"، إنها جملة دبلوماسية في ظاهرها، لكنها قاسية في مضمونها، لأنها تعني أن الدولة تتحرك، لكنها لا تتحرك في كل الاتجاهات بالوتيرة ذاتها، وقد أوضح التقرير ذلك حين أشار إلى أن الاقتصاد المصري لايزال يعاني من "انخفاض الإنتاجية، وضعف خلق الوظائف، وتركيز العمالة في أنشطة غيرقابلة للتداول ومنخفضة القيمة المضافة". وهنا يجب أن نتوقف عند هذا المصطلح الأخير تحديدًا: "الأنشطة غير القابلة للتداول"، تعني ببساطة تلك القطاعات التي لا يمكن تصديرها أو بيعها خارج حدود الدولة، مثل الخدمات المحلية والإنشاءات والعقارات، وهذه القطاعات، رغم أهميتها، لا تُنتج عملة أجنبية، ولا ترفع تنافسية الاقتصاد عالميًا، ولا تبني قدرة تصديرية، فحين تتركز العمالة في هذه الأنشطة بدلًا من الصناعة والتصدير والتكنولوجيا، فإن الاقتصاد ينمو من الداخل دون أن ينمو إلى الخارج، ويستهلك موارده بدلًا من أن يضاعفها.

وهذا بالضبط ما يعنيه أن الأصول تُبنى لكنها لا تدخل في دورة إنتاجية (Productive Cycle) تُولِّد قيمة جديدة، فالدورة الإنتاجية الحقيقية ليست مجرد بناء ثم تشغيل ثم ربح، بل هي سلسلة متصلة من التحويل: الأصل المادي يخفض تكلفة النشاط، فتنخفض التكلفة فيجذب استثمارًا جديدًا، فالاستثمار الجديد يرفع الإنتاجية، فترتفع الإنتاجية فتزيد التنافسية، فالتنافسية تفتح أسواقًا جديدة، والأسواق الجديدة تولد موارد تُستخدم في بناء أصول أفضل، أما إذا انقطعت هذه السلسلة في أي حلقة، فإن الأصل يتحول إلى "مخزون راكد" لا يُنتج قيمة، بل يستهلك تكاليف صيانة وتشغيل.

وهنا يأتي تقرير المعهد الألماني للتنمية والاستدامة (German Institute of Development and Sustainability - IDOS) ليكشف الخيط الثاني في المعضلة، حين أشار إلى أن "اندماج مصر في سلاسل القيمة العالمية ارتفع بشكل طفيف فقط، ولايزال منخفضًا مقارنة بالدول النامية الأخرى"، وسلاسل القيمة العالمية (Global Value Chains - GVCs) هي الشبكات الدولية التي تنتقل فيها السلع والخدمات عبر مراحل إنتاج متعددة في دول مختلفة، حتى تصل إلى المستهلك النهائي، والدولة التي تندمج في هذه السلاسل لا تبيع فقط، بل تتعلم وتُنتج وتُضيف قيمة في كل مرحلة، أما الدولة التي تبقى خارجها، فتبقى مورِّدًا للمواد الخام أو مستهلكًا للمنتجات النهائية، لا شريكًا في الإنتاج ولا صانعًا للتكنولوجيا.

والأهم أن التقرير لم يُرجع هذا الضعف إلى الجغرافيا ولا إلى الموقع ولا إلى الموارد، بل إلى أسباب مؤسسية صريحة: "القيود التجارية، وبيئة الأعمال، وسياسة المنافسة، وتدني جودة المؤسسات، والفساد والصلات السياسية"، وهنا يظهر الخيط الأول والأعمق في هذه المعضلة كلها: الأصل لا يتحول إلى قدرة إلا داخل منظومة مؤسسية تحوِّل الموارد إلى إنتاجية، فالميناء الحديث لا يعمل بكفاءة في بيئة جمركية معقدة، والمصنع التنافسي لا يزدهر في سوق تُحابي فيها الشركات الحكومية، والمستثمر الأجنبي لا يخاطر بأمواله في نظام قضائي بطيء وغير متوقع، إن جودة المؤسسات ليست ترفًا إداريًا، بل هي المحول الحقيقي بين ما نملكه وما ننتجه.

