أكد متحدثون صينيون مشاركون في منتدى تحديث دول الجنوب العالمي 2026، الذي عقد تحت موضوع «الذكاء الاصطناعي – الفرص والتحديات التي تواجه تحديث دول الجنوب العالمي»، أن الذكاء الاصطناعي بات يمثل قوة دافعة للتحول الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي، ويفتح أمام دول الجنوب العالمي فرصًا جديدة لتسريع مسارات التحديث والتنمية، مؤكدين في الوقت ذاته أهمية تعزيز القدرات الذاتية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع التعاون الدولي، بما يضمن استفادة أوسع من ثمار الثورة التكنولوجية.
وشدد المتحدثون على أن الحوار العالمي حول فرص وتحديات تحديث دول الجنوب في ظل موجة الذكاء الاصطناعي يمثل نموذجًا عمليًا لتعزيز التفاهم من خلال تبادل الأفكار، ودفع التنمية عبر التعاون المعرفي، مؤكدين أن هذا النوع من التبادل يحمل أهمية نظرية وعملية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وأوضحوا أن العالم يمر بمرحلة متسارعة من التحولات الكبرى، بالتزامن مع تسارع وتيرة الثورة العلمية والتكنولوجية الجديدة والتحولات الصناعية، فيما دخل الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي مرحلة غير مسبوقة من النشاط، مع التطور المتواصل لنماذج اللغة الكبيرة، والتقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي المجسد وتطبيقاتها.
وأشاروا إلى أن الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة واسعة على الاندماج في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يقتصر تأثيره على مجال واحد، إذ يمكنه دعم اكتشاف المعرفة وتقليص دورات البحث والتطوير، وتحسين تنظيم الإنتاج وتخصيص الموارد، فضلًا عن دفع الابتكار من نطاق العمليات المنفردة إلى مختلف حلقات سلاسل الصناعة والإنتاج.
وأكد المتحدثون أن الذكاء الاصطناعي أصبح متغلغلًا في مختلف مجالات الاقتصاد والمجتمع، ويلعب دورًا متزايدًا في تمكين الإنتاج وتحسين أنماط الحياة، بما يضخ طاقة جديدة في تطوير الصناعات، والثقافة، وأنماط الاستهلاك، وتحسين الخدمات المرتبطة بحياة المواطنين، ليصبح أحد محركات النمو الاقتصادي الجديدة وأداة لتسريع التحول من محركات التنمية التقليدية إلى محركات جديدة.
ولفتوا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل ثروة مشتركة للبشرية، وأن دول الجنوب العالمي تمر بمرحلة مهمة من مسيرة التحديث، في ظل سعيها إلى تجاوز قيود التنمية وتحويل محركات النمو، وهو ما يجعلها في حاجة متزايدة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها التنموية.
وأوضحوا أن دول الجنوب العالمي تضم أكثر من 70% من سكان العالم وأكثر من 60% من الشباب، وتمثل بالتالي قاعدة بشرية واسعة لتطوير واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجالات الحد من الفقر، والمدفوعات الإلكترونية، والحد من مخاطر الكوارث، والرعاية الصحية الشاملة، والتعليم في المناطق الريفية.
وأشار المتحدثون إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل في الانتشار في عدد من دول الجنوب العالمي، وأسهمت في دعم التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، إلا أن بناء قوة ذاتية مستدامة في هذا المجال لا يمكن أن يعتمد فقط على إدخال تقنية جديدة أو الاتصال بمنصة أو شراء معدات، وإنما يتطلب إنشاء منظومة متكاملة من القدرات المستقلة والقابلة للتطوير المستمر.
وشددوا على أهمية ترسيخ البنية التحتية الرقمية، وتسريع دمج الذكاء الاصطناعي مع الهياكل الصناعية المحلية واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري، وبناء منظومة متكاملة للتعليم والتدريب تبدأ من التعليم الأساسي وتمتد إلى التدريب المهني والتخصصي.
وأكدوا أن تطوير الكفاءات لا ينبغي أن يقتصر على إعداد نخبة من الباحثين والمطورين، وإنما يجب أن يشمل أيضًا تدريب كوادر قادرة على توظيف التكنولوجيا في التطبيقات العملية، بما يحول العائد التكنولوجي إلى قدرات بشرية مستدامة.
كما دعوا إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والقطاع الصناعي، وتشجيع الشركات المحلية والمراكز البحثية على توجيه جهودها نحو معالجة الاحتياجات الحقيقية والملحة، بما يخلق دورة متكاملة تقود فيها التطبيقات العملية تطوير التكنولوجيا، وتعيد التكنولوجيا بدورها دعم القطاعات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالحوكمة، أكد المتحدثون أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يسير بالتوازي مع تعزيز الأمن والحوكمة العالمية، مشيرين إلى أن التطور التكنولوجي غالبًا ما يسبق وضع القواعد التنظيمية، وهو ما يخلق فجوة تجعل أطر الحوكمة في حالة مستمرة من اللحاق بالتطورات التقنية.
وحذروا من أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اتساع عدد من التحديات، من بينها التمييز الخوارزمي، وتسرب البيانات، والتزييف العميق، وإساءة استخدام الخصوصية، بما يثير مخاطر تتعلق بالخصوصية الفردية وحقوق الإنسان والاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني.
وشددوا على أن هذه المخاطر لا تقتصر على دولة بعينها، وإنما تمتد إلى العالم بأسره، ولا تستطيع أي دولة أن تنأى بنفسها عنها أو تواجهها بصورة منفردة، مؤكدين أن دول الجنوب العالمي يجب أن تكون طرفًا أساسيًا في صياغة منظومة الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
ودعا المتحدثون إلى الحفاظ على تنوع الحضارات والثقافات وخصوصية المجتمعات المختلفة، والالتزام بمبادئ الشمول والاستفادة العادلة، وتعزيز بناء القدرات والتعاون المفتوح، بما يضمن أن تمتد نتائج الثورة التكنولوجية إلى شعوب مختلف الدول.
