على هامش الحوار المصري الصيني حول الحضارات وحفل إهداء الكتب، الذي نظمته الشركة الصينية الوطنية لاستيراد وتصدير الكتب بالتعاون مع المتحف المصري الكبير، اليوم الأربعاء، شهدت الفعالية نقاشًا موسعًا حول أهمية الثقافة والكتاب في تعزيز التواصل الإنساني والحضاري بين مصر والصين، وذلك بحضور لين ليي يينغ، عضو اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني والمدير العام للشركة الصينية الوطنية لاستيراد وتصدير الكتب، والدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والدكتور أحمد غنيم، رئيس مجلس إدارة المتحف المصري الكبير، والسفير علي الحفني، نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية الصينية، إلى جانب نخبة من المسؤولين والخبراء والعلماء والباحثين وممثلي وسائل الإعلام المصرية والصينية.
وفي كلمته خلال الفعالية، أكد أحمد سلام، المستشار الإعلامي المصري الأسبق في بكين، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والأستاذ الزائر بجامعة شمال الصين للتكنولوجيا في بكين، أن البعد الثقافي والحضاري يمثل أحد أهم الأبعاد التي تمنح العلاقات المصرية الصينية خصوصيتها وعمقها، مشيرًا إلى أن المرحلة الراهنة تشهد اهتمامًا متزايدًا بتعزيز التواصل الإنساني بين الشعوب.
وأوضح سلام أن انعقاد اللقاء يتزامن مع مشاركته، الأسبوع الماضي، في منتدى بكين الثقافي 2026 بالعاصمة الصينية بكين، والذي انعقد تحت عنوان «التراث الثقافي والتعلم المتبادل بين الحضارات»، بما يعكس أهمية الثقافة في بناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب.
وأشار إلى أن اللقاء يتزامن أيضًا مع عام التبادل الإنساني والثقافي الصيني الأفريقي، أو عام التبادلات الشعبية، الذي تم الاتفاق عليه خلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي «فوكاك» التي عقدت عام 2024، معتبرًا أن ذلك يضيف بُعدًا أوسع للحراك الثقافي، ويؤكد أهمية توسيع مساحات التواصل بين الصين والدول الأفريقية، وفي مقدمتها مصر.
وقال إن انعقاد اللقاء داخل المتحف المصري الكبير، وفي مناسبة إهداء مجموعة من الكتب الصينية القيمة، يحمل دلالة خاصة، لأنه ينقل الحوار من الحديث عن الحضارات إلى واحدة من أهم الوسائل التي تحفظ ذاكرة هذه الحضارات وتنقلها عبر الأجيال، وهي الكتاب.
وأكد أن مصر والصين تمثلان حضارتين عريقتين استطاعتا الحفاظ على هويتهما وخصوصيتهما عبر آلاف السنين، وفي الوقت نفسه انفتحتا على التفاعل مع الحضارات الأخرى، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين انتقلت من التواصل الحضاري القديم إلى مرحلة جديدة بإقامة العلاقات الدبلوماسية في 30 مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
ولفت إلى أن البلدين يحتفلان اليوم بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، معتبرًا أن هذه المناسبة لا تمثل فقط محطة لاستعراض مسيرة طويلة من التعاون، وإنما فرصة للتفكير في آفاق جديدة للعلاقات بين البلدين، ولا سيما في المجالات الثقافية والحضارية والإنسانية.
وأشار سلام إلى أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في بداية الشهر، وزيارته للمتحف المصري الكبير، حملتا دلالة ثقافية وحضارية مهمة، موضحًا أن الزيارة لم تكن مجرد زيارة لمعلم ثقافي، وإنما جسدت التواصل بين حضارتين عريقتين.
وفي هذا السياق، تطرق إلى مبادرة الحضارات العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينج، وما تؤكده من أهمية احترام تنوع الحضارات، وتعزيز الحوار والتعلم المتبادل بينها، والاستفادة من هذا التنوع باعتباره مصدرًا للتقارب والتعاون.
وأكد أن مصر والصين قادرتان على تقديم نموذج عملي لهذه الرؤية، خاصة من خلال الثقافة والكتاب، مشددًا على أن الكتاب يعد أحد أهم سفراء الحضارات، إذ يعبر الحدود دون تأشيرة، وينتقل من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل.
وأوضح أن الترجمة تتيح للقارئ المصري التعرف إلى الصين ليس فقط من خلال أخبارها وإنجازاتها، وإنما أيضًا من خلال أدبائها ومفكريها وتجربتها الإنسانية، وفي المقابل يستطيع القارئ الصيني اكتشاف مصر من خلال أدبها وتاريخها وحضارتها.
ودعا إلى أن تمثل المرحلة المقبلة فرصة لتوسيع حركة الترجمة المتبادلة بين العربية والصينية، وإطلاق سلاسل مشتركة من الكتب، وتنظيم معارض وملتقيات تجمع الكتاب والمترجمين والمثقفين والباحثين من البلدين، مع الاستفادة من التكنولوجيا والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الأجيال الجديدة.
وأكد أن مرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية الصينية يفرض طرح سؤال يتجاوز ما تحقق خلال العقود السبعة الماضية، إلى سؤال آخر يتعلق بما يمكن أن يتركه البلدان للأجيال القادمة.
وقال إن من أهم ما يمكن تركه للأجيال المقبلة معرفة متبادلة أعمق، وكتبًا مترجمة، ومشروعات ثقافية مشتركة، وأجيالًا مصرية تعرف الصين بصورة أفضل، وأجيالًا صينية تعرف مصر بصورة أعمق.
وشدد على أن القيمة الحقيقية للتعلم المتبادل بين الحضارات تكمن في معرفة كل طرف للآخر بصورة أفضل، واكتشاف ما يجمع الشعبين، واحترام ما يميز كل حضارة، وتحويل هذا التنوع إلى مصدر للتعاون والسلام والصداقة.
واختتم سلام بالتأكيد على أن الحضارات لا تستمر فقط من خلال ما تتركه من متاحف وآثار وكتب، وإنما من خلال قدرة شعوبها على التواصل وتبادل المعرفة والخبرات، واكتشاف المساحات المشتركة التي يمكن من خلالها بناء مستقبل أكثر تعاونًا وتفاهمًا بين الشعوب.

