حراس الجمود: من يعيق التحويل؟

السؤال الأعمق هنا، ليس "ما الذي يمنع التحويل؟" بل "من الذي يمنعه؟" والجواب ليس مجردًا، تقرير مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في مايو 2025، وصف النموذج الاقتصادي المصري بأنه "رأسمالية ريعية عسكرية"، والمصطلح ليس بريئًا ولا عابرًا، بل هو تشخيص بنيوي له دلالات عميقة، فكلمة "ريعية" تشير إلى اقتصاد يعتمد على جني الريع - أي الدخل الناتج من امتلاك الأصل أو الموقع أو الامتياز - بدلًا من إنتاج القيمة عبر التصنيع والتصدير والابتكار، كما يشير التقرير إلى أن "هيئات عسكرية مختارة تقود أجندة الرئيس الرامية إلى توليد الدخل من خلال المشروعات الضخمة وتسييل أصول الدولة، بدلًا من الاستثمار الإنتاجي أو التحديث التكنولوجي".

والفاعل الثاني هو البيروقراطية، فتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير لها عن ديناميكيات الأعمال في مصر إلى أن مشروعًا استثماريًا صغيراً واحدًا يحتاج إلى 5-13 ترخيصًا أو تصريحًا قبل دخوله السوق، وأن الإجراءات "تميل إلى البطء ولا تكتمل إلا بعد إشراك عدة جهات"، هذا يعني أن المستثمر - محليًا كان أو أجنبيًا - يدفع ثمنًا باهظًا من الوقت والمال والفرص الضائعة، لا لأن المشروع غير مجدٍ، بل لأن المنظومة البيروقراطية تستهلكه قبل أن يُنتج.

والفاعل الثالث هو شبكات المصالح والصلات السياسية، حيث يشير تقرير معهد التحرير للسياسات الشرق أوسطية (TIMEP) إلى أن قانونًا صدر في يوليو 2026 منح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة (FOEA) صلاحيات واسعة تتيح له "استبدال معظم الهيئات الإدارية للدولة العاملة في ما يحدده من مناطق التنمية المستدامة"، مع سلطة دمج وإدارة الأصول المملوكة للدولة، وهذا التمركز للسلطة في جهاز واحد يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية يعني أن القرار الاقتصادي ينتقل من المؤسسات إلى الأفراد، ومن القواعد إلى الصلاحيات الشخصية، وهنا يتضح أن فجوة التحويل ليست فجوة اقتصادية فنية، بل هي فجوة في بنية السلطة التي تحكم من يُقرر، ولماذا يُقرر، وكيف يُحاسب.

وهذا الوصف، بمصادره الغربية، يضع الإصبع على السؤال المفقود الذي نادرًا ما يُطرح بصراحة: من يحكم على الأصل أنه "يولِّد أصلًا جديدًا"؟ فالقرار الاستثماري ليس قرارًا محايدًا، بل هو قرار سياسي واقتصادي معًا، يتأثر بهيكل المعايير (Structure of Criteria) الذي يحكم المنظومة، وإذا كانت المنظومة التي تدير الأصول لا تُحاسب على الإنتاجية، بل على الولاء والتوزيع، وإذا كانت المعايير التي تُقيَّم بها المشروعات لا تقيس العائد التحويلي، بل تقيس حجم الإنفاق والظهور، فإن النتيجة الحتمية أن "فجوة التحويل" ليست فجوة اقتصادية فنية فقط، بل هي فجوة في هيكل المعايير والمصالح والسياسات، إنها فجوة في من يُقرر، ولماذا يُقرر، وكيف يُحاسب، وعلى أي أساس يُكافأ، وهنا يتضح أن معالجة فجوة التحويل لا يمكن أن تكون معالجة تقنية بحتة، بل هي معالجة سياسية ومؤسسية في جوهرها، تستلزم إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والملكية، والإنتاج والريع، والسيادة والتمويل، والولاء والكفاءة.

