إذا لم ننظر إلى الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران من زاوية عسكرية أو عقابية فقط، بل تعاملنا معها باعتبارها «استراتيجية حصار»، فإن دور الصين في هذه المعادلة يصبح أكبر بكثير من مجرد شريك تجاري.
السؤال الأساسي هو: هل تستطيع واشنطن فرض حصار اقتصادي وجوي على إيران، في وقت يرفض فيه أحد أهم شركاء طهران التجاريين الانخراط الكامل في هذه السياسة؟
الإجابة عن هذا السؤال ترتبط، إلى حدّ كبير، بقدرة الصين على الحفاظ على قنوات التجارة والتبادل مع إيران.
لقد أعلنت الصين خلال الأشهر الأخيرة، مراراً، معارضتها للعقوبات الأميركية الأحادية الجانب. كما أكدت وزارة التجارة الصينية في أيلول/سبتمبر 2026 أن بكين تعارض العقوبات الأميركية الأحادية المفروضة على الشركات والمواطنين الصينيين على خلفية تعاملاتهم مع إيران، معتبرةً أن هذه الإجراءات تمثل تدخلاً في العلاقات الاقتصادية والتجارية الطبيعية بين الدول.
ومن جهة أخرى، أعلنت وزارة الخارجية الصينية في 16 أيلول/سبتمبر أن بكين تدعو إيران والولايات المتحدة إلى العودة إلى «تفاهم إسلام آباد» وإعادة بناء آلية التفاوض، بالتزامن مع تأكيدها ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ على أمن واستمرارية حركة النقل الدولي.
وعليه، إذا لم تكن الصين مستعدة للمشاركة في تنفيذ الضغوط الاقتصادية والقيود على النقل التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران، فإن هذا الحصار الجائر سيواجه الفشل. وهذا يعني تلقائياً فشل الحصار.
ذلك أن المشهد في مجال التجارة مختلف. فالصين هي أكبر شريك تجاري لإيران، والتجارة بين البلدين لا تعني بالضرورة انتقال الدولار بصورة مباشرة بين المصارف الإيرانية والصينية. فآليات التجارة بغير الدولار، والمقايضة، واستخدام العملات المحلية، وشبكات الوسطاء التجاريين، يمكن أن تخفف من الضغوط الناجمة عن العقوبات المرتبطة بالدولار.
كما تشير التقارير الأخيرة إلى أن التجارة الصينية مع إيران، ولا سيما شراء النفط وتأمين بعض السلع، لا تزال مستمرة، وأن بكين أبدت مقاومة للضغوط الأميركية والعقوبات الثانوية.
وبالتالي، ينبغي البحث عن جوهر المسألة في سؤال أكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض «حصار فعّال» على إيران من دون أن تنضم الصين إليها؟
الإجابة قطعاً هي: لا.
وبناءً على ذلك، تواجه استراتيجية الضغط الأميركية قيوداً بنيوية؛ لأن العقوبات تكون أكثر تأثيراً عندما تشارك القوى الرئيسية في التجارة العالمية، والمسارات المالية، والنقل، وتأمين السلع، في تنفيذها.
ومن هذا المنظور، فإن الصين ليست مجرد مشترٍ للنفط أو مورّد للسلع، بل هي جزء من المعادلة الجيوسياسية لمدى فاعلية العقوبات.
ولهذا السبب تحديداً، يكتسب موقف بكين من الضغوط الأميركية أهمية استراتيجية. فمن جهة، تسعى الصين إلى تحقيق الاستقرار في الخليج، وضمان أمن الطاقة، واستمرار تجارتها؛ ومن جهة أخرى، أظهرت خلال الأشهر الأخيرة أنها ليست مستعدة لتنفيذ سياسة واشنطن في ممارسة الضغط على طهران.
لذلك، ربما لا تكمن المسألة الأساسية في حصار إيران في سؤال: «إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة ممارسة الضغط؟»، بل في سؤال آخر أكثر أهمية: «كم من القوى الكبرى في الاقتصاد العالمي مستعد لتنفيذ هذا الضغط؟»
فكلما اتسعت الفجوة بين السياسة الأميركية وسلوك القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين، أصبح تحويل العقوبات والحصار إلى حصار شامل وفعّال أمراً غير ممكن.
وهنا تحديداً تتحول الحرب الاقتصادية من قضية ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، إلى قضية جيوسياسية بين القوى الكبرى.
-------------------------------
بقلم: د. جبار سعیداوی
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران






