01 - 10 - 2026

حمّام الشط.. حين اخترقت الحرب السيادة التونسية و بقيت الذاكرة حيّة

حمّام الشط.. حين اخترقت الحرب السيادة التونسية و بقيت الذاكرة حيّة

في الأول من أكتوبر 1985، لم تستيقظ تونس على خبر بعيد يأتي من جبهة أخرى من جبهات الصراع العربي الإسرائيلي، بل وجدت نفسها في قلب حدث عسكري تجاوز الحدود والجغرافيا واستهدف أرضها وسيادتها. كانت غارة حمّام الشط لحظة فارقة في الذاكرة الوطنية التونسية، لأنها كشفت، في ذلك الصباح، أن المسافات التي تفصل بلدًا عربيًا عن بؤر الصراع لا تكفي دائمًا لحمايته من امتدادات الحروب الإقليمية، وأن القضية الفلسطينية لم تكن بالنسبة إلى تونس قضية سياسية خارجية فحسب، وإنما قضية لها حضور مباشر في وجدانها الوطني والعربي.

فجر ذلك اليوم، اخترقت ست طائرات عسكرية إسرائيلية المجال الجوي التونسي وقصفت منطقة حمّام الشط، حيث كان يوجد مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد انتقال قيادتها إلى تونس إثر خروجها من لبنان سنة 1982. ووفق الوثائق التي رفعتها تونس إلى مجلس الأمن، أسفرت الغارة عن أكثر من خمسين قتيلًا ونحو مئة جريح، فضلًا عن أضرار مادية واسعة. كما أقرّت إسرائيل بمسؤوليتها عن العملية، التي قدّمتها في حينها باعتبارها عملًا انتقاميًا في سياق الصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن الحدث لم يبقَ في حدود الحسابات العسكرية و السياسية لتلك المرحلة. فقد تحولت حمّام الشط إلى عنوان مركّب يختزل في آن واحد جرحًا تونسيًا، وذاكرة فلسطينية، واختبارًا صعبًا لمنظومة القانون الدولي. وبعد واحد وأربعين عامًا، لم تعد المسألة تتعلق فقط باستعادة تفاصيل غارة وقعت قبل عقود، وإنما بإعادة طرح سؤال أكبر: ماذا بقي من المبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول، وتحمي سيادتها، وتمنع استخدام القوة خارج إطار القانون؟

حمّام الشط.. من حدث عسكري إلى ذاكرة وطنية وعربية

لم تكن حمّام الشط مجرد نقطة على خريطة عسكرية. كانت منطقة مدنية تونسية، وأصبح استهدافها حدثًا شديد الوقع على المجتمع التونسي، خصوصًا أن تونس لم تكن دولة مواجهة مباشرة في الحرب العربية الإسرائيلية. ومن هنا جاءت الصدمة مضاعفة: صدمة سقوط الضحايا والدمار، وصدمة اكتشاف أن الصراع الذي يبدو بعيدًا جغرافيًا يمكن أن يعبر المتوسط ويصل إلى المجال الوطني التونسي.

وتشير الوثائق الأممية إلى أن الغارة وقعت في منطقة حمّام بلاج في الضاحية الجنوبية للعاصمة، وأن الطائرات الإسرائيلية دخلت المجال الجوي التونسي وقصفت المنطقة في الساعة العاشرة وسبع دقائق صباحًا، بينما أكدت تونس أن الموقع المستهدف كان ضمن منطقة عمرانية مدنية.

لهذا السبب، لم تُقرأ الغارة في تونس باعتبارها مواجهة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية فقط، بل باعتبارها مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية. وهذا البعد هو الذي جعل الحدث يستقر في الذاكرة التونسية باعتباره واحدًا من أخطر الاعتداءات التي تعرضت لها البلاد في تاريخها الحديث.

و قد اكتسبت حمّام الشط، بمرور السنوات، معنى يتجاوز المكان والزمان. فذاكرة الشعوب لا تحفظ الأحداث الكبرى لمجرد أنها وقعت، وإنما لأنها تكشف شيئًا عن طبيعة المرحلة التي حدثت فيها، وعن موقع الدولة والمجتمع في شبكة الصراعات الإقليمية والدولية. ومن هذه الزاوية، أصبحت حمّام الشط جزءًا من الذاكرة المشتركة بين تونس وفلسطين، وعلامة على مرحلة كان فيها حضور منظمة التحرير الفلسطينية في تونس تعبيرًا عن انتقال مركز ثقل سياسي فلسطيني إلى بلد مغاربي بعيد عن خطوط المواجهة التقليدية.

لقد احتضنت تونس قيادة منظمة التحرير في ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد، ولم يكن ذلك مجرد خيار جغرافي. فقد ارتبط وجود المنظمة في تونس آنذاك بمسار سياسي عربي أوسع، وبمحاولة الحفاظ على الحضور الفلسطيني بعد التحولات التي عرفتها الساحة اللبنانية. ولذلك فإن استهداف مقر المنظمة في تونس لم يكن منفصلًا عن طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في تلك المرحلة، ولا عن الصراع على موقع القضية الفلسطينية في النظام الإقليمي العربي.