القيود الكلية: خنّاق الإنتاجية

لا يمكن الحديث عن التحويل الإنتاجي في معزل عن القيود الكلية (Macroeconomic Constraints) التي تحكم هامش المناورة المتاح، وأول هذه القيود هو سعر الصرف، فبعد سلسلة من التخفيضات، تبنت مصر نظام سعر صرف مرن في 2024، مما أدى إلى اختفاء الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتحسُّن ثقة المستثمرين الأجانب، لكن المرونة السعرية وحدها لا تكفي: فانخفاض قيمة الجنيه يرفع تكلفة المدخلات المستوردة التي تعتمد عليها الصناعة المصرية بشكل كبير، مما يضغط على هوامش الربح ويقلل الحافز على التصدير.

والقيد الثاني هو أسعار الفائدة، فبعد أن رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بنحو 1900 نقطة أساس منذ بدء برنامج صندوق النقد الدولي، بدأ دورة تيسير نقدي بخفض تدريجي، هذا الخفض ضروري لخفض تكلفة الدين الحكومي وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، لكنه لا يكفي وحده إذا كانت الحيز المالي (Fiscal Space) ضيقًا، والحيز المالي هو المساحة المتاحة للحكومة لزيادة الإنفاق أو خفض الضرائب دون الإضرار باستدامة الدين أو الاستقرار الاقتصادي، فإذا كانت هذه المساحة ضيقة - بسبب ارتفاع خدمة الدين وتراجع الإيرادات - فإن الدولة تفقد القدرة على المناورة، وتتحول من فاعل اقتصادي إلى رهينة لالتزاماتها المالية.

والقيد الثالث هو التضخم، حيث انخفض التضخم من مستويات قياسية إلى حوالي 12% مطلع 2026، لكن هذا الانخفاضهش، لأنه يتأثر بتمرير سعر الصرف وتعديلات أسعار الوقود المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، فإذا ارتفع التضخم مرة أخرى - بسبب صدمة خارجية أو تخفيض جديد للجنيه - فإن كل المكاسب تتبخر، وتعود أسعار الفائدة إلى الارتفاع، وتتقلص القدرة الشرائية للمواطنين، وترتفع تكاليف الإنتاج، ويتراجع الحافز على الاستثمار. 

هنا يتضح أن القيود الكلية ليست مجرد أرقام في تقرير مالي، بل هي شبكة من القيود المتشابكة التي تخنق الإنتاجية: سعر صرف يرفع تكلفة المدخلات، وفائدة مرتفعة ترفع تكلفة الاقتراض، وتضخم يرفع تكلفة المعيشة، وحيز مالي ضيق يمنع الدولة من الاستثمار في التحويل، والنتيجة أن فجوة التحويل لا تتسع بسبب غياب الرؤية، بل بسبب غياب الحيز الذي تتحرك فيه هذه الرؤية.

دين بلا بناء

معضلة "الأصل الذي لا يولِّد أصلًا" تتجسد بوضوح في الدين العام (Public Debt)، حيث ارتفع الدين الحكومي إلى 79.7% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من 2026، متجاوزًا متوسط الأسواق الناشئة البالغ 76.8%، ومقتربًا من سقف حرج (Critical Threshold) يهدد الاستقرار المالي، لكن المشكلة - كما يجب أن نقول بصراحة - ليست في الدين كرقم، بل في وظيفة الدين (Debt Function): هل هو أداة تبني أصولًا جديدة، أم أداة تُعيد تمويل أصول قديمة؟ 

الإجابة تأتيقاسية: 87.1% من الإيرادات الضريبية تذهب لخدمة فوائد الدين في السنة المالية 2025، وهنا يجب أن نتوقف عند دلالة هذا الرقم: فالإيرادات الضريبية هي المورد الأساسي الذي تجمعه الدولة من مواطنيها وشركاتها لتُموِّل به خدماتها واستثماراتها، فإذا كان 87.1% منها - أي ما يقارب تسعة من كل عشرة جنيهات - يذهب لسداد فوائد ديون سابقة، فماذا يبقى للتعليم؟ وماذا يبقى للصحة؟ وماذا يبقى للبنية الأساسية الجديدة؟ والأخطر: ماذا يبقى لبناء أصول تُنتج أصولًا؟

هنا تتكشف المفارقة القاتلة: الأصل الذي يُبنى اليوم - طريقًا أو ميناءً أو مدينة - يُموَّل بأموال كان يمكن أن تُنتج أصولًا جديدة لو لم تُوجَّه لخدمة ديون الماضي، إنها حلقة مفرغة، نقترض لنبني، ثم ننفق إيراداتنا لنسدد، ثم نقترض مرة أخرى لنبني، فننفق مرة أخرى لنسدد، حتى يتحول الدين من أداة بناء إلى عبء دائم يستهلك الحاضر ويرهن المستقبل، والبنك الدولي أشار إلى أن خدمة الدين الخارجي وحدها تستحق 36.3 مليار دولار في النصف الأول من 2026، وهو رقم لا يمثل مجرد التزام مالي، بل يمثل موارد كانت يمكن أن تُوجَّه إلى الصناعة أو التعليم أو التكنولوجيا أو الصادرات.

والسؤال المحوري الذي يجب أن يُطرح بصراحة: ماذا بقي في الاقتصاد من القروض السابقة؟ إذا كان الجواب "بنية أساسية"، فإن البنية الأساسية لا تنتج قيمة بذاتها، بل تنتجها فقط إذا ارتبطت بإنتاج وزراعة وصناعة وتجارة، وإذا لم يحدث هذا الارتباط، فإن الدين يتحول من أداة بناء إلى أداة إعادة تمويل، ومن محرك للتحويل إلى قيد عليه، وهنا يتضح أن فجوة التحويل ليست فجوة في القدرة على الاقتراض، بل في القدرة على تحويل المقترَض إلى قدرة إنتاجية، وتحويل الإنفاق إلى قيمة، وتحويل الدين إلى أصل يُولِّد أصولًا.

الإنسان المُهدَر

لا يمكن الحديث عن منظومة تجعل "كل أصل يولّد أصلًا جديدًا" دون الإشارة إلى المحوّل البشري (Human Transformer)، فقد فصلنا القول في مقال سابق عن كيف يمنح الإنسانُ الأصلَ قدرته على الإنتاج، ويكفي هنا أن نذكّر برقم واحد يختصر المعضلة: مؤشر رأس المال البشري (Human Capital Index – HCI)  في مصر يبلغ 0.49، أي أن 51% من الإمكانات الإنتاجية للمواطن المصري تُهدر بسبب جودة التعليم وسوء التغذية وغياب الربط بين المهارات وسوق العمل، وهذا الرقم ليس إحصائية اجتماعية عابرة، بل قيد مباشر على أي مشروع تحويلي: فالميناء المتقدم لا يعمل بكفاءة دون كوادر لوجستية ماهرة، والمدينة الذكية لا تُدار دون كفاءات رقمية.

هنا يتشابك الخيط الدولي مرة أخرى، فتقارير البنك الدولي حذَّرت من أن 33.5% من المصريين كانوا تحت خطالفقر الوطني في 2021/2022، وأن الفقر ارتفع بنحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024، لكن الفقر هنا ليس أزمة إنسانية فقط، بل عائق إنتاجي: الطفل الذي يولد في بيئة فقيرة، ويكبر في مدرسة رديئة، ثم يدخل سوق عمل غير منظم، لا يتحول إلى رأس مال بشري، بل يظل إمكانات مهدرة (Wasted Potential) كما يشير التقرير، وهكذا إذا لم يكن "كل أصل" قادرًا على أن يكون مواطنًا قادرًا على الإنتاج، فإن المنظومة تنتج أصولًا مادية تخدم اقتصادًا لا ينتج.

الاقتصاد العاري

العلاقات الدولية ليست خلفية دبلوماسية، بل هي متغير مباشر في دورة التحويل، وعندما اشتعلت التوترات الإقليمية مع إيران في النصف الأول من 2026، لم تكن مصر بمعزل عن العاصفة، فقد سجّل صندوق النقد الدولي تدفقات خارجة من المحافظ الأجنبية بقيمة 6.1 مليار دولار خلال النصف الأول من مارس 2026، وهي أموال ساخنة تتحرك بسرعة البرق، تدخل حين تكون الأرباح مغرية، وتخرج حين يلوح أي خطر، وعائدات قناة السويس تراجعت ثم بدأت تتعافى تدريجيًا، لكنها لاتزال تحت تأثير الحرب، وفي الوقت نفسه، ارتفعت واردات مصر من الغاز المسال بنسبة 1650% في الربع الثاني من 2025، مما ضغط على ميزان المدفوعات.

والسؤال الحقيقي ليس: "كم خسرنا في هذه الحرب؟" بل: "هل يمتلك الاقتصاد المصري بدائل إنتاجية تصمد أمام صدمة خارجية؟" هل لدينا قاعدة صناعية تعوِّض تراجع عائدات القناة؟ هل لدينا مصادر طاقة محلية تحمي ميزان المدفوعات؟ هل لدينا صادرات متنوعة تحمي النقد الأجنبي؟ أم أن كل صدمة خارجية - أياً كان مصدرها - تكشف هشاشة منظومة التحويل؟ فالاقتصاد الذي يُنتج قدرته يملك هامش المناورة الذي يجعله يبتلع الصدمة ولا ينكسر، ويتكيف مع الأزمة ولا ينهار، وهنا يتضح معنى الاستقلال النسبي (Relative Autonomy): ليس انغلاقًا ولا قطيعة، بل قدرة على الصمود وقدرة على الاختيار.

لماذا لا تُبنى المنظومة؟

الآن نصل إلى السؤال الذي ظل معلقًا: لماذا لم نبنِ المنظومة بعد؟ والجواب ليس تقنيًا، بل سياسي واقتصادي ومؤسسي في آن، ثلاث حلقات مترابطة تشكل معًا قيدًا بنيويًا على أي محاولة تحويل حقيقية.


الحلقة الأولى: منظومة تُكافئ التوزيع لا الإنتاج، فإذا كان 89% من الديون موجهًا لخدمة التزامات مالية وليس لبناء قدرة إنتاجية جديدة، وإذا كانت الأصول تُباع لتوفير سيولة عاجلة بدلًا من تشغيلها بكفاءة، فإن المنظومة تُنتج ريعًا، لا إنتاجية، فالدولة التي تُدير أصولها بمنطق الريع لا تسأل: كيف نُشغِّل هذا المصنع بكفاءة؟ بل تسأل: كم نبيع منه؟ وكم نؤجِّر؟ وكم نُدرّ من سيولة فورية؟ وهكذا يتحول الأصل من محرك إنتاج إلى سلعة تُباع، ومن قدرة تُبنى إلى سيولة تُستهلك.

الحلقة الثانية: غياب الحياد التنافسي يقتل الحافز، حيث أن البنك الدولي أوضح في تقاريره أن القطاع الخاص لايزال يعاني من "منافسة غير متكافئة" مع الشركات المملوكة للدولة، وهنا يجب أن نتوقف عند مبدأ "الحياد التنافسي" (Competitive Neutrality): وهو المبدأ الذي يقتضي أن تتنافس الشركات - الخاصة والعامة - وفق قواعد واحدة، دون مزايا ضريبية أو تنظيمية أو تمويلية تُمنح لطرف دون آخر، فإذا كانت الشركات الحكومية تُعفى من ضرائب، وتحصل على تمويل مدعوم، وتُمنح تراخيص حصرية، فإن القطاع الخاص - مهما كان كفئًا - لا يستطيع المنافسة، فتنحسر استثماراته، وتتراجع إنتاجيته، ويفقد الحافز على المخاطرة طويلة الأجل، والسؤال المنطقي: إذا كان رأس المال الخاص يخشى المنافسة القائمة على المحسوبية (Crony Competition)، فلماذا يستثمر في الإنتاج طويل الأجل؟ والنتيجة حتمية: اقتصاد يخدم الرأسمالية الريعية، لا الإنتاجية.

الحلقة الثالثة: مؤسسات لا تتعلم، فصندوق النقد الدولي كرر في تقاريره أن "الإصلاحات الهيكلية تقدمت بوتيرة أبطأ من المتوقع"، وأن الاحتياجات التمويلية المرتفعة تُقيِّد الحيز المالي، لكن المشكلة الأعمق ليست في غياب الخطط - فقد أعلنت الحكومة تنفيذ 38 إصلاحًا هيكليًا ضمن البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية - بل في غياب منظومة تقييم ومساءلة تُحوّل الخطأ إلى معرفة والنجاح إلى تراكم، فالدولة التي لا تُقيّم سياساتها لا تستطيع أن تتعلم منها، والتي لا يتساءل مسؤوليها لا تستطيع أن تصحح مسارها، فتظل تدور في حلقة مغلقة من الأخطاء المتكررة، والتكاليف المتراكمة، والفرص المهدرة.

