كلما حلت مناسبة مرتبطة بالزعيم الوطني العظيم جمال عبد الناصر، تثور الأقاويل مؤيدة أو مناهضة لثورة 23 يوليو وزعيمها. وهذا أمر لافت حقا. فلا يوجد زعيم أو رئيس أو ملك في تاريخ مصر الحديثة، منذ عهد محمد علي، يدور حوله كل هذا الجدل، ويستمر، حتى بعد وفاته ب 56 عاما. وربما لن يتوقف في المستقبل المنظور.
فلماذا عبد الناصر بالذات؟؟ ولماذا تجربته وعهده بالذات؟؟، وقد عرفت مصر قبله عددا محترما من الزعماء والقادة. كما توالى من بعده خمسة رؤساء، وجميعهم حاول طمس تجربته وتشويه إنجازاته، (ربما باستثناء عدلي منصور، فقد كان مؤقتا) وجميعهم لم يفلحوا. بل، إن قيمة عبد الناصر تزداد، وذكره يعلو، كل عام عن سابقه.
تقديري أن قيمة عبد الناصر الحقيقية لا تكمن فيما كان يتمتع به من حضور أو كاريزما، أو قدرة آسرة على الخطابة والتأثير فيمن يستمع اليه. فكلها سمات شخصية مطلوبة في أي زعيم. ولكنها وحدها لا تصنع الزعامة. ولا تضمن استمرار ارتباط الناس بهذا الشخص، حتى بعد مرور هذا الزمن الطويل على تاريخ رحيله. بل ان ما يصنع الزعامة الحقيقية هي القدرة على صنع التاريخ وتغيير مجرى أحداثه. وهكذا كان عبد الناصر بكل ما تعنيه الكلمات.
فلقد كان عبد الناصر أول وآخر زعيم وطني مصري ينحاز الى الأغلبية الكاسحة والجموع الحقيقية للشعب المصري، من العمال والفلاحين وصغار الكسبة، في المدن، والقرى، والكفور، والنجوع. كما أنه انحاز الى جانب كل الشعوب المضطهدة في المنطقة العربية والعالم الثالث. حيث قامت ثورة يوليو منذ البداية بوصفها امتدادا لحركة التحرر الوطني المصرية، التي بدأت بالثورة العرابية. ولكن سرعان ما فطن هذا القائد، منذ البداية، الى أن الاستقلال الوطني لا يمكنه أن يتحقق بدون تقدم علمي وثورة صناعية، وهذا الأمر يحتاج الى شعب متعلم صحيح البدن، مطمئن لضمان حقه في العلاج، والعمل، والسكن. فالاستعمار يمكن أن يرحل، ولكن تأثيره يمكن أن يبقى، من خلال التبعية التي يخلقها الإخفاق في كل هذه المجالات. والتخلف الصناعي يجعل الوطن مجرد سوق يحتاج الى منتجات المستعمرين المتقدمين علميا وتكنولوجيا. والتخلف الزراعي يجعل الوطن بحاجة دائمة إلى إمدادات الغذاء، والشعب الجاهل المريض المقهور يجعل المستعمر قادرا على الهيمنة، بكل الأشكال، وبصورة دائمة. لذلك فان سعي عبد الناصر لتحقيق التحرر الوطني أفضى به إلى حتمية المرور على محطات عديدة يمكن تلخيصها في: التقدم العلمي، والتصنيع، والتعليم، والتوسع الزراعي والارتقاء الثقافي. وبكلمة فإن التحرر الوطني يستلزم بناء الوطن والارتقاء بحياة المواطن، في كافة المجالات، وبخاصة المواطن البسيط، فمنه تخرج السواعد القادرة على تحقيق المعجزات.
وكذلك فإن التحرر الوطني يستلزم تقديم كل الدعم للشعوب الصديقة ولحركات التحرر، المشتركة معنا في الأهداف. ولقد حقق عبد الناصر الكثير من ذلك دون أن يدخر أدنى جهد، وحتى آخر رمق في حياته.
ولذلك لم يكن عبد الناصر زعيما وطنيا فقط، بل زعيما عربيا وأمميا، بلا مراء.
وتعد فترة عبد الناصر القصيرة، الفترة الوحيدة التي شعر فيها المواطن المصري بأن دولته تعمل لصالحه ولا تسعى لاستغلاله أو تسخيره. فشعر بأن الثروة الوطنية ملك له ولأبنائه وليست ملكا لحفنة من المستثمرين واللصوص والسماسرة. وبأن وطنه يرتقي ويرتفع بين الأمم ويصبح قدوة لكل شعوب العالم الثالث.
وبسبب كل ما سبق، وعلى الرغم من بعض الإخفاقات، فإن هذا العصر قد شهد أعلى إحساس شعبي بالكرامة الوطنية والعزة القومية، وبأننا أمة معتبرة بين الأمم، وأن بلادنا في صدارة البلاد. وهذا الإحساس العزيز للغاية، والذي يستحق أن تبذل من أجله المهج والأرواح، لم يعرفه المصريون، بهذا القدر، من قبل عبد الناصر، ولا من بعد رحيله. فمن قبله كنا أمة محتلة من الاستعمار الخارجي، ومستغلة من الرأسماليين وكبار ملاك الأراضي في الداخل. ومن بعده، سرعان ما نكصت مصر في جميع المجالات التي كانت رائدة فيها، وتراجعت مهابتها ورمزيتها، في عهود من حكموا بعده.
لقد كان زمن عبد الناصر زمن تحقيق الآمال ومعانقة الأحلام، زمن المجد والفخار، وزمن الزهو والعزة والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فلقد حققنا مع عبد الناصر، في سنوات قليلة، ما ظللنا نحلم به قرونا. وما زلنا نحلم باستعادته، منذ أن فارقنا.
لذلك فإن الناصرية لا تمثل شخص عبد الناصر، ولكنها تمثل أهداف التحرر الوطني والعزة القومية والتقدم الاقتصادي والعلمي والعدالة الاجتماعية. كما أنها تمثل معاداة الاستغلال، والاستعمار، والتخلف، والتبعية، والصهيونية، والرجعية.
لكل ذلك انتمى فقراء مصر وكادحوها، وشعوب العرب والعالم الثالث، وكل الشرفاء والصادقين، المخلصين لقيم الحق والعدل والحرية، إلى هذه الحقبة المجيدة الفريدة من تاريخنا.
ولكل ذلك، أيضا، يهاجم هذه التجربة كل من وقفوا على الخط المقابل، خط التبعية والخضوع أمام الصهيونية، والاستعمار، ووكلائهما. خط تبرير الثراء الفاحش للأقلية الطفيلية الفاسدة على حساب فقر ومرض وجهل جموع الشعب الكادح. فعبد الناصر هو النقيض الحي الماثل في الأذهان لكل هؤلاء. وجسارته هي من تفضح عجزهم تخاذلهم وانبطاحهم. وعدالة عهده هي من يفضح ظلمهم، ووطنية نهجه هي من تفضح عمالتهم، والقيمة الكبيرة لإنجازاته هي من تفضح اخفاقاتهم المشهودة.
ولذلك فإن تأثير عبد الناصر لم ينته بوفاته. بل يزداد قوة وتألقا كلما ازداد الفقر واستشرى الظلم وتفاقم التردي.
ولذلك، أيضا، أصبح اسم عبد الناصر أحد عناوين الصراع بين الشعب وأعدائه. وما دام الحلم بالحرية والعدل والتقدم باقيا، ستبقى ذكرى هذا الزعيم العظيم حية في الصدور والقلوب، تشعل الآمال في وجدان المحرومين، وتنذر بالهزيمة والخسران لكل من يعادي الشعب ويهدر قيمة الوطن.
--------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






