02 - 10 - 2026

نعم الله المسبغة على جميع الخلق (1)

نعم الله المسبغة على جميع الخلق (1)

نحن مغمورون بنعم الله سبحانه وتعالى التي لا يحصيها عد ولا يحيط بها حصر. وهذه النعم والرحمات المشهودة مبسوطة لجميع الخلق، للمسلم وغير المسلم، وللطائع والعاصي على السواء. فقد وهب الله سبحانه الناس جميعا مسلمين وهندوسا، الأيدي والأرجل والأعين والآذان، وسائر ما تقوم به حياتهم دون تمييز. ولم يحرم إنسانا من النور والهواء، ولا من الشمس والقمر، ولا مما أودعه في الطبيعة من أسباب الحياة ومنافعها. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

نعم اختص الله بها المسلمين:

وإلى جانب هذه النعم العامة المبذولة لجميع الخلق، ثمة نعم خاصة اختص الله بها المسلمين، وهي كذلك لا يحيط بها عد ولا تنتهي إلى حصر. ومن أجل هذه النعم نعمة الإيمان، التي عرفنا بها ربنا، وأحببنا بها رسول الله ﷺ، ورزقنا من خلالها البصيرة التي ندرك بها الحياة والعالم إدراكا صحيحا. ومن هذه النعم أيضا نعمة الوضوء. وأود اليوم أن أتحدث في إيجاز شديد عن الوضوء، وكيف يكون نعمة من نعم الله تعالى.

الحكم الثلاث للوضوء:

كنا قد حفظنا في الكتاب نية للوضوء باللغة العربية، وقد انطوت هذه النية على ثلاث حكم أو مقاصد للوضوء. وأول هذه المقاصد رفع الحدث. فنقول عند النية: نويت أن أتوضأ لرفع الحدث أي: نويت الوضوء لرفع الحدث.

رفع الحدث:

فما الحدث؟ الحدث هو حالة فقدان الوضوء، وليس معناه النجاسة. فإذا أصابت البدن نجاسة، أو وجب على المرء الغسل، أمكن وصف البدن بالنجاسة، وإزالة تلك النجاسة تكون بغسل موضعها، أو بغمس البدن كله في الماء والاغتسال.

أما الحدث فليس من هذا القبيل، وإنما هو الحالة التي يكون فيها المرء على غير وضوء. ويمكن التعبير عنه في البنغالية بالجمود أو الخمول. وما لم يرتفع هذا الحدث، لم يجز للمرء القيام بأمرين، أحدهما الصلاة.

إباحة الصلاة:

وقد جاء في نية الوضوء: واستباحة الصلاة، أي: ليكون أداء الصلاة مباحا وجائزا. ومن هنا كان الوضوء شرطا لصحة الصلاة، فلا تجوز الصلاة بغير وضوء. ومن صلى بغير وضوء معتقدا أن ذلك جائز، لم تصح صلاته، بل يخرج من الإيمان لاعتقاده حل ما هو حرام. ومن ثم ينبغي غاية الحذر. فينبغي ألا يندفع أحد، تقليدا للآخرين إلى المشاركة في صلاة جنازة سياسية من غير وضوء، كما ينبغي ألا يواصل صلاته إذا انتقض وضوؤه لسبب من الأسباب.

التقرب إلى الله تعالى:

وهكذا يتبين أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، وأن الوضوء والصلاة بدورهما سبيل إلى تحقيق غاية عظيمة أخرى، هي: والتقرب إلى الله تعالى. فالمقصد الأصيل من الوضوء والصلاة هو نيل القرب من الله تعالى والتشرف بالقرب منه. ومن أعراف الدنيا أن من أراد لقاء شخصية كبيرة أو حضور مناسبة كبرى، كان عليه أن يرتدي لباسا مخصوصا. ففي الفنادق الكبرى بمدينة دكا، لا يسمح لك بالدخول إذا جئت مرتديا الإزار، بل لا بد أن تكون مرتديا سروالا. وكذلك شأن الصلاة، فمن أراد أن يقف بين يدي الله، وأن يلقاه، وأن ينال قربه، فلا بد له من الوضوء. ومدى أهمية هذا الأمر يتجلى بوضوح إذا وضعنا أمامنا حقيقة واحدة.

