01 - 10 - 2026

ملامح | سبتمبر.. شهر الخريف العربي من 104 سنة

ملامح | سبتمبر.. شهر الخريف العربي من 104 سنة

يعد شهر سبتمبر أو أيلول من أشد الأشهر حزناً في حياة العرب.. فهو يمتلك ثقلاً تاريخياً كبيراً في الذاكرة العربية، حيث اقترنت العديد من الأحداث المفصلية والمحطات الحزينة بهذا الشهر عبر عقود متتالية.. تمتد لـ 104 سنة.

وكلما جاء سبتمبر تذكرنا أحزاننا، وهو يأبى دائماً أن يتركنا دونما ذكرى أليمة تعيش معنا.

في كل سبتمبر من كل عام لنا ألمٌ.. ونكبة.. وطعنة غادرة للشعوب والأوطان.

وكما قال الشاعر محمود درويش:

"فَلْيَأْتِ أَيْلُولُ الحَزِينُ،

ولْيَأْتِ أَيْلُولُ الـمُشَوَّهُ في بَلاغَاتِ العِداءِ...

يا أَحْمَدُ العربيُّ،

أَيْلُولُ يَمْتَدُّ في الجَسَدِ المُمَزَّقِ،

أَيْلُولُ يأخُذُ شَكْلَ المَذْبَحَةِ"....

وهو وفقاً لوصف الشاعر بدر شاكر السياب:

"أيلول يمشي في حقول القمح... يذروها ويزرع في القلوب ذبولاً"

** بداية الرحلة الحزينة لأيلول الآلام

رحلة سبتمبر أو أيلول مع التاريخ العربي بدأت في 29 سبتمبر 1922، بإقرار الانتداب البريطاني على فلسطين، بعد موافقة عصبة الأمم رسمياً على صك الانتداب، والذي تضمن تمهيد الطريق لتطبيق "وعد بلفور". لتبدأ حكاية فلسطين.

وبعد 9 أعوام من إقرار الانتداب، وتحديداً في 16 سبتمبر 1931، تم إعدام "شيخ الشهداء" عمر المختار شنقاً على يد الاحتلال الإيطالي في ليبيا، ليشكل رمزاً تاريخياً للتحرر العربي. لتبدأ رحلة "الخريف العربي" وأحزان أيلول الدائمة والخالدة.

** التطبيع مع قتلة الحلم : اتفاقيات ولقاءات لا تتوقف

تحمل مذكرات سبتمبر، أو أيلول، طعنات لعذرية العروبة، وطهارة المقاوم والمناضل العربي، وخنجراً في قلب القضية الأم. "فلسطين". واغتصاب سيادة الدول بمساعدة الأنظمة الحاكمة.

في الوقت الذي يقتل فيه الاحتلال الإسرائيلي الشعب والحلم الفلسطيني، وقعت منظمة التحرير الفلسطينية في 13 سبتمبر 1993، اتفاق سُمي "اتفاق أوسلو" للسلام مع إسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية ومباركة عربية، مما أثار الجدل والانقسام في الشارع العربي. وتحولت السلطة الفلسطينية لشرطي يعمل لصالح الاحتلال، بمطاردة المقاومة، ونفي المناضلين في سجون المحتل.

في 17 سبتمبر 1978، تم تسميم نشوة نصر أكتوبر 1973، عندما وقع "إمام المطبعين" الرئيس أنور السادات "اتفاقية كامب ديفيد" للسلام مع إسرائيل برعاية أمريكية، الفارق بين أوسلو وكامب ديفيد، أن الاتفاق المصري الإسرائيلي رفضته الدول العربية مما أدى لتجميد عضوية مصر بالجامعة العربية لنحو عقد من الزمان. أما "أوسلو" فقد انقسمت بشأنه الأنظمة والشعوب. ولكن تبقى "كامب ديفيد" إماماً للمطبعين، والاستسلام للإمبريالية الأمريكية.  

ويتجدد مسلسل التطبيع بعد 42 عاماً، من "كامب ديفيد" التي يمكن وصفها بـ "أم التطبيع"، و27 عاماً من جنينها "أوسلو". كانت "اتفاقات إبراهيم" أو "الإبراهيمية" في 15 سبتمبر 2020، يومها وقعت الإمارات والبحرين في البيت الأبيض اتفاقيات تطبيع العلاقات مع إسرائيل برعاية أمريكية.

وباء التطبيع ضم فيما بعد المغرب، التي وقعت في 22 ديسمبر 2020، في العاصمة المغربية الرباط، على الانضمام للإبراهيمية، والتي انضمت لها السودان رسمياً في 6 يناير 2021، بتوقيع الحكومة الانتقالية السودانية على إعلان "اتفاقات إبراهيم" في الخرطوم بحضور وزير الخزانة الأمريكي.

الملاحظ أن اتفاقيات التطبيع وقعت بين الدول المطبعة وإسرائيل وأمريكا، كطرف ثالث في تلك الاتفاقيات.

** وقائع خذلان جديدة.

وكما قال الشاعر محمود درويش

في أَيْلُولَ الشَّاحِبِ

تَتَساقَطُ الأوراقُ عَن الشَّجَرِ الحَزِينِ،

وتَتَساقَطُ الكَلِماتُ عَن الشِّفاهِ...

كانَ أَيْلُولُ يُمَرِّنُنا على حُزْنٍ جَدِيدٍ،

ويُعَلِّمُنا كَيْفَ نُوَدِّعُ الصَّيْفَ والذِّكْرَياتِ

وسط تكتم إعلامي عربي، وصمت الأنظمة العربية، في 15 سبتمبر 2026، مع إحياء الذكرى السادسة للإبراهيمية، يعلن السفير الإسرائيلي بأبو ظبي عن احتمال إنضمام دول عربية أخرى للاتفاقية خلال 6 أشهر، ومن بين هذه الدول الكويت، ليعلن الإعلام الإسرائيلي عن لقاءات ومشاورات سرية بين الكويت وإسرائيل بشأن ترتيبات أمنية لمواجهة الهجوم الإيراني عليها، والتي ستأتي ضمن تطبيع العلاقات مع دولة عربية جديدة بالمخالفة لقوانينها ودستورها، الذي يجرم التعاون مع الكيان المحتل.

في ذات اليوم عقد لقاء بين وزير الخارجية المغربي ونظيره الإسرائيلي في منزل المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة في نييويورك لتفعيل ومتابعة الإعلان الثلاثي المشترك الموقع بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة في ديسمبر 2020 ضمن مسار اتفاقيات إبراهيم. لتعلن الخارجية الإسرائيلية في اليوم التالي (16 سبتمبر 2026) في بيان رسمي عن اتفاق بين المغرب وإسرائيل على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى سفارات كاملة وتعيين سفراء، بعد أن كان التمثيل بينهما مقتصراً على مكاتب اتصال.

ويبدو أن 15 سبتمبر، هو يوم إبراهيمي بامتياز. في ذلك اليوم كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي، وعدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية (القناة 12، وهآرتس، ومعاريف) عن تفاصيل لقاء عسكري سري عقد في ألمانيا خلال الأسبوع الأول من الشهر نفسه، تحت إشراف قائد القيادة المركزية الأمريكية، بين رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، ونظرائه من 7 دول عربية هي: السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت، قطر، مصر، الأردن.

ووفقاً لأكسيوس، بحث الاجتماع آليات تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي لمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ.. والتطورات والتصعيد المرتبط بالصراع مع إيران، وتعزيز التنسيق الأمني والعسكري الإقليمي. كما قدم رئيس الأركان الإسرائيلي إحاطة لنظرائه العرب والأمريكيين حول العمليات العسكرية الإسرائيلية على مختلف الجبهات. فيما أكد قائد القيادة المركزية الأمريكية للمشاركين أن واشنطن تُخطط لإبقاء وجودها العسكري في المنطقة وتعزيز حركة الملاحة والتجارة في مضيق هرمز ومواجهة التهديدات البحرية والجوية.