بالإمكان فهم الحدث السياسي الذي  باغت به الكيان الصهيوني حمّام الشط باعتبارها أكثر من واقعة عسكرية. إنها لحظة تداخلت فيها ثلاثة مستويات: السيادة التونسية، والحضور الفلسطيني، والنظام الدولي الذي كان مطالبًا بالتعامل مع اعتداء وقع على دولة عضو في الأمم المتحدة. وهذا التداخل هو الذي منح الحدث دلالته التاريخية التي تجاوزت يوم الغارة نفسه.

القانون الدولي.. حين تصطدم المبادئ بموازين القوى

ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في استعادة حمّام الشط اليوم هو ذلك المتصل بالقانون الدولي. فقد لجأت تونس إلى مجلس الأمن مباشرة بعد الغارة، معتبرة ما حدث اعتداءً على سلامتها الإقليمية وسيادتها واستقلالها، وطالبت بإدانة الهجوم واتخاذ إجراءات تحول دون تكراره.

ففي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 1985، أصدر مجلس الأمن القرار 573، الذي أدان فيه صراحة ما وصفه بـ«عمل العدوان المسلح» على الأراضي التونسية، و طالب إسرائيل بالامتناع عن ارتكاب مثل هذه الأعمال أو التهديد بها، كما أقرّ بحق تونس في الحصول على تعويضات مناسبة عن الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بها. واعتمد القرار بأربعة عشر صوتًا مقابل لا شيء، مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

تكمن أهمية القرار في أنه لا يمثل مجرد وثيقة أرشيفية مرتبطة بحدث مضى، بل يكشف عن موقف مؤسسي واضح من مسألة استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة. فقد استند مجلس الأمن في قراره إلى مبدأ وارد في المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، والمتعلق بامتناع الدول عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

لكن هنا تظهر المفارقة التي تجعل ذكرى حمّام الشط قابلة لإعادة القراءة سياسيًا بعد أكثر من أربعة عقود. فصدور قرار دولي بالإدانة شيء، وتحويل مضمونه إلى آلية عملية للمساءلة والردع شيء آخر. وبين النص القانوني والقدرة على إنفاذه توجد دائمًا مساحة واسعة تتحرك فيها المصالح السياسية وموازين القوى.

لقد أظهرت التجارب الدولية اللاحقة أن القانون الدولي لا يعمل في فراغ سياسي، وأن المؤسسات الدولية، مهما كانت المبادئ التي تستند إليها، تظل مرتبطة بتركيبة النظام الدولي وبقدرة الدول الكبرى على التأثير في مسارات القرارات وآليات تنفيذها. ولا يعني ذلك أن القانون الدولي فقد قيمته، بل يعني أن قيمة القواعد القانونية تتوقف بدرجة كبيرة على وجود إرادة سياسية قادرة على حمايتها وتطبيقها.

و هذه هي إحدى أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من حمّام الشط. فالدول لا تحتاج إلى القانون الدولي فقط عندما تكون قوية وقادرة على حماية حدودها، و إنما تحتاج إليه خصوصًا عندما تكون أمام قوة عسكرية أكبر أو أمام نظام دولي تتفاوت داخله القدرة على التأثير. لذلك فإن الدفاع عن سيادة تونس في قضية حمّام الشط لم يكن دفاعًا عن حادثة تونسية منفردة، بل كان دفاعًا عن مبدأ عام: لا يمكن أن تصبح سيادة الدول قابلة للتجاوز كلما اختلت موازين القوة.

كما أن القرار 573 اكتسب أهمية إضافية لأنه لم يكتفِ بإدانة الاعتداء، بل اعتبر أن لتونس حقًا في التعويض عن الخسائر البشرية والمادية. وقد بقيت مسألة تنفيذ هذا الجانب جزءًا من المفارقة التاريخية التي تجعل الوثيقة الدولية ذات دلالة حتى اليوم.

إن السؤال الذي تطرحه حمّام الشط، إذن، ليس سؤالًا عن الماضي وحده: كيف يمكن لمنظومة دولية أن تكون قادرة على إصدار القرارات، لكنها تواجه صعوبات في تحويلها إلى واقع؟ وإذا كانت قواعد القانون الدولي قد وضعت أصلًا لحماية الدول من منطق القوة، فما الذي يجعل تطبيقها متفاوتًا من أزمة إلى أخرى؟

هذه الأسئلة لا تخص تونس وحدها، ولا القضية الفلسطينية وحدها. إنها تمس صورة النظام الدولي نفسه، ومدى قدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى منع أسبابها، ومن إصدار الإدانات إلى بناء آليات حقيقية للمساءلة.

من حمّام الشط إلى حاضر القضية الفلسطينية.. الذاكرة بوصفها مسؤولية

حين نستعيد حمّام الشط بعد واحد وأربعين عامًا، فإن الغاية لا ينبغي أن تكون تحويل الذاكرة إلى مجرد مناسبة احتفالية أو استعادة عاطفية لحدث مؤلم. الذاكرة السياسية الأكثر أهمية هي التي تساعد المجتمعات على فهم حاضرها، وعلى اكتشاف الصلات بين أحداث تبدو متباعدة في الزمن لكنها تنتمي إلى أسئلة سياسية وأخلاقية واحدة.