وأشاروا إلى أن منظمة التعاون العالمية للذكاء الاصطناعي تأسست في شنغهاي في يوليو الماضي، بهدف تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي والحوكمة العالمية، ودفع تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة نافعة وآمنة وعادلة، بما يعود بالنفع على البشرية جمعاء. وتنص اتفاقية تأسيس المنظمة على أنها منظمة حكومية دولية مستقلة، تعمل وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتتمسك بمبادئ التشاور والبناء المشترك وتقاسم المنافع، مع وضع الإنسان في صدارة الأولويات.
وأكدوا أن تعزيز قدرات دول الجنوب العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وتقليص الفجوة الرقمية والذكية، يمثلان محورين أساسيين لضمان مشاركة هذه الدول بصورة فاعلة في التحولات التكنولوجية العالمية.
وفي محور آخر، تطرق المتحدثون إلى التجربة الصينية في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة التحديث، مشيرين إلى أن الصين، باعتبارها دولة بدأت مسيرة التحديث في مرحلة متأخرة، واجهت تحديات تنموية شبيهة بتلك التي تواجهها دول الجنوب العالمي، وتمكنت خلال عقود من تحقيق تحول اقتصادي وصناعي واسع.
وأوضحوا أن الصين عملت خلال السنوات الأخيرة على مواكبة الثورة العلمية والتكنولوجية والتحول الرقمي، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على وضع الإنسان في صدارة عملية التطوير، وتوظيف التكنولوجيا في مجالات مكافحة الفقر، والنهوض بالمناطق الريفية، والرعاية الصحية الأساسية، والتعليم عن بُعد.
وأشاروا إلى أن الصين أولت أهمية للتخطيط الوطني، وأدرجت الذكاء الاصطناعي ضمن خطتها الخمسية الخامسة عشرة، وحددت أهدافًا ومهام ومسارات واضحة للتنمية، إلى جانب تعزيز البحوث الأساسية والتطوير المستقل للتقنيات الأساسية والمحورية، والاستفادة من السوق المحلية الضخمة وسلاسل الصناعة المتكاملة لدفع الابتكار التكنولوجي.
وأكدوا كذلك أهمية الانفتاح والتعاون وتبادل المعرفة والخبرات، وبناء بيئة دولية أكثر انفتاحًا وشمولًا في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يعزز مشاركة نتائج البحوث والتجارب التقنية، ويرفع مستوى إتاحة التكنولوجيا وخدماتها.
وأشار المتحدثون إلى أن الجمع بين كفاءة السوق ودور الحكومة الفاعل أسهم في توفير بيئة مواتية للتكنولوجيا والابتكار، وظهور عدد من الشركات التكنولوجية القادرة على المنافسة عالميًا، معتبرين أن التصنيع الذكي أصبح إحدى العلامات البارزة في مسيرة التحديث الصيني.
وشددوا على أن التجربة الصينية تشير إلى إمكانية استفادة الدول التي بدأت مسيرتها التنموية في وقت متأخر من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، مؤكدين في الوقت ذاته أن التحديث لا يملك نموذجًا واحدًا ثابتًا يمكن تطبيقه على جميع الدول، وأن لكل دولة ظروفها وتاريخها وثقافتها وأولوياتها التنموية.
ودعوا دول الجنوب العالمي إلى تعزيز التواصل والتعلم المتبادل في مواجهة موجة الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من تجارب بعضها البعض، والعمل على بناء توافقات مشتركة حول مستقبل التكنولوجيا.
كما طالبوا بتعميق الدراسات النظرية والبحثية حول مسارات تطوير الذكاء الاصطناعي، ونماذج الحوكمة، والأطر الأخلاقية، وغيرها من القضايا الأساسية والاستشرافية، بما يساعد على بلورة رؤى تنموية تتناسب مع المستقبل.
وأكدوا أهمية أن تكون البحوث موجهة نحو معالجة المشكلات الواقعية، من خلال التركيز على مجالات مثل الزراعة الذكية، والرعاية الصحية الذكية، والتحول الصناعي، والحوكمة الرقمية، وربط البحث الأكاديمي بصورة مباشرة باحتياجات التنمية.
وشدد المتحدثون على ضرورة احترام الاختلافات بين الدول في التاريخ والثقافة والنظم الاجتماعية والأشكال الحضارية، والعمل على تكييف تقنيات الذكاء الاصطناعي مع البيئات الثقافية المتنوعة، بما يسهم في دعم التطور الإبداعي للثقافات المختلفة.
كما دعوا إلى تعزيز التعاون بين مختلف التخصصات، وتشجيع الأوساط الأكاديمية والتكنولوجية والصناعية وصناع السياسات على إجراء حوارات ومناقشات متعددة، مع تفعيل دور مراكز الفكر في إنتاج الأفكار ونشر المعرفة.
وأكدوا أهمية تحويل التعاون إلى مسار مستدام من خلال تنظيم البحوث المشتركة، وتبادل الزيارات بين الباحثين والخبراء، ومشاركة نتائج الدراسات والتجارب، بما يوفر دعمًا مستمرًا لمسيرة التحديث في دول الجنوب العالمي.
واختتم المتحدثون بالتأكيد على أن تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة نافعة وشاملة يفتح آفاقًا واسعة أمام تحديث دول الجنوب العالمي، داعين إلى تكثيف الحوار والتعاون وتبادل الخبرات، والاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية، بما يسهم في تحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة، وتعزيز قدرة دول الجنوب على صياغة مساراتها التنموية في عصر الذكاء الاصطناعي.