**لا يرحل دون ذكرى أو إحياءً لذكرى

في 27 سبتمبر 2026، أعلنت "القناة 14 والقناة 12 ووسائل إعلام أخرى إسرائيلية وأجنبية" عن قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة خاطفة إلى أبوظبي التقى خلالها بالرئيس الاماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وتم عقد جلسة موسعة ضمّت ممثلين عن عدة دول عربية هي: السعودية وقطر والبحرين وليبيا والمغرب والإمارات والكويت وسلطنة عُمان والأردن ومصر، إلى جانب ممثلين أمنيين ودبلوماسيين أمريكيين.

تلك الزيارة والاجتماع جاءت مع إحياء الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني الشهيد حسن نصر الله، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت المقر المركزي للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، يوم 27 سبتمبر 2024.

وقبل 24 ساعة من إحياء الذكرى 56 لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، الذي يمكن وصفه بزعيم المقاومة العربية، والذي رحل في 28 سبتمبر 1970، إثر أزمة قلبية مفاجئة عقب انتهائه من إنزال الستار على قمة القاهرة الطارئة التي عقدت لرأب الصدع في أحداث أيلول الأسود، والتي وقعت في 17 سبتمبر 1970، إثر اندلاع المواجهات المسلحة الدامية بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن.

ورحل الزعيم في ذات اليوم الذي شهد نهاية جمهورية الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة) في 28 سبتمبر 1961، إثر الانقلاب العسكري في دمشق الذي أنهى الوحدة، أي قبل رحيل الزعيم بتسعة أعوام.

فيما اندلعت في ذات اليوم من عام 2000، الانتفاضة الفلسطينية الثانية عقب اقتحام أرييل شارون لساحات المسجد الأقصى، وشهدت مواجهات واجتياحات واسعة استمرت لسنوات. في وقت تتجدد فيه الاقتحامات الصهيونية للأقصى بشكل يومي خلال سبتمبر الجاري 2026، وسط بيانات الإدانة العربية من قبل الأنظمة وفصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية. في انتظار انتفاضة الحجارة الثالثة.

** يقتلنا ويأخذنا إلى البحر البعيد!

كلما حل علينا سبتمبر أو أيلول، تتجدد مواجعنا.. ونتذكرها.. ويصدح محمود درويش بصوته قائلاً:

صباحُ الخير يا صبرا...

صباحُ الخير يا شاتيلا...

أكـلُّ أيلولٍ يجيءُ متوَّجاً بالدم؟

أم أنَّ أيلولَ المعمَّدَ بالدموعِ

هو الفصولُ جميعُها؟

نعم.. أيلول معمد بالدموع والدماء العربية السائلة أمام الأنظمة العربية المرابطة بالبيت الأبيض الصهيوني.. الجالسة على موائد تسيل منها دماء فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان والصومال.

كلما جاء ذلك الشهر البغيض تذكرنا أنه ما بين 16 و18 سبتمبر 1982، وقعت مجازر مخيمي "صبرا وشاتيلا" بحق اللاجئين الفلسطينيين والتي طالت الشعب اللبناني أيضاَ على يد الجيش الإسرائيلي وميليشيات لبنانية. وقد جاءت عقب خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية في 13 سبتمبر 1982، من بيروت إلى تونس في شتات جديد للشعب الفلسطيني ومقاومته، بعد حصار الجيش الإسرائيلي المدعوم من حزبي القوات والكتائب اللبنانيين، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو / حزيران 1982. وهو مشهد يتكرار داخل لبنان حالياً بدعم من السلطة اللبنانية وذات الأحزاب، وصمت عربي مطبق يجلس في الغرف المغلقة للصهيونية يبيع الدماء العربية.

يبقى أيلول أو سبتمبر، متوجاً بالدم والتطبيع، والمحطات المفصلية في الذاكرة العربية، ممتداً في أجساد الأمة ومخزونها التاريخي.. وكم نتمنى لو نستطيع إزالته من أوراق أجندتنا وتقويمنا!

فهو كما قال محمود درويش:

أيلول يقتلنا ويأتينا بدمع جديد...

أيلولُ ينزعُنا من الأشجارِ كي نمضي إلى البحر البعيد!
--------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | سبتمبر.. شهر الخريف العربي من 104 سنة