28 - 09 - 2026

وتبدلت الأحوال

وتبدلت الأحوال

في ظل ظروف الحياة المعاصرة يشكو الكثيرون من مختلف الأوجاع والأوضاع، ويعلل البعض من المثقفين وطبقة النخبة أن من أهم أسباب كثرة المشكلات وازدحام الهموم، الزيادة السكانية، وضعف دخل البلاد بسبب قلة المياه وقلة الأراضي الزراعية وما يتبعها من موارد زراعية وثروة حيوانية، مما يؤثر بشدة على الصحة العامة للإنسان، وهذا كله ينعكس على الحالة النفسية والمزاجية، فيقل تفاعل الناس مع جمال الطبيعة الساحرة في بلادنا التي تحدها الصحراء من كل مكان، وتبدو فيها المساحة المنبسطة قليلة لا تتجاوز الـ 6% .

ومن كثرة الهموم قلَّ الحديث عن الحب، وزاد الألم وتعقدت العواطف وتشابكت الأمور الوجدانية، ولم يعد من السهل على الشباب التعمق في الحب كما الأول.

وطغت علينا هموم العصر وأصبح القلق مرضنا الدائم، والحديث عن السكينة صار خيانة للأزمات الحاضرة، معظم أفلام الثمانينيات وما بعدها لم يعد موضوعها الحبيب المكافح كعبد الحليم صاحب الموهبة الغنائية الذي يرتقي به الفن ليخطب ابنة الأثرياء في طبقة إنجي هانم في فيلم رد قلبي، بل تعالج السينما هموماً أخرى، ومن هذه الأفلام فيلم الشقة من حق الزوجة، وسواق الأتوبيس وغيرها من هموم الحياة المعاصرة.

حتى الفن والأدب والموسيقى ليس فيهم ما يبدد وحشة النفس وظلمات الوجدان، حتى أني راقبتُ نفسي في السنوات العشرة الأخيرة، فوجدتها تخلو من الأحاسيس بالجمال، وتتعامل بحيادية مجرمة مع جمال الأنثى، حتى ظننت أن تعاطفي مع نعومة المرأة انتهى، وانتهى تذوقي لها، والمرأة هنا ليست الغاية بذاتها، بل هي رمز لاكتمال الرجل مع المرأة للعبور إلى المخلوق الذي يرتجيه الخالق من مخلوقيه: الذكر والأنثى، صحيح أن جمال المرأة تراجع كثيراً، ولولا بعض الجميلات القادمات من الشام في السينما والتليفزيون لأجدبت تلك الصناعة الهامة والمؤثرة، إلا أن التعاطف مع الجمال كله قد بار في العقد الأخير.

قد يكون للأحداث السياسية والثورات والانقلابات والصراعات المحلية والعالمية دورٌ كبيرٌ في هذا الجفاء لروح الأنثى، ولكن الغالب أن الهموم الاقتصادية هي العامل الأكبر في هذه الجفوة.

وسط هذا اليأس والإحباط كنت أتابع شيئا على الانترنت، فإذا بي أرى في إحدى الندوات سيدة تسكن الجنات العالية تهبط إلينا بشغف للحياة عظيم، وتبث في الحاضرين من روحها ما يبدد كل كآبة ويغيِّر كل تعاسة ويحيل الحزن فرحاً، والهم فرجاً، والشر خيراً، والفقر غنىً.

نعم ... إنها المرأة التي هي غاية كل ذي إحساس بالحياة، تنفجر من بين شفتيها كلمات ترتقي بالوجدان إلى الثريا، وتخلع ابتسامتها الشقاء وتحيله سعادة أبدية.

مرت عدة أيام ولا أشغل نفسي بغيرها، حتى وجدتني أحدثها كل يوم أكثر من مرة، بل خطر ببالي أن أرسل إليها رسالة عقب كل صلاة، ومن تمام الصلاة الحمد على النعم، وأن ليس هناك نعمٌ تعدل وجودها في الحياة. أتتنفس هذه الحورية عالية المقام في هواءنا ونشعر بتلوثه؟ أتأكل من طعامنا وتشرب من شرابنا ونشكو غلاءً  أو فساداً أو تلوثاً؟

إنها نسمة طرية في قيظ الصيف الحارق، شربة ماء بعد ظمأ يكاد يقتلنا.

وتبدلت الأوضاع من النار إلى الظل، ومن الضلال إلى الهدى، ومع مزيد من القرب تجتاحني شهوة الاكتشافات الداخلية لعالمي الخاص المجهول قبل معرفتها. ألم أكن أمشى في ظلمات تامة تامة، حتى أشرقت شمسها في نفسي؟

بلى.. كانت الحياة عتمة، وجعلها الله نفحة الإشراق، فلا شقاء بعدها أبداً، ولم أفكر في تشكيل نوعية العلاقة بيننا، لم أطمع في شيء، فقط وجودها، أنفاسها، عبيرها، روحها التي تطوق الحياة كلها.

إلا أن للإنسان أعداءً كثر، من بينهم الذي وسوس لها بشيء عني فأخرني في ذهنها وقدح بي في قلبها، فصارت تتجنب الرد عليَّ إلا حرجاً أو تقديراً، ثم مع الوقت لم تعد ترد إلا بكلمات مبتورة، لا تشي بأي معنى سوى الإهمال.

أفكر أن أتقدم ببلاغ إلى النيابة العامة لتباشر التحقيقات معها، فيما أحدثته داخلي من جرح يستغرق علاجه 21 قرناً من عمر الإنسانية.

ولكني أتراجع أمام هذا الخاطر؛ ليقيني أن النيابة العامة ستدين كل أحد يشكو هذا الحُسن والجمال والألق.

كانت الأحوال قد تبدلت من اليأس إلى الأمل حين ظهرت في الحياة، فكيف بنور البصيرة يخبو مع نور البصر بغيابها.

إنها لا تغيب، لكنها تقتل بالإهمال، فهل عرف الطب عبر تاريخه الطويل علاجاً لمرضى إهمال الجميلات وذوات الحُسن والدلال؟ ألم يقتل عنترة بن شداد جيوشاً للظفر بعبلة؟ ويُصاب قيس بن الملوح بالجنون لما غادرت شمس ليلى البادية مع زوجها؟

اليوم وقد كدرت النفس وامتلأت هموماً وأوجاعاً خارجية، لا تجد ظلاً من الحرارة إلا طيفها، فإن غابت وأطالت غيابها فقد يجرفني الحريق إلى أتون لا نجاة منه.

إنها حورية البشر التي إن أسكبت بصرها بين سماواتي وأرضي أنارتهما، وإن جفلت عني أظلمت نفسي وبارت حياتي.

فيا مَن جربتم الهجر قبلي خبروني عن الجنون: كيف النجاة منه؟ أو خبروني عمن ماتوا وسبقوني: هل العشق يؤدي إلى الموت أم إلى الجنون؟
---------------------------------
بقلم: د. علاء سعد جاويش

مقالات اخرى للكاتب

وتبدلت الأحوال