هنا تتكشف الحلقات الثلاث مترابطة في نظام واحد: منظومة تُكافئ التوزيع لا الإنتاج، فتُضعف الحافز على الإنتاجية؛ وغياب الحياد التنافسي يُكرِّس هذه المنظومة، فينحسر القطاع الخاص ويزدهر الريع؛ ومؤسسات لا تتعلم تُعيد إنتاج المنظومة ذاتها، فلا تُصحح المسار ولا تُطوّر الأداء، وهكذا لا تكون المشكلة في غياب المنظومة، بل في وجود منظومة قائمة - لكنها منظومة تُنتج ريعًا لا إنتاجية، وتُوزِّع سيولة لا قيمة، وتُكرِّر أخطاءها لا تتعلم منها، وهذه هي فجوة التحويل في أعمق تجلياتها: ليست فجوة في القدرة على البناء، بل في البنية التي تحكم كيف نبني، ولماذا نبني، ولمن نبني.

آليات بناء المنظومة

الحل ليس في مزيد من الأصول، فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص المصانع أو الطرق أو المدن، بل في معادلة التحويل ذاتها: تلك المعادلة التي تحكم كيف يتحول الأصل إلى قدرة، والإنفاق إلى إنتاجية، والموارد إلى قيمة، وتغيير هذه المعادلة ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرط البقاء لأي مشروع نهضوي حقيقي، لكن هذا التغيير يحتاج إلى آليات تنفيذية، لا مبادئ فضفاضة، وإلى ترتيب أولويات، لا قائمة أمنيات.

أولوية أولى: إصلاح منظومة المعايير قبل أي شيء آخر، فلا يمكن أن تنجح أي سياسة صناعية أو استثمارية إذا ظلت المنظومة تُكافئ الولاءات الشخصية لا الكفاءة، والإنفاق لا الإنتاج، وهذا يعني إصلاحًا حقيقيًا للحياد التنافسي، بدءًا من إلغاء المزايا الضريبية للشركات الحكومية، وإخضاعها لقواعد المنافسة ذاتها المطبقة على القطاع الخاص، وقد بدأت الحكومة بالفعل في إلغاء المزايا التفاضلية ضمن حزمة إصلاحاتها، حيث أشار نائب وزير المالية إلى أن الحكومة "تؤمن بأن تعزيز التنافسية في السوق المصرية يحقق النمو الاقتصادي"، لكن التنفيذ يحتاج إلى آلية مراقبة مستقلة تضمن ألا تظل هذه المزايا قائمة بأسماء أخرى.

الأولوية الثانية: ربط كل أصل بمؤشر إنتاجية، لا بحجم الإنفاق، فكل مشروع جديد يجب أن يجيب على سؤال واحد قبل أن يُبنى: ما القدرة الجديدة التي سيتركها في الاقتصاد؟ هل سيرفع الإنتاجية؟ هل سيخلق وظائف عالية القيمة؟ هل سيوسع الصادرات؟ هل سيدخل ضمن سلاسل القيمة العالمية؟ وهذا ما نسميه "العائد الاستراتيجي على الاستثمار"، وهو معيار أعمق من العائد المالي المباشر، لأنه لا يقيس ما عاد على المستثمر فحسب، بل ما عاد على الاقتصاد كله: من معرفة، ومن مهارات، ومن تكنولوجيا، ومن قدرة تصديرية، ومن مرونة في مواجهة الصدمات، فالمشروع الذي يُنشئ مصنعًا يبيع في السوق المحلية فقط يختلف جذريًا عن المشروع الذي يُنشئ مصنعًا يُصدِّر إلى العالم، ويستورد التكنولوجيا، ويُدرِّب العمالة، ويبني سلاسل توريد محلية، الأول يُضيف أصلًا، والثاني يُضيف قدرة.

الأولوية الثالثة: مؤسسات تقيس وتتعلم وتصحح، لا يمكن أن تستمر "فجوة التحويل" إذا كانت آليات المساءلة ضعيفة، أو إذا كانت منظومة التقييم غائبة، فنحتاج إلى وحدات تقييم أثر مستقلة مرتبطة بمجلس الوزراء والبرلمان، لا بالجهات المنفذة، تتولى قياس العائد التحويلي لكل مشروع: هل رفع الإنتاجية؟  هل خلق وظائف عالية القيمة؟ هل وسع الصادرات؟ هل دخل ضمن سلاسل القيمة العالمية؟ ويجب أن تكون هذه التقييمات علنية وقابلة للمراجعة من المجتمع والبحث الأكاديمي، حتى يتحول الخطأ إلى معرفة لا إلى كارثة سياسية.

الأولوية الرابعة: رأس المال البشري كأولوية أمن قومي، حيث لا يمكن أن يظل مؤشر رأس المال البشري عند 0.49 بينما مليارات الجنيهات تُنفق على مشاريع تظهر في الصور ولا تظهر في الإنتاجية، فالاستثمار في جودة التعليم والتدريب المهني والصحة والتغذية ليس ترفًا إنسانيًا، بل هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن أن كل أصل مادي يولِّد أصلًا بشريًا قادرًا على الإنتاج، وهذا يعني ربط المناهج التعليمية باحتياجات سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب المهني، ومعالجة سوء التغذية الذي يعيق النمو الإدراكي للأطفال.

الأولوية الخامسة: جغرافيا تنتج قيمة لا ريعًا، فقناة السويس لا يجب أن تكون ممرًا للسفن فقط، بل منصة لصناعة وتجارة ولوجستيات وإعادة تصدير، والمنطقة الاقتصادية يجب أن تُربط بالاقتصاد المحلي، لا أن تكون جزيرة منفصلة تعمل بمنطق مختلف عن منطق الدولة، وهذا يعني تطوير الصناعات المغذية التي تخدم القناة والمنطقة، وبناء مراكز تدريب للكوادر اللوجستية، وربط المنطقة بشبكة النقل الداخلي لضمان أن القيمة المضافة تبقى في الاقتصاد المصري.

الأولوية السادسة: دولة تمكينية لا دولة متملكة؛ فالدولة القوية ليست التي تملك أكبر عدد من الأصول، بل التي تُنشئ بيئة تجعل كل أصل يولّد قدرة، وهذا يعني تقليص البصمة الاقتصادية للدولة، وإتاحة المجال للقطاع الخاص أن يقود الإنتاج والتصدير والابتكار، مع حماية المنافسة وإنفاذ قواعد الحياد التنافسي، وقد أعلنت الحكومة بالفعل عن خطة تنفيذية وجداول زمنية للتخارج من بعض الأصول وهيكلة الهيئات، لكن النجاح يتوقف على الشفافية والمساءلة وعدم استبدال احتكار حكومي باحتكار خاص مرتبط بالسلطة.

وهنا تتكشف معادلة التحويل الجديدة ليست كم نملك، بل كيف نُشغّل ما نملك، وليست كم ننفق، بل ماذا نُنتج من إنفاقنا، وليست كم نبني، بل ماذا يُنتج ما بنيناه، وهذه المعادلة ليست وصفة جاهزة تُطبَّق في يوم وليلة، بل هي تغيير في الفلسفة، وتحول في البنية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع والإنسان.

في النهاية، السؤال ليس اقتصاديًا فنيًا، بل هو سؤال سيادة، فالدولة التي تمتلك أصولًا ولا تُنتج قدرة تظل أسيرة للتمويل الخارجي، وأسيرة للصدمات الإقليمية، وأسيرة لبنية اقتصادية لا تُنتج ما تحتاجه، أما الدولة التي تبني منظومة التحويل، فتتحول من "إمكان القوة" إلى "اقتصاد القوة" - اقتصاد لا يُقاس بما نملكه، بل بما نستطيع أن نصنع.

والتاريخ - هذا المعلم القاسي الذي لا يجامل أحدًا - يعلِّمنا أن الأمم لا تنهض بما تملك، بل بما تُنتج، فبوتسوانا، التي كانت في عام 1966 أفقر دولة في العالم، لا تملك سوى 22 خريجًا جامعيًا و12 كيلومترًا من الطرق المعبدة، ثم اكتشفت الماس، فلم تكتفِ ببيعه خامًا، بل أسَّست صندوقًا سياديًا يدير عائداته ويستثمرها في البنية التحتية والتعليم والصحة، فحققت نموًا في نصيب الفرد بلغ 7% سنويًا بين 1966 و1999، ولم تصبح بوتسوانا غنية لأنها تملك الماس، بل لأنها حوَّلت ريع الماس إلى قدرة بشرية ومؤسسية.

وسويسرا، الدولة الجبلية الفقيرة التي كانت في القرن التاسع عشر تصدِّر الفقراء، ولا تملك موارد طبيعية تُذكر، لكنها بنت صناعة عالية الجودة قائمة على المعرفة والإتقان، حتى صار أكثر من نصف صادراتها من المنتجات عالية التقنية، وأصبحت أعلى اقتصاد كبير في العالم يعتمد على الإنتاجية. وفنلندا، التي كان أكثر من نصف سكانها يعملون في الزراعة حتى الخمسينيات، ودفعت 2-6% من ناتجها المحلي سنويًا كتعويضات حرب للاتحاد السوفيتي، لم تستسلم لهذا العبء، بل حوَّلته إلى صناعة، ورفعت معدل تراكم رأس المال إلى مستويات لم تعرفها إلا النرويج، فانتقلت من اقتصاد زراعي ضعيف إلى اقتصاد صناعي ناضج في جيل واحد. 

وهولندا في القرن السابع عشر، رغم صغر حجمها وقلة سكانها، لم تكتفِ بالتجارة العابرة، بل بنت نظامًا ماليًا جعل من أمستردام عاصمة أوروبا المالية، وأسَّست أول سوق للأوراق المالية في التاريخ، وحوَّلت الموقع الجغرافي إلى هيمنة تجارية ومالية استمرت قرنًا ونصف. 

وموريشيوس، التي كانت تعتمد على السكر وحده، وحيث كان الفقر والاضطراب يهددان استقرارها قبل الاستقلال، نجحت في تنويع اقتصادها إلى السياحة والخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات، وأصبحت واحدة من أكثر الاقتصادات الأفريقية تنافسية. 

هذه ليست حكايات عن موارد، بل عن كفاءة التحويل، وهذه هي السُنَّة التاريخية (Historical Law) التي لا تتبدل: الأمم التي تتعلم من تاريخها تصنع مستقبلها، والأمم التي تتجاهله تُعيد إنتاج ماضيها.

وهنا يلتقي الخيط الدولي بالخيط المحلي: العلاقات الدولية لا تمنح القوة، بل تختبر جاهزية المنظومة الداخلية لتحويل الموارد إلى قدرة، وإذا كانت فجوة التحويل هي المرض، فإن المنظومة التي تُنتج القوة هي الدواء، والانتقال المطلوب ليس انتقالًا عمرانيًا ولا إداريًا، بل انتقال في كيفية التفكير في القوة ذاتها: من مخزون يُورَث إلى عملية تُبنى وتُعاد إنتاجها عبر الزمن. 

والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: "ماذا نستطيع أن نبني مما نملك؟" - فهذا سؤال قديم أجبنا عليه مرارًا - بل: "لماذا لم نبنِه بعد؟"، سؤال يضع الإصبععلى الجرح الأعمق: ليس في الموارد، ولا في القدرات، ولا في الإمكانات، بل في من يُقرر، ولماذا يُقرر، وكيف يُحاسب، أي في الإرادة، والرؤية، والبنية التي تحكم المنظومة.

وبين إمكان القوة واقتصاد القوة، لا تكمن مسافة، بل هوة.. هوة تفصل بين من يملك ومن يُنتج، بين من ينتظر ومن يصنع، فالتاريخ لا يرحم من يملك ولا ينتج، ويتركه على الهامش، ينتظر من يعيد صياغة سؤال القوة، ومصر في هذه اللحظة الفارقة، أمام فرصة نادرة: أن تكتب سطرًا مختلفًا في هذا التاريخ، لا بسؤال: "ماذا نملك؟" بل بسؤال: "لماذا لم نصنع ما نملك بعد؟".
--------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

الجمهورية الجديدة: مصر تنمو ولا تتحول