27 - 09 - 2026

حين خرج عبدول السيد من ديربورن ودخلت أمريكا إليها!

حين خرج عبدول السيد من ديربورن ودخلت أمريكا إليها!

عبد الرحمن السيد يقف الآن في تلك المسافة الدقيقة بين أن تكون مرشحا عاديا تنتصر أو تهزم وبين أن يؤسس لتحول تاريخي في تاريخ أمريكا السياسي المعاصر. فهو ابن مهاجر مصري، مسلم، طبيب، نشأ في ميشيغان، وكان يمكن أن تختصره أمريكا بسهولة في هذه الكلمات الأربع، فيصبح المرشح العربي المسلم الذي يحمل إلى واشنطن مظالمهم، ويطلب لهم مكانا أوسع حول المائدة. لكنه فهم، أن الطريق الحقيقي إلى قلب السياسة الأمريكية لا يبدأ بأن تطلب من المائدة كرسيا للأقلية التي تنتمي إليها، بل بأن تسأل من صنع المائدة، ومن يجلس حولها، ومن يدفع ثمن الطعام، ولماذا بقي الملايين واقفين خارج الغرفة. وهنا تكمن ظاهرة عبد الرحمن أو عبدول السيد. فهو ليس أول عربي أمريكي يدخل السياسة، ولا أول مسلم يترشح لمنصب كبير، ولا أول تقدمي يهتف ضد نفوذ الشركات، ولا أول ابن مهاجر يقف أمام جمهور أبيض ويحدثه عن أمريكا. لكن الجديد في تجربته أن الهوية عنده لا تبدو الحيز الذي يسكن فيها خطابه، بل الباب الذي خرج منه إلى خطاب أوسع. وهذه نقلة بالغة الأهمية في تاريخ العرب والمسلمين الأمريكيين من السياسة الأمريكية. 

فالسياسة المهجرية التقليدية تقول للأمريكي أنا عربي، وهذه قضيتي، وأريد منك أن تفهمها. أما السيد فيحاول أن يقول أنا أعرف هذه القضية لأنني عربي، لكنني أعرف أيضا لماذا لا تستطيع دفع فاتورة الطبيب، ولماذا أغلق المستشفى في بلدتك، ولماذا ارتفع ثمن الطعام، ولماذا يذهب مالك إلى حرب لا تريدها، ولماذا يستطيع الملياردير أن يصل إلى السيناتور بينما تقضي أنت ثلاثة أشهر تنتظر موعدا مع طبيب. وبذلك لا يطلب من العامل في مدينة فلنت أن يدخل إلى القضية العربية. إنما يأخذ القضية العربية ويضعها إلى جوار فاتورة العامل في فلنت، ثم يقول لهما.. انظرا جيدا قد يكون في القصتين شيء من النظام نفسه. وهذه صناعة سياسية أذكى كثيرا من سياسة الهوية.

لقد حاول عبدول السيد هذا الطريق من قبل. في 2018 جاء شابا يريد منصب حاكم ميشيغان، تحمله موجة بيرني ساندرز واليسار الجديد، ويتحدث عن Medicare for All او الرعاية الصحية للجميع وعن الشركات وعن المال في السياسة. وخسر الانتخابات التمهيدية. وكان يمكن أن تكون تلك نهايته. لكن الهزيمة أحيانا تعلم السياسي ما لا يعلمه النصر بأن الحماسة ليست ائتلافا، وأن الجماعة التي تصفق لك ليست بالضرورة الولاية التي تنتخبك، وأن السياسة الأمريكية لا يكفي فيها أن تكون صاحب قضية فينبغي أن تجعل الآخر يكتشف أن قضيتك تتحدث عنه أيضا.

عاد بعد ثماني سنوات أكثر خبرة، وفاز في أغسطس الماضي بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ، رغم معارضة مؤسساتية وإنفاق خارجي هائل ضده. واليوم أصبح الحزب الذي خاض معه معركة التمهيد يرسل كامالا هاريس إلى ديترويت لتقف إلى جانبه. وتلك وحدها صورة تستحق التأمل. الرجل الذي كان السؤال قبل أسابيع هل يستطيع اختراق المؤسسة، أصبحت المؤسسة تسأل كيف تجتمع حوله. وليس معنى ذلك أنه سينتصر ولا أن ميشيغان كلها معه. فالانتخابات العامة شيء آخر تماما، وخصوم السيد يحاولون بالفعل جعل دينه ومواقفه من إسرائيل جزءا مركزيا من المعركة. وقد وثقت تقارير حديثة تصاعد خطاب معاد للمسلمين حول ترشحه، فيما تظل مواقفه من غزة وإسرائيل من أكثر عناصر حملته إثارة للانقسام. لكن التاريخ لا يبدأ دائما بانتصار كامل. أحيانا يبدأ بأن يصبح ما كان مستحيلا بالأمس قابلا للنقاش اليوم.

وهنا ينبغي أن نقرأ السيد إلى جوار التحول الأوسع في اليسار الأمريكي. كان اليسار الأمريكي زمنا طويلا يتحدث لغة الجامعات أكثر مما يتحدث لغة محطات البنزين. كانت له قاموسياته، وهوياته، ومصطلحاته، ومعاركه الثقافية التي يفهم بعضها من قضى عشرين عاما في الندوات أكثر مما يفهمها عامل قضى عشرين عاما في المصنع. ثم جاء جيل جديد يتعلم شيئا قديما جدا بأن الفقير الأبيض والفقير الأسود والمهاجر العربي والأم العزباء لا يشتركون بالضرورة في الهوية، لكنهم قد يشتركون في الفاتورة. وهذه هي العبقرية القديمة للشعبوية حين تحسن استخدامها. بأن تحول السياسة من سؤال من أنت؟ إلى سؤال: من أخذ منك ماذا؟

وهذا تحديدا ما يفعله السيد عندما يحاول خصومه جره إلى اسمه أو دينه أو غزة، فيعيد الحديث إلى الأسعار والرعاية الصحية والرسوم الجمركية والحرب وما تدفعه الأسرة في ميشيغان. في مقابلته الأخيرة مع CBS حاول تحويل الهجوم عليه من سؤال عن هويته وتحالفاته إلى سؤال عن البنزين والبقالة والطبيب والحرب. لا يسمح لخصمه بسهولة أن يحدد له المسرح الذي يقف عليه. وهذا هو الفارق بين المهاجر الذي يدخل السياسة والسياسي الذي يعيد تعريف معنى الهجرة داخل السياسة. المهاجر الأول يقول انظروا إلي، لقد أصبحت أمريكيا مثلكم. أما الثاني فلا يعود محتاجا إلى هذه الجملة أصلا. يقف ويتحدث عن ضريبة الأمريكي، ومستشفى الأمريكي، وابن الأمريكي الذي يذهب إلى الحرب، والطريق الأمريكي المتكسر، والشركة الأمريكية التي تشتري النفوذ؛ فإذا أراد خصمه أن يذكره بأن أباه جاء من مصر، بدا الخصم نفسه كأنه الرجل الذي لم يفهم أن الحكاية انتقلت إلى مكان آخر. وهذه لحظة أنثروبولوجية قبل أن تكون انتخابية. لأن الجاليات لا تندمج في الأمم عندما تختفي أسماؤها الأجنبية. تندمج حين تتوقف قضاياها عن أن تكون قضايا الجالية وحين يصبح الفلسطيني الذي يتحدث عنه العربي قضية يناقشها طالب في جامعة ويسكونسن. وحين يصبح المستشفى الذي أغلق في بلدة بيضاء قضية يتحدث عنها طبيب اسمه عبدول السيد.

وحين يستطيع الرجل أن يقول إن شاء الله على منصة انتخابية أمريكية، فيحاول خصومه تحويل الكلمة إلى علامة اغتراب، بينما يسمعها جزء آخر من الجمهور كما يسمع أي أمريكي عبارة God willing. وقد حدث ذلك حرفيا بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية إذ انتزعت العبارة من سياقها واستعملت في حملة صورتها باعتبارها دليلا على تهديد إسلامي، مع أن العبارة جاءت في سياق حديثه عن أمله في ألا يستطيع المال وحده شراء الانتخابات. فالجالية العربية في أمريكا عاشت زمنا طويلا وهي تتعامل مع السياسة من باب أزمات الوطن القديم وتريد من الوطن الجديد أن يفعل شيئا بشأنها. فلسطين. لبنان. العراق. الهجرة. التمييز. التأشيرات.

وكان السياسي الأمريكي يأتي إلى ديربورن في موسم الانتخابات، يأكل شيئا شرقيا، يتعلم نطق اسمين عربيين، يقول جملة عن التنوع، ثم يعود إلى أمريكا الكبرى. لكن شيئا تغير. ديربورن لم تعد تريد زيارة من أمريكا. إنها تريد أن تكون جزءا من تعريف أمريكا. وهنا تكمن القيمة التاريخية المحتملة لظاهرة السيد. ليس لأنه سيجعل أمريكا عربية. ولا لأن العرب سيستولون على الحزب الديمقراطي، وهي أوهام لا تصف الواقع. بل لأن جيلا جديدا من الأمريكيين العرب بدأ يتعلم أن القوة السياسية لا تأتي من أن تكون كتلة يتودد إليها الآخرون، وإنما من أن تصبح جزءا من التحالف الذي يحدد ما يتودد الآخرون إليه أصلا.

ولهذا كانت حركة غير ملتزم في 2024 لحظة مهمة. للمرة الأولى لم يقل جزء معتبر من عرب ومسلمي ميشيغان للديمقراطيين فقط نحن غاضبون من غزة. قالوا شيئا أكثر أمريكية في منطقه السياسي لدي أصوات، وسأستخدمها للضغط على حزبي. وهذا انتقال من سياسة الشكوى إلى سياسة القوة. والسيد كان جزءا من تلك اللحظة، ثم أيد هاريس بعد أن أصبحت مرشحة الحزب. واليوم تقف هاريس نفسها معه رغم الخلاف العميق بينه وبين إرث إدارة بايدن-هاريس في غزة. وهذه السياسة حين تنضج فيها الجماعة من كونها جمهورا إلى كونها رقما لا يمكن تجاوزه.

لكن الأعجب أن السيد، لكي ينجح في تمثيل هذه الأقلية، يحتاج إلى ألا يبدو ممثلها وحدها. وهذه هي المعادلة التي فهمها السياسيون الكبار من الأقليات في أمريكا. لا تدخل التاريخ لأنك تقول للبلاد إن جماعتك تستحق مكانا. تدخله حين تستطيع جماعتك أن ترى نفسها فيك، ويرى الآخرون أنفسهم فيك أيضا. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لعبدول السيد ليس عدد الأصوات العربية التي يحصل عليها في ديربورن. تلك هي الأصوات السهلة نسبيا. الاختبار هو الرجل في بلدة صغيرة لا يعرف مصر، ولم يزر مسجدا، وربما لا يتفق معه في غزة، لكنه يسمعه يتحدث عن المستشفى الذي أغلق في منطقته فيقول هذا الرجل يتحدث عني.

دخل الأيرلندي إلى السياسة الأمريكية متهما بأن ولاءه للبابا. ودخل الكاثوليكي وهو مطالب بإثبات أن روما لن تحكم واشنطن. ودخل اليهودي. ودخل الأسود. ودخلت المرأة. وفي كل مرة كانت أمريكا تضع القادم أمام امتحان سخيف وعميق في آن واحد أن أثبت أنك منا. ثم يأتي جيل لا يفهم لماذا كان السؤال مطروحا أصلا. ربما لا نزال بعيدين عن تلك اللحظة بالنسبة للعربي والمسلم الأمريكي. والهجمات على السيد تثبت ذلك. لكن التاريخ لا يتحرك بالقفز دائما. يتحرك بأن يصبح الاسم الذي كان يحتاج بالأمس إلى تفسير، اسما مطبوعا اليوم على بطاقة اقتراع لمجلس الشيوخ. ولهذا لا تكمن قصة عبدول السيد في عبدول السيد وحده. إنها قصة جالية تغير موقعها في الجملة الأمريكية. كانت زمنا مفعولا به في السياسة الأمريكية وتراقب الحرب التي تقررها واشنطن في بلادها. وتراقب قوانين الهجرة. وتراقب خطاب الإرهاب. وتراقب السياسيين وهم يتحدثون عنها. ثم بدأت تتحول إلى فاعل فتصوت. وتعاقب. وتنظم. وتمول. وترشح. وتدخل الحزب لكي تشارك في تحديد ما سيفعله بالبلاد. وما بين المفعول به والفاعل مسافة أجيال.

وقد يكون هذا، في النهاية، أهم ما ينبغي مراقبته في ظاهرة السيد. ليس هل ينتصر في نوفمبر فتلك معركة انتخابية مفتوحة، ولا يصح اختزال معنى الظاهرة في نتيجتها. إنما هل تنجح اللغة التي يمثلها في البقاء؟ هل يستطيع العربي الأمريكي أن يحمل فلسطين من غير أن يحبس نفسه داخل فلسطين؟ هل يستطيع المسلم أن يكون مسلما من غير أن تتحول كل مقابلة معه إلى استفتاء على الإسلام؟ هل يستطيع ابن المهاجر أن يتحدث عن أبيه، ثم ينتقل في الجملة التالية إلى عامل السيارات، وفي الثالثة إلى الممرضة السوداء، وفي الرابعة إلى المزارع الأبيض، فلا تبدو القصص الأربع متجاورة بل قصة أمريكية واحدة؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون عبدول السيد قد غير موقع جالية في الحزب الديمقراطي فقط. سيكون قد شارك في شيء أدق وهو تغيير الطريقة التي تتخيل بها الجالية نفسها. فأخطر سجن يمكن أن يسكنه المهاجر ليس الحي الذي تجمع فيه أبناء بلده، بل الفكرة التي تقنعه بأن قضايا الحي هي حدود عالمه السياسي. والسيد يحاول الخروج من