28 - 09 - 2026

مصر التي نريدها.. الإصلاح السياسي والاقتصادي طريق واحد

مصر التي نريدها.. الإصلاح السياسي والاقتصادي طريق واحد

تمر مصر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع اضطرابات إقليمية ودولية متسارعة، وهو ما يفرض علينا أن ننظر إلى المستقبل بعقل هادئ، وأن نراجع السياسات والأولويات، لا من منطلق التشكيك في الدولة أو مؤسساتها، وإنما من منطلق الحرص على زيادة قدرتها على مواجهة التحديات وحماية مصالح مواطنيها.

لقد حققت الدولة خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في استعادة الاستقرار الاقتصادي ورفع معدلات النمو وتحسين بعض المؤشرات الخارجية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، وأن نمو الناتج الحقيقي بلغ نحو 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، مع توقع نمو يبلغ 4.4% في السنة المالية 2026/2027. وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك تحديات كبيرة تتمثل في ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، وارتفاع تكلفة المعيشة، والحاجة إلى زيادة الاستثمار الخاص والإنتاج المحلي.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: كيف نعالج الأزمة الاقتصادية الراهنة؟ وإنما أيضًا: كيف نغير طريقة إدارة الاقتصاد والدولة بحيث لا تتكرر الأزمات بالصورة نفسها؟

حكومة جديدة بعقل اقتصادي وسياسي

إن مواجهة هذه المرحلة تتطلب حكومة تقوم على الخبرة الاقتصادية والسياسية والإدارية، وعلى اختيار الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين وفق معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، وليس فقط على أساس الثقة الشخصية.

فالقاعدة الإدارية البسيطة هي: الرجل المناسب في المكان المناسب.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الثقة، وإنما وضعها في إطارها الصحيح؛ فالثقة الحقيقية ينبغي أن تُبنى على الكفاءة والنزاهة والقدرة على تنفيذ السياسات العامة وتحمل المسؤولية ومحاسبة المقصر.

كما أن مصر تحتاج إلى منظومة واضحة لتقييم أداء الحكومة والمحافظين والمسؤولين، بحيث تكون لكل وزارة ومحافظة أهداف محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وبرامج زمنية معلنة، ومتابعة دورية لما تحقق وما لم يتحقق وأسباب ذلك.

الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي وجهان لعملية واحدة

لا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي عن الإصلاح السياسي.

فالاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات قوية، ومشاركة مجتمعية، وشفافية، ورقابة فعالة، وتداول للمعلومات والآراء، وإدارة محلية قادرة على اكتشاف مشكلات المواطنين وحلها.

والدستور المصري نفسه ينص على انتخاب المجالس المحلية بالاقتراع المباشر، ويمنحها اختصاصات في متابعة خطط التنمية والرقابة على الأجهزة التنفيذية.

ومن ثم فإن الإسراع بإجراء انتخابات المحليات، وتطوير النظام الانتخابي بما يسمح بتمثيل حقيقي للمواطنين والقوى السياسية والاجتماعية، يمثلان خطوة مهمة لاستكمال البناء المؤسسي للدولة، خاصة أن قضية المحليات ظلت مطروحة منذ سنوات.

من اقتصاد إدارة الأزمة إلى اقتصاد الإنتاج

مصر في حاجة إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي يقوم على الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة، ويزيد الصادرات ويخفض فاتورة الاستيراد ويخلق فرص العمل.

ولا يكفي أن يرتفع معدل النمو إذا لم يشعر المواطن بانعكاس هذا النمو على دخله وفرص العمل ومستوى الخدمات.

ولهذا ينبغي أن تكون الأولوية لتوطين الصناعة، وتعميق المكون المحلي، وتطوير الزراعة، وتحسين الإنتاجية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم الفني بسوق العمل، ودعم القطاعات القادرة على التصدير.

وهذا يتفق مع الحاجة التي أشار إليها صندوق النقد إلى تعزيز القطاع الخاص والمنافسة وتقليل المخاطر المرتبطة بارتفاع حضور الدولة الاقتصادي، مع تسريع الإصلاحات الهيكلية.

المواطن يجب أن يكون محور السياسة الاقتصادية

الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد أرقام عن الموازنة والدين والنمو والتضخم؛ فهذه الأرقام مهمة، لكنها في النهاية وسائل وليست غايات.

الغاية هي تحسين حياة الناس.

ومن الضروري أن تتجه السياسات بصورة أكبر إلى زيادة الدخول الحقيقية، وتوفير فرص العمل، وتحسين التعليم والصحة والنقل والإسكان والخدمات، وحماية أصحاب الدخول المحدودة، مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية بصورة أكثر استهدافًا وعدالة.

كما أن العدالة الاجتماعية لا تعني تعطيل الاستثمار أو معاقبة أصحاب الثروات، وإنما تعني أن يتحمل كل طرف نصيبه العادل من أعباء الإصلاح، وأن تكون هناك شفافية في مصادر الثروة، وتطبيق للقانون والضرائب على الجميع دون استثناء.

إن تحميل الفئات محدودة الدخل وحدها تكلفة الإصلاح الاقتصادي، في الوقت الذي تظهر فيه مظاهر استهلاك شديد الثراء لا يشعر معها المواطن البسيط بالعدالة، يمكن أن يضعف الثقة المجتمعية في عملية الإصلاح.

مواجهة الاحتكار وضبط الأسواق

لا يمكن بناء اقتصاد إنتاجي مع استمرار اختلالات الأسواق أو الممارسات الاحتكارية.

ومن الضروري تقوية أجهزة حماية المنافسة ومنع الاحتكار، ومواجهة الممارسات التي تؤدي إلى رفع الأسعار دون مبرر، وتحسين منظومة الرقابة على الأسواق، مع توفير المعلومات للمستهلك.

وفي الوقت نفسه ينبغي الانتقال من الرقابة التي تعتمد فقط على الحملات الموسمية إلى منظومة مستمرة تعتمد على البيانات والتكنولوجيا وتحليل حركة الأسعار وسلاسل الإمداد.

لا مشروع قومي بلا دراسة جدوى ومتابعة

لقد أصبح من الضروري أن تقوم المشروعات الكبرى للدولة على دراسات جدوى اقتصادية واجتماعية وبيئية دقيقة، تحدد التكلفة والعائد ومصادر التمويل والجدول الزمني وآثار المشروع على التشغيل والإنتاج والصادرات.

ولا تكفي دراسة الجدوى عند بداية المشروع؛ بل يجب أن تصاحبها منظومة متابعة وتقييم أثناء التنفيذ وبعد التشغيل.

فالهدف ليس فقط إقامة المشروع، وإنما ضمان أن يحقق النتائج التي أنشئ من أجلها.

تقليل الاعتماد على الاقتراض

يشير صندوق النقد إلى استمرار ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية، مع توقع استمرارها عند مستويات مرتفعة خلال السنوات المقبلة.

ولذلك ينبغي أن يكون تقليل الاقتراض الخارجي والداخلي هدفًا استراتيجيًا، من خلال زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار الخاص والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، وتعظيم إيرادات قناة السويس، وترشيد الإنفاق، وزيادة الإيرادات العامة من خلال توسيع القاعدة الضريبية ومحاربة التهرب، وليس فقط زيادة الأعباء على الملتزمين.

التعليم والصحة والثقافة والأمن الفكري

لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون إصلاح التعليم والصحة.

فالتعليم هو الاستثمار الأطول عمرًا في الإنسان، والصحة شرط أساسي للإنتاج، والثقافة هي إحدى أدوات بناء الوعي الوطني.

ومن هنا يجب أن يتكامل الإصلاح الاقتصادي مع تطوير التعليم العام والفني، وتحسين الخدمات الصحية، وإعادة الاعتبار للثقافة والفنون والقراءة، ومواجهة الفكر المتطرف بالحجة والعلم والثقافة، وليس فقط بالإجراءات الأمنية.

فمحاربة الإرهاب لا تقتصر على مواجهة التنظيمات، وإنما تشمل أيضًا تجفيف منابع الفكر المتطرف وبناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والدعاية.

إعلام يعبر عن المجتمع

تحتاج مصر كذلك إلى إعلام مهني قوي، يتيح الرأي والرأي الآخر، ويفتح المجال للنقد الموضوعي، وينقل مشكلات المواطنين إلى المسؤولين، وفي الوقت نفسه يعرض ما تقوم به الدولة من مشروعات وإنجازات.

فالإعلام الذي يسمع المواطن صوته للدولة يساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا، ويزيد من قدرة الدولة على التصحيح.

سياسة الباب المفتوح وسرعة حل مشكلات المواطنين

من المهم أن تعود سياسة الباب المفتوح إلى صدارة الإدارة المصرية.

ينبغي ألا ينتظر المواطن شهورًا حتى يصل إلى المسؤول، وألا تتحول المشكلة البسيطة إلى أزمة بسبب تعقيد الإجراءات أو غياب التنسيق بين الأجهزة.

والدولة الحديثة هي التي تقيس نجاح الإدارة بسرعة حل المشكلة، وليس بعدد القرارات التي تصدرها.

نحو عقد جديد للإدارة والتنمية

إن ما تحتاجه مصر اليوم ليس مجرد تغيير أشخاص، وإنما تطوير طريقة التفكير والإدارة وتحديد الأولويات.

نحتاج إلى حكومة ذات رؤية اقتصادية وسياسية واضحة، ومسؤولين يتم اختيارهم على أساس الكفاءة والخبرة، واقتصاد إنتاجي يولد فرص العمل، وعدالة اجتماعية تحمي محدودي الدخل، وتعليم وصحة وثقافة أفضل، وأسواق أكثر انضباطًا، وإعلام أكثر مهنية، ومجالس محلية منتخبة، ومشاركة سياسية أوسع.

وفي ظل الظروف الإقليمية شديدة الاضطراب، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء جبهة داخلية متماسكة يشعر فيها المواطن بأن الدولة تنحاز إلى القانون والعدل وتكافؤ الفرص، وأن أعباء الإصلاح موزعة بصورة عادلة.

إن مصر لا تملك رفاهية استمرار السياسات بالطريقة نفسها لعقد آخر؛ كما أنها لا تحتاج إلى هدم ما تحقق، وإنما إلى تصحيح المسار، وتغيير الأولويات، والاستفادة من الخبرات، وفتح المجال أمام الأفكار الجديدة والحلول غير التقليدية.

والهدف في النهاية ليس تغييرًا من أجل التغيير، وإنما بناء دولة أكثر كفاءة وعدالة، واقتصاد أكثر إنتاجًا، ومجتمع أكثر تماسكًا، ومواطن يشعر أن ثمار التنمية تصل إليه.
------------------------------
بقلم: كامل السيد
* أمين حزب التجمع بالقليوبية

مقالات اخرى للكاتب

كفى عبثًا بأحلام أصحاب المعاشات