مرت ٥٦ عاما على رحيله فى سبتمبر ١٩٧٠ وما زالت جنازته التى تعد الأكبر فى التاريخ المصري والعربى، تشهد بمكانته فى قلوب المصريين والعرب، الجنازة كانت فى القاهره وبالتوازي معها مئات وآلاف الجنازات الرمزية التى خرجت فى كل محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر وكل العواصم العربية، بل وبعض العواصم الأفريقية، النداء خرج من حارات القاهرة ووصل صداه الى كل أنحاء الوطن العربى: الوداع يا جمال يا حبيب الملايين، ولا انسى كلمات الأغنية التي نعت جمال ولا اعرف كاتبها وأتمنى ألا تكون قد محيت أو اختفت من مكتبة الإذاعة المصرية وتقول: ما تقولوش الشمس غابت ما تقولوش ده غاب الضى مهما يغيب اللى بناه مهما يغيب فى قلوبنا حى
بالفعل صدقت الأغنية فمازال جمال عبدالناصر فى قلوبنا حى رغم ما بذل على مدي عقود لمسح ومحو كل إنجازاته، فلنا ان نترحم على مجمع الحديد و الصلب الذى افتتحه ناصر فى خمسينيات القرن الماضى، ولنا أن نترحم على مشروع المراجل البخارية الذى افتتحه فى ستينيات القرن الماضى، ولنا أن تكثف الدعاء بأن يحفظ الله مجمع الالومنيوم فى نجع حمادي ويجنبه شرور الخصخصة والبيع بثمن بخس.
ولنا أن ندعو الله أن يرحم جمال عبدالناصر ويسكنه فسيح جناته ويتجاوز عن سيئاته ما بقى السد العالى الذى انقذنا عدة مرات من أخطار الفيضانات والجفاف والذى يجعلنا حتى اللحظة نشعر بالاطمئنان وعدم الخشية من أن سد النهضة الاثيوبى سيعرضنا للعطش، وما بقى استاد ناصر أو استاد القاهرة الدولى أيقونة وفخر الاستادات الرياضية فى مصر والمنطقة.
أجيال كاملة تخرجت من الجامعات وتلقت تعليما مجانيا من واجبها أن تتذكر جمال عبدالناصر بكل الخير، والذى يحسب له أنه جعل من التعليم وسيلة للترقى وأتاح لأبناء عمال وفلاحين وبقالين وتجار مينى فاتورة أن يصبحوا أساتذة جامعة وضباطا فى الجيش والشرطة وصحفيين وسفراء فى الخارجية يأكلون بالشوكة والسكين ويطبقون قواعد الاتيكيت والمراسم بكل حرفية ووجاهة.
عبدالناصر له ما له وعليه ما عليه، وقلت من قبل واقول مجددا عبدالناصر لم يكن ملاكا ولم يكن شيطانا، ولكن المؤكد أنه كان محبا لبلده وأمته، ويضع مصالح الضعفاء والفقراء فى مقدمة أولوياته، فمن ينسى المساكن الشعبية التى سترت ملايين المصريين دون أن ترهقهم ودون أن ينتابهم الخوف من أن يطردوا يوما من منازلهم.
عبدالناصر أو أبو خالد نوارة بلدي، والذى كان سببا فى تفجير طاقات شعراء وملحنين ومطربين ومطربات تركوا لنا مكتبة غنائية وطنية راقية، فمن ينسى وطنى حبيبى الوطن الاكبر، ودقت ساعة العمل الثورى وكفاح الابطال، وطوف وشوف دى بلادنا جنة ربنا، ومن فوق برج الجزيرة الله الله على سحرها، وكيف لنا أن ننسى ابداع عبدالحليم حافظ المتحدث باسم ثورة يوليو وحكاية شعب، وريسنا ملاح، وعلى راس بستان الاشتراكية وصورة صورة وبالاحضان وابو خالد نوارة بلدي
أبو خالد نوارة بلدي، مهما اختلفت الآراء حوله سيظل حيا فى قلوبنا ما دامت إذاعة القرآن الكريم تمتعنا بتلاوات أجيال وراء أجيال من نجوم دولة التلاوة، وما دامت إذاعة صوت العرب التى كان الوطن العربى كله من المحيط الى الخليج ينتظر بثها بكل اهتمام، خاصة مع الأدوار الوطنية التى لعبتها فى دعم استقلال دول المنطقة.
واقولها بكل ثقة، سيظل عبدالناصر رحمه الله أيقونة مصرية عربية أفريقية، وسيظل فى قلوبنا ما دامت قوات الصاعقة وقوات المظلات التى أسست فى عهده من مفاخر الجيش المصري العظيم
رحم الله عبدالناصر الذى كان قيمة وقامة وعلامة بارزة فى تاريخنا وغفر الله له زلاته واخطائه بل وخطاياه، فمجمل القول إنه لم يكن ملاكا ولم يكن شيطانا.
---------------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج






