كان صاحبنا يجلس وسط نفر من زملاء العمل يُعدون للمشاركة في أحد المعارض المتخصصة مع إطلاق حملة ترويجية لبعض منتجات الشركة، كانوا قد قابلوا عددًا من شركات الدعاية والترويج، وانتهوا إلى قائمة قصيرة من شركتين أو ثلاث، وجلسوا فيما بينهم يفاضلون بينها، أي منها الأجدر بإبرام العقد.
قال كبيرهم، "نحن في حاجة إلى إطلاق حملة تُعرف بالشركة وتحفر اسمها في أذهان العملاء، أكثر مما نحن في حاجة إلى حملة تروج لمنتجات"، وقد كان مُحقًا في رأيه مع شركة في مرحلة النمو، فالعميل يبحث في المقام الأول عن ماركة (اسم) يطمئن إليها، لديها من تاريخ ورصيد الأعمال ما يبُث الطُمأنينة في صدور المشترين، يرى الزبون شعارها فيدفع الثمن وهو قانع بأنه، وإن كان قد دفع سعرًا أعلى، فقد حصل على طلبه، سلعة ذات جودة عالية، تساندها خدمة متميزة بعد البيع.
وعقب أوسطهم، "لا أُخفي إعجابي بتصميم الشركة (ب)، لكن ملاحظتي الوحيدة، ارتفاع السعر مقارنة بالآخرين"، ثم هز رأسه في إشارة إلى إقراره بتميز التصميم، وأردف "تكلفة الخامات المستخدمة لا تكاد تُذكر، ولا أدري سببًا لهذا السعر المبالغ فيه".
ابتسم كبيرهم وعقب، "إنه ثمن الفكرة.. الفكرة أغلى مكونات الإنتاج"، وهنا عاد أوسطهم وهز رأسه مؤيدًا ولسان حاله يقول "اتفق معك!".
أخذني هذا الحوار إلى التفكير في كيف نُقيم ما يٌعرض علينا؟، وما هي أدواتنا للاستدلال والتقييم؟، وما هو المنهج الذي نسترشد به في تقييمنا للأفكار؟
في كتابها المعنون "عقلية الكشاف The Scout Mindset" تُعرف جوليا جالف الفكرة (Idea) بأنها "تصور ذهني عن شيء ما في الواقع، علينا أن نتعامل معه باعتباره قابلاً للمراجعة وليس حقيقة يجب الدفاع عنها"، وتميز المؤلفة بين منهجين في التعامل مع الأفكار؛ الأول هو عقلية الجندي، الذي ينصب تركيزه على الدفاع عن الفكرة، والبحث عن الأخطاء في آراء الآخرين، وتفسير المعلومات بما يتفق مع رأيه، وعادة ما يقع أصحاب هذا المنهج في خطأ صياغة السؤال الجوهري عند طرح أفكارهم، فبدلاً من أن يسأل الواحد منهم: هل فكرتي صحيحة؟، نجده يطرح سؤالاً يضعه في زاوية المدافع: كيف أُثبت أن فكرتي صحيحة؟.
في المقابل لا ينظر الكشاف إلى الواقع باعتباره معركة يجب أن ينتصر فيها، بل يتبع منهج الإمام الشافعي حين قال (ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يظهر الله الحق على لسانه أو لساني)، وهنا يؤسس الإمام لقاعدة مفادها البحث عن الحقيقة، من دون اكتراث بمن تظهر الحقيقة على يديه.
ولتحويل الفكرة من إطارها النظري إلى فعل عملي، يمكننا إخضاع الفكرة لثلاث مستويات فحص رئيسية تُشكل منهجاً أولياً للتقييم: أولاً؛ القابلية للتطبيق، بمعنى هل لدينا القدرة والأدوات لتحويلها إلى واقع؟ ثانياً؛ الأثر والمتطلبات متمثلين في القيمة الحقيقية التي تُضيفها الفكرة، ومدى استحقاقها للتمويل المطلوب، وأخيرًا؛ مستوى المرونة والمخاطر ومدى القدرة على التكيف. وينقلنا طرح هذه الأسئلة من الاستسلام لانطباعاتنا التي شكلتها عوامل يصعب الثقة فيها، إلى التقييم الموضوعي للجوهر.
وتحذر جوليا من أن أخطر ما تتعرض له الأفكار يكمن في "الانطباعات Perception"، مثال ذلك إهمال الفكرة والتقليل من شأنها قياسًا على صاحبها، فإذا كان صاحب سلطة أو مركز اجتماعي قوبلت الفكرة بالترحيب والإشادة، وإن كان غير ذلك تبارت الألسنة في التهكم والتسفيه، ولدينا من التجارب العالمية ما يُبرهن على ذلك.
في عام 1975 صمم ستيف ساسون أول كاميرا رقمية محمولة، رفضوها رؤساؤه في شركة كوداك لسببين، بدائية التصميم وكونها –الكاميرات الرقمية- ضد سياسة الشركة المعتمدة على صناعة الأفلام، والتحميض، والطباعة. ما حدث بعد ذلك وعلى مدار أربعة عقود، ظلت إدارة الشركة ترفض التحول للكاميرات الرقمية مبررة ذلك بأنه: "سبق مناقشة هذا الأمر من قبل ورُفض"، لم تنتبه الشركة إلى التطور التكنولوجي عبر هذه السنوات الطويلة، لتجد نفسها في عام 2012 مضطرة لإعلان إفلاسها.
والأمثلة المشابهة لهذا الأمر عديدة ومتكررة، شركة IBM ومنهج إدارتها لاستثمارات الحاسبات الشخصية، نوكيا والتمسك بنظام التشغيل القديم على حساب آندرويد، موتورولا والدفاع المستميت عن أن الهواتف للمكالمات فقط، في الوقت الذي كان فيه الآخرون يضيفون خدمات جديدة مع كل إشراقة شمس، تساهم في توسع قاعدة العملاء والمبيعات.
وكذلك، جمود مصانع السيارات الأمريكية أمام التطور الهائل والمتسارع من حيث جمال وانسيابية التصميم، وارتفاع كفاءة المحركات، مع الانخفاض في استهلاكات الوقود في أوروبا واليابان.
كل هذه النماذج كانت أمثلة لأفكار رفضتها شركات فخسرت وخرجت من السباق، بينما تبنتها شركات أخرى كانت تمتلك من المرونة والرؤية المستقبلية ما ممكنها من الريادة وامتلاك ناصية المستقبل.
وإذا كانت هذه الحالات على مستوى الشركات، فقد كانت نقلة الصين من دولة زراعية في المقام الأول إلى دولة تبتكر أحدث التقنيات نتاج أفكار طرحها وتبناها دينج شياو بينج. وكذلك كانت هزيمة ألمانيا وتقسيمها بعد الحرب العالمية الثانية جراء أفكار سمو الجنس الآري التي اعتنقها هتلر.
وحتى تكون الأمور أكثر إيضاحًا، فإن الفكرة وحدها لا تكفل إحداث تحول جوهري، ما لم ترتبط بأدوات تنفيذية فعالة تجعل منها واقعًا يطور ويحسن، بحسب المجال.
ولعل هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أهمية الفكرة، وكيف أن مناقشتها على أسس علمية مع تجنب الانطباعات الـمُسبقة، هو ما ميز شركة عن شركة، ومن ثم كان سببًا في تحسن ونمو اقتصاد دول عن دول أخرى، من أجل هذا تخصص الشركات العالمية ميزانيات هائلة للبحث والتطوير تقدر بمليارات الدولارات في بعضها، لهدف واحد يتمثل في احتواء الأفكار المطروحة، وبحث سبل تحويلها إلى منتجات تجارية، دون اتهام القائمين على أبحاث أُنفق عليها ملايين الدولارات وانتهت إلى عدم جدواها بإهدار المال.
إن أمة تسعى لتتقدم الصفوف، عليها أن تُفسح المجال أمام عقول أبنائها لتفكر، وتجرب، فتصيب وتخطيء، ومن قبل علمنا المصطفى (ﷺ) أن من اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
من هنا، نجد أن التطور الحضاري للإنسان على وجه الأرض كان مرده إلى قدرته على اقتراح فكرة، ثم البناء عليها ما ثَبُتت جدواها، ليصبح لدينا على مدار آلاف السنوات رصيد معرفي تطورت فيه الأفكار من شكل إلى آخر، فانتقلنا من عصر الحجارة إلى عصر الذكاء الاصطناعي.
إن بيئة صحية تنبت وتستزرع فيها الأفكار لكفيلة بتحويل مسار شركة من طفل يحبو إلى عملاق يجري، وكذلك الدول!
----------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






