بعد ستة وخمسين عامًا على رحيل جمال عبد الناصر، تبدو المسافة الزمنية كافية لأن نضع التجربة في ميزان التاريخ، لا في ميزان الخصومة أو الذكرى. لكن اللافت أن الجدل حول الرجل لم ينتهِ، وأن القضايا التي ارتبطت بتجربته ما تزال حاضرة، رغم أن العالم العربي تغير كثيرًا، وتبدلت خرائط القوة والاقتصاد، وأن مسارًا جديدًا في مصر طوى التجربة الناصرية وأنهى سياقها السياسي. ولعل بقاء هذه القضايا أهم من بقاء الجدل حول الرجل؛ لأنه يطرح سؤالًا أعمق: لماذا ظلت حاضرة؟
من يراقب المشهد الإعلامي العربي قد يظن أن عبد الناصر لم يرحل إلا بالأمس. فالفضائيات العربية، ومعها الموجة الجديدة من برامج البودكاست، تعود إلى الرجل وتجربته، وتستدعي مسؤولين وقيادات من عهود عربية مختلفة، كثير منهم عُرف بعدائه للتجربة الناصرية، لتقدم شهاداتهم عن عصرٍ لم يقل فيه التاريخ كلمته بعد.
لا يصح النظر إلى الناصرية باعتبارها لحظة بدأت في يوليو 1952 وانتهت برحيل عبد الناصر. فثورة يوليو هي حلقة متقدمة في مسار أطول من النضال الوطني، بدأ بالثورة العرابية، وتطور عبر الحركة الوطنية، ثم بلغ محطة كبرى في ثورة 1919. اختلفت هذه المراحل في أفكارها وقياداتها وأدواتها، لكنها التقت حول قضايا ظلت تتغير وتتطور من جيل إلى آخر.
وجاءت "يوليو" لتمنح هذه القضايا صياغة أكثر شمولًا، وتنقلها من مجال المطالب الوطنية والسياسية إلى مشروع لإعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد وموقع مصر الإقليمي والدولي.
من هذه الزاوية يمكن فهم الناصرية باعتبارها مرحلة في تاريخ طويل، لا اختراعًا بدأ مع عبد الناصر وينتهي برحيله.
هذا يجعلنا امام ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في الجدل حولها: المسار التاريخي المصري، والمشروع الناصري، وتجربة الحكم التي ارتبطت بعبد الناصر. فالمسار أقدم من "يوليو" وأبقى منها، والمشروع الناصري إحدى أكثر لحظات هذا المسار جذرية وشمولًا، أما تجربة الحكم فكانت الصيغة التي حاول بها عبد الناصر ورفاقه تحقيق أهداف المشروع في ظروف تاريخية محددة، بما لها من إنجازات وإخفاقات وتناقضات.
يسمح هذا التمييز بنقد التجربة دون إسقاط القضايا التي قامت من أجلها. فالتأميم ليس هو الاستقلال الاقتصادي، والقطاع العام ليس هو التنمية، والإصلاح الزراعي ليس هو العدالة الاجتماعية، والتخطيط المركزي ليس هو امتلاك القدرة على الإنتاج، كما أن الوحدة السياسية ليست الصيغة الوحيدة الممكنة للعروبة. كانت هذه كلها سياسات و أدوات ارتبطت بمرحلتها التاريخية، بينما كانت الغايات التي سعت إليها أوسع منها وأبقى.
وقد حققت التجربة الناصرية تحولات عميقة في بنية المجتمع والدولة المصرية؛ فاتسعت فرص التعليم والصعود الاجتماعي، وتغيرت علاقات الملكية الزراعية، وبُنيت قاعدة صناعية، وتقلص النفوذ الأجنبي المباشر، وأعيد تعريف موقع مصر في محيطها العربي والدولي. ولا يمكن فهم مصر الحديثة دون وضع هذه التحولات في حسابها.
الاعتراف بهذه الإنجازات لا يعني أن المشروع بلغ غايته. فقد بقيت مشكلات كبيرة في بنية الحكم والمؤسسات، وفي العلاقة بين قوة الدولة وحرية المجتمع، وفي الإدارة والاقتصاد، كما لم تتحول التجربة إلى نظام مؤسسي يضمن استمرار مشروعها بعيدًا عن شخص القائد. وكانت هزيمة 1967، بما كشفت عنه من أوجه خلل في الدولة والمجتمع والمؤسسة العسكرية، نقطة فاصلة في مسار التجربة.
غير أن هذه النقطة لا تكفي وحدها لتفسير ما حدث بعد عبد الناصر. فمع السادات لم تقع مجرد عملية انتقال للسلطة، وإنما بدأ تحول تدريجي في الاتجاه العام للسياسات؛ تغيرت خيارات الاقتصاد، وأعيد ترتيب علاقة مصر بالقوى الخارجية، وتبدلت أولويات الدولة، ثم تعمقت خلال العقود التالية اتجاهات أبعد عن كثير من المرتكزات التي قامت عليها التجربة الناصرية.
هكذا قطع المسار التاريخي شوطًا ثم انقطع قبل أن يستنفد مهامه، فتراجع بعض ما أُنجز أو أعيد توجيهه، وبقيت قضايا الاستقلال والتنمية والعدالة والعروبة مطروحة، وإن بأشكال مختلفة.
الانتقال إلى ما بعد الناصرية لا يعني استعادة أدواتها، كما لا يعني التخلي عن الأسئلة التي طرحتها. فمصر اليوم تتحرك في عالم مختلف، تتغير فيه طبيعة القوة ومصادرها، وأصبحت المعرفة والتكنولوجيا والقدرة الإنتاجية والتكامل الاقتصادي عناصر أساسية في بناء الدولة وموقعها. ومن ثم فإن التعامل مع تلك الأسئلة يقتضي أدوات جديدة، لا إعادة إنتاج الأدوات التي صاغتها مرحلة تاريخية مختلفة.
ما بعد عبد الناصر يعني أن نأخذ من التجربة أسئلتها التاريخية، ونفحص نتائجها وأخطاءها، ثم نعيد صياغة تلك الأسئلة بما يناسب عصرًا مختلفًا. فالوفاء للتجربة لا يكون بتجميدها، كما أن نقدها لا يقتضي إنكار ما أنجزته في تاريخ مصر.
التجاوز الحقيقي للناصرية ممكن حين تنجز الأجيال الجديدة ما بقي مفتوحًا من مهامها، ولكن بأدوات تتجاوزها هي نفسها. عندها لا تعود الناصرية برنامجًا سياسيًا مطلوبًا استعادته، وإنما تصبح مرحلة تاريخية يمكن فهمها ونقدها واستخلاص ما أنجزته وما أخفقت فيه، ثم الذهاب إلى ما بعدها.
القول بأن الناصرية استنفدت مهمتها لمجرد أن تجربتها السياسية انتهت، أو أن قائدها رحل، أو أن أدواتها الاقتصادية لم تعد صالحة، هو خلط بين نهاية تجربة تاريخية ونهاية المسار الذي نشأت فيه.
لقد انتهت الناصرية كتجربة حكم، لكن انتهاء التجربة لا يعني بالضرورة استنفاد مهمتها التاريخية؛ فهذه المسألة لا تحسمها كثرة البرامج التي تحاكم جمال عبد الناصر، ولا كثرة خصومه ولا حتى وفاء أنصاره، وإنما بما إذا كانت القضايا التي حملتها الناصرية قد وجدت حلولًا تاريخية تتجاوزها.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بعبد الناصر وحده، بل بذلك المسار الطويل الذي سبق يوليو واستمر بعدها، والذي لم يكن عبد الناصر إلا إحدى مراحله الكبرى. فإذا بلغ هذا المسار غايته، يصبح تجاوزه أمرًا طبيعيًا. أما إذا كان قد انقطع قبل استكمالها، فإن ما يأتي بعد الناصرية لا يكون عودة إليها، وإنما استئنافًا للمسار من نقطة جديدة وبأدوات جديدة.
--------------------------------
بقلم: محمد حماد