لقد ظلت القضية الفلسطينية، رغم التحولات الكبرى التي شهدها النظام العربي والعالم خلال العقود الماضية، حاضرة في المجال السياسي والثقافي والشعبي العربي. وتُظهر وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بغارة حمّام الشط نفسها أن الحدث لم يكن منفصلًا عن القضية الفلسطينية، إذ ارتبط مباشرة بوجود منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وبالسياق الإقليمي للصراع في الشرق الأوسط.

لكن أهمية الذاكرة لا تكمن في إبقاء الجراح مفتوحة، وإنما في منع التاريخ من التحول إلى مادة للنسيان. فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على قراءة حاضرها، بينما تستطيع الذاكرة الواعية أن تحول التجربة التاريخية إلى معرفة سياسية وأخلاقية.

ومن هذه الزاوية، تكتسب حمّام الشط مكانتها في الوعي التونسي. فهي تذكّر بأن التضامن مع الشعب الفلسطيني لم يكن بالنسبة إلى قطاعات واسعة من التونسيين موقفًا عابرًا تفرضه ظرفية سياسية، بل ارتبط بتاريخ طويل من التفاعل مع القضية الفلسطينية. كما تذكّر بأن تونس نفسها عرفت، في لحظة من تاريخها الحديث، معنى أن تصبح أراضيها مسرحًا لصراع يتجاوز حدودها.

وفي الآن نفسه، تفرض الذكرى ضرورة التمييز بين التضامن مع الحقوق الفلسطينية وبين منطق الحرب المفتوحة الذي يدفع المدنيون ثمنه في مختلف الجهات. فالقضية الفلسطينية، في بعدها السياسي والإنساني، لا يمكن اختزالها في البعد العسكري وحده، وإنما تتصل بحقوق وطنية وسياسية وإنسانية وبمسألة العدالة و السلام واحترام القانون الدولي.

و انطلاقا  من هذا الحدث / العدوان / المجزرة صارت حمّام الشط جزءًا من سؤال أوسع حول مستقبل المنطقة: هل يمكن بناء سلام مستدام في الشرق الأوسط من دون معالجة جذور الصراع؟ وهل يمكن الحديث عن أمن إقليمي حقيقي مع استمرار منطق القوة خارج الحدود؟ وهل يمكن للقانون الدولي أن يستعيد مكانته إذا ظل تطبيق قواعده مرتبطًا بتوازنات القوى أكثر مما هو مرتبط بمبدأ المساواة بين الدول؟

هذه الأسئلة تجعل الذاكرة أكثر من مجرد استعادة للماضي. إنها تتحول إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالأحداث لا تموت بانتهاء يومها، وإنما تستمر في آثارها السياسية والنفسية والثقافية، وتعيد الأجيال قراءتها كلما ظهرت أزمات جديدة تشبهها في بعض جوانبها.

و بعد واحد و أربعين عامًا ، تبقى حمّام الشط شاهدًا على لحظة عبرت فيها الحرب حدودها و وصلت إلى تونس، لكنها في الوقت نفسه أصبحت شاهدًا على شيء آخر أكثر عمقًا: قدرة الذاكرة على مقاومة النسيان، و قدرة الحدث التاريخي على طرح أسئلة تتجاوز زمن وقوعه.

إن استذكار هذا الحدث/ العدوان على مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمّام الشط اليوم ليست استعادة لمأساة مضت فقط، وإنما دفاع عن معنى السيادة ، وعن مبدأ احترام القانون الدولي، وعن حق الشعوب في الأمن و الكرامة، و الضرورة  القصوى لأن تكون العلاقات الدولية محكومة بقواعد لا تسمح بتحويل القوة إلى بديل عن القانون. ولعل الدرس الأبرز الذي تركته تلك الغارة أن الجغرافيا قد تفصل بين ساحات الصراع، لكنها لا تستطيع أن تفصل الشعوب عن ذاكرتها، و لا أن تمحو من التاريخ ما تركته الأحداث الكبرى من أسئلة مفتوحة.

لهذا ستظل حمّام الشط حاضرة في الذاكرة التونسية والفلسطينية والعربية، لا بوصفها صفحة من الماضي فحسب، بل باعتبارها سؤالًا مستمرًا عن العدالة و السيادة و القانون الدولي الغائب عن تداعيات المشهد بكل تعبيراته و سياقاته الذي كان من المفروض ان يدخل حيز التنفيذ لمحاكمة و مساءلة المعتدي، لا مجرد نصوص يستعاد سردها بعد وقوع المأساة.
------------------------------------
بقلم: البشير عبيد
- كاتب صحفي و باحث تونسي

مقالات اخرى للكاتب

حمّام الشط.. حين اخترقت الحرب السيادة التونسية و بقيت الذاكرة حيّة