صفة الوضوء في القرآن الكريم:

نحن نؤدي الصلوات الخمس، ونقيم صلاة الجمعة والعيدين، وقد ورد الأمر بالصلاة في القرآن الكريم. غير أن القرآن لم يبين بالتفصيل عدد ركعات الصلاة، ولا عدد ما فيها من ركوع وسجود، ولا الكيفية التي تؤدى بها، وإنما ورد فيه الأمر بإقامة الصلاة في الصباح والمساء والليل. أما الوضوء، فقد جاء الأمر به على نحو متميز، يحمل دلالة بالغة، إذ بين القرآن الكريم على وجه التحديد الأعضاء التي تغسل في الوضوء، والمقدار الذي يجب غسله منها، وما يقدم منها وما يؤخر. قال الله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا، إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم. والمراد بالوجه ما يمتد من الجبهة إلى شحمتي الأذنين، وينتهي عند الذقن. وتندرج المضمضة والاستنشاق في ذلك على سبيل السنة. فأي عضو نغسل بعد الوجه؟

غسل اليدين:

يقول الله تعالى: وأيديكم، أي: اغسلوا أيديكم. وقد يظن المرء أن غسل اليدين على النحو المعتاد عند تناول الطعام أو بعد قضاء الحاجة يفي بالمقصود، ولكن الأمر ليس كذلك، فقد حدد الله سبحانه غاية الغسل بقوله: إلى المرافق، أي إلى المرفقين. فبين بذلك المقدار الذي يجب غسله من اليدين بيانا دقيقا.

وهذا يعني أنه لا مجال للتهاون في هذه التهيئة للقاء الله تعالى ونيل قربه، فإذا بقي من هذه الأعضاء موضع قدر شعرة لم يصبه الماء، لم يصح الوضوء، ولم تجز الصلاة، ولم يتيسر للمرء لقاء الله ونيل قربه.

مسح الرأس:

ثم بين الله تعالى ما يكون بعد غسل اليدين، فقال: وامسحوا برؤوسكم، أي: امسحوا رؤوسكم. ومسح الرأس لا يعني غسله، وإنما يعني إمرار اليد المبتلة عليه، وهذا هو المسح.

وتأملوا قليلا: لو جاء الأمر بغسل الرأس كما جاء بغسل الوجه واليدين لكان غسله واجبا. وتصوروا كيف كان للرأس أن يجف لو وجب غسله خمس مرات على الأقل في اليوم.

ولو ظل المرء يغسل رأسه على هذا النحو يومين أو ثلاثة، لأصابه زكام شديد وبرد قارس، ولتدهورت صحته، وربما تعرض لخطر جسيم. فتأملوا ما ينطوي عليه حكم الله من حكمة بالغة، إذ جاء الأمر بمسح الرأس.

لماذا يمسح الرأس ولا يغسل؟

لقد أثبتت الدراسات العلمية أن إمرار اليد المبتلة على الرأس أثناء الوضوء يضفي على الشعر حيوية ونضارة، ويقوي جذوره، ويمنح الرأس قدرا معتدلا من البرودة. والحمد لله.

وما أودع الله في الوضوء من نعمة عظيمة تبعث على الدهشة والتأمل. ولكن من المؤسف أننا لا نتفكر ولا نبحث في أعماق ما يحمله ديننا من تعاليم ونعم وبركات. وليس في العالم أمة ولا حضارة ولا دين يملك أتباعه نظاما علميا كالوضوء.

لماذا يكره غسل العنق أو مسحه؟

وبمناسبة الحديث عن المسح، أود أن ألفت أنظاركم إلى حكم آخر، فقد ورد الأمر بغسل الوجه كله، ولم يرد حكم بغسل العنق أو مسحه مع أن العنق من المواضع التي يكثر فيها تجمع العرق. فلماذا، إذن، يعد غسل العنق أو إمرار اليد المبتلة عليه مكروها؟ لقد أثبتت الدراسات أن تعرض العنق للبرد يؤدي إلى التهاب اللوزتين. فتأملوا كيف روعيت في الوضوء منذ ألف وخمسمائة عام، الوقاية من التهاب اللوزتين.

غسل القدمين:

ثم يأتي بعد ذلك حكم غسل القدمين، وقد جاء فيه:

وأرجلكم إلى الكعبين، أي: اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. وهذه من فرائض الوضوء، فإذا وقع فيها أدنى خلل لم يصح الوضوء، ولم تجز الصلاة، ولم يؤذن للمرء بالدنو من حضرة الله تعالى.

وإلى جانب هذه الفرائض ثمة توجيهات أخرى دونها في المرتبة، لكنها بالغة الأهمية، كالمضمضة والاستنشاق. فتأملوا ما تنطوي عليه هذه الأعمال من نعم عظيمة لصحة البدن وسلامته.

علاج الأسنان والوضوء:

لقد اتسع نطاق علاج الأسنان في بلادنا اتساعا ملحوظا، ويقال إن تكاليف علاج الأسنان في البلدان الأوروبية من أغلى تكاليف العلاج، وتنفق من خزائن الدول في هذا المجال أموال طائلة تقدر بالملايين. ولو التزمنا بثقافة الطهارة، ولا سيما الوضوء، التزاما صحيحا لأمكن لبلادنا أن توفر قدرا هائلا من العملات الأجنبية، وأن تقتصد أموالا طائلة من نفقات القطاع الصحي. ولكننا لا ندرك قدر ما أفاض الله سبحانه علينا من نعم لا تنفد. وقد عبر العلامة إقبال عن هذا الأسف بقوله:

كانت الحكمة لنا، وظللنا كالبوم، وكانت الضيافة لنا، ومتنا جوعا.

لقد كنا رواد العلم والمعرفة ورعاتهما، وفي ديننا وأحكام شريعتنا تطبيقات عملية للعلم والمعرفة تتجلى في شتى المواطن غير أننا لا نبذل جهدا للكشف عن أسرارها وإدراك مغازيها. وفي بيوتنا مائدة حافلة وضيافة عامرة، ومع ذلك نظل جياعا نطوف على أبواب الآخرين. وذلك من سوء حظنا.

الفرشاة والسواك:

من العادات الشائعة لدى من نصفهم بالوجهاء والمثقفين وأبناء الطبقات الراقية أن ينظفوا أسنانهم صباحا بالفرشاة ومعجون الأسنان، ومن كان منهم أكثر عناية أعاد تنظيف أسنانه مرة أخرى قبل النوم ليلا. ولست هنا بصدد الحديث عن محاسن هذه العادة ومساوئها. ولكن انظروا، في مقابل ثقافة تنظيف الأسنان والفم مرتين في اليوم، في أوله وآخره إلى ثقافة الوضوء التي جاء بها الإسلام منذ ألف وخمسمائة عام، ففي الوضوء خمس مرات في اليوم تنظف الأسنان، والسواك من أحكام الشريعة. إذا استاك المرء خمس مرات في اليوم، فلا ريب أن أسنانه لا تبقى متسخة. أما الذين ينظفون أسنانهم بالفرشاة مرتين في اليوم، فأين تذهب بقايا ما يتناولونه من أطعمة خلال ساعات النهار؟ وأما الذين لا يصلون، فإن بقايا الطعام المتعفنة تدخل إلى أجسامهم عبر المريء مع الشاي أو غيره من المشروبات، أو مع الطعام. ويمكن إدراك مدى ما في ذلك من قذارة وضرر حين تتحدث إلى أمثال هؤلاء وهم على معدة خاوية، إذ تنبعث من أفواههم رائحة كريهة نفاذة، حتى إن وصفها نفسه مما تنفر منه النفس.


ريح من جهنم:

وقد واجهت مرة موقفا من هذا القبيل مع أحد الأشخاص. ولحسن الحظ، ما إن قدم الشاي على مائدة الضيافة حتى وجدت راحة عاجلة من تلك الريح الجهنمية. حسنا، إنهم ينظفون أسنانهم بالفرشاة مرتين، ولكن أين لهم نظام لتنظيف الأنف مما يتجمع فيه من أوساخ؟ إن هذا النظام لا يوجد إلا في الوضوء. بل إن الوضوء يتيح عند مسح الرأس، إزالة ما يعلق بالأذنين من الداخل والخارج من غبار خمس مرات في اليوم. ولهذا كنت أقول: إن الإسلام وحده هو الذي شرع مثل هذا النظام المتكامل للنظافة، ولا يوجد مثله في دين آخر ولا في ثقافة أخرى.
----------------------------
بقلم: د. محمد عيسى الشاهدي
ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

نعم الله المسبغة على جميع الخلق (1)