على الرغم من أننا مدحنا مسبحين بحمد أعضاء هيئات التدريس فى المدارس الحكومية، وأركز على المدارس الحكومية، لأنني تعلمت فيها وكذلك أولادي، فأعلم مستواهم العلمي وقدراتهم على التدريس جيدا إلا قلة قليلة لا داعي لذكرها، وأتمنى أن يحسنوا من أدائهم لأن تلاميذهم مسؤولون منهم أمام الله تعالى، وأمام الضمير الجمعي عملا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.)
فنتمنى ألا تسيء هذه الفئة القليلة إلى المجموع.
إلا إننا ووفقا لمنهجيتنا في معالجة قضايانا المجتمعية، التي أعتقد ويتفق معي الجميع أن التعليم أهمها لابد أن نلفت الأنظار، أنظار المسؤولين عن التعليم الإلزامي إلى الفساد المالي والإداري الذي تعج به بعض مدارسنا الحكومية حتى تتطهر مؤسساتنا التعليمية من أمثال هؤلاء الذين يعيثون فى الأرض فسادا ولا يريدون إصلاحا، إنما هدفهم الأساسي مصلحتهم الخاصة.
فما أن ينتهي الموسم الدراسي ويأتي شهر يونيو ويبدأ التقديم للمرحلة الإبتدائية ورياض الأطفال، حتى يبدأ سماسرة الملفات فى تلقيح جثثهم على الغلابة والفقراء الذين جل هدفهم أن يضمنوا مكانا جيدا يتعلم فيه أولادهم، فقد يصل بهم الأمر إلى الإستدانة حتى يدفعوا رشوة قبول أبنائهم التي قد تصل إلى آلاف الجنيهات، يدفعونها رغما عنهم، ولسان حالهم يلهج بالتحسبن والدعاء، وإذا ما قلت لهم لماذا لا تقدمون شكاوى، تجدهم يردون بلسان واحد، من سنشتكي ولمن سنشكوه، فالجميع شركاء فى الجريمة.!
وما أن يلتقطوا أنفاسهم قليلا بعد موسم الاستعداد لدخول المدارس، بعد شراء مستلزمات أولادهم من زي مدرسي إلى حذاء إلى ملخصات وكشاكيل وكراريس، وبعدما يستدينون لماذا.؟! لأن رواتبهم الزهيدة نفدت أو كادت أن توشك على النفاد.!
وبعدما يسددون مصاريف الدراسة المقررة بإيصالات رسمية معتمدة من البريد المصري.
وبعدما يسلمون هذه الإيصالات إلى مدارس أبنائهم.
يأتي الدور على متطلبات ولوازم الفصل الدراسي، من ديتول وكلور، نعلم أن الديتول مطلوب للنظافة الشخصية لكن لماذا الكلور؟!، وأقلام سبورة وورق زينة وخلافه.
هل التلميذ ملزم بشراء أقلام سبورة.؟!
تجد ورقة مرسلة إلى ولي الأمور ممتلئة بالطالبات الأخرى، المخلص كذا، الملزمة كذا وضرورة أن نشتريها من المكان كذا، ثم الاتفاق على أجر الدروس الخصوصية المشروعة (داخل المدرسة)، مع كلمة لمن أراد، الكلمة المطاطية، لأنهم يعلمون أن أولياء الأمور لا حيلة لهم إلا القبول خشية البطش والتنكيل بذويهم أو على أقل الأضرار إهماله فى الفصل وإجلاسه في آخر الفصل على الرغم من شكواه من ضعف نظره.
فضلا عن كل ذلك نأتي إلى إستلام الكتب، وقد عاينت ذلك بنفسي وسمعت شكاوى أولياء الأمور، الناس قامت بتسديد المصاريف كاملة (مصاريف التقديم، فضلا عن مصاريف أخرى خدمات)، إلا إننا عندما ذهبنا لاستلام كتب رياض الأطفال، طلب منا الموظف الإداري المسؤول أن ندفع مبلغا آخر من المال، وبسؤاله لماذا، لقد سددنا المطلوب، رد قائلا، من يريد الكتب فليدفع، قلت له سأدفع لكن أعطني إيصالا بالمبلغ قال لا توجد إيصالات، قلت له أعطنا ورقة مختومة من المدرسة بالمبلغ، قال ستأتي الايصالات ونعطيكم.!
السؤال، هل فعلا هناك رسوم تسدد نقدا داخل المدارس، أم الدفع على بوابة التربية والتعليم الإليكترونية؟!، على حد علمي لا تحصل رسوم نقدية لا فى المدارس الحكومية ولا فى الجامعات، إذن السؤال الآخر الملح، أين ستذهب الأموال التي تجمع نقدا داخل المدارس وقت تسلم الكتب ولماذا تعنت المسؤول في إعطائنا إيصالا.؟!
نحن لا ندخل فى النوايا، وإنما نحن بشر وبداخلنا أنفس إمارة بالسوء فلماذا لا تكبحوا جماحها وتلجموها حتى لا تسأل وتضعكم موضع الشكوك والظنون.؟!
السؤال الملح أيضا، أليست كل هذه الضغوط قد تصيب ولي الأمر بالإحباط وباليأس وتجعله يكره المدرسة واليوم الذي ألحق ابنه بها.
أليس ذلك يسبب له نوعا من الضيق النفسي والقلق الوجودي، مما قد يجعله يخرج عن شعوره ويسب ويلعن ويكره البلد والتعليم بها خصوصا إذا كان ضيق اليد غير ذي بسطة فى الرزق ولديه عدد من الأولاد وجميعهم في مراحل تعليمية مختلفة.
ألا يعد ذلك استنزافا ماليا وأخلاقيا ونفسيا.؟!
فإلى متى سيحتمل أولياء الأمور كل هذه المضايقات وهذه السخافات.
ومن باب حبنا لوطننا وحرصنا على تهيئة مناخ مناسب وبيئة صحية للعملية التعليمية،كتبنا عن هذا الموضوع. مطالبين السادة المسؤولين إتخاذ كآفة التدابير والإجراءات القانونية ضد كل من تسول له نفسه العبث لمستقبل أولادنا.
نستغيث بكم فاغيثونا.
---------------------------------
بقلم: د. عادل القليعي
* أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب العاصمة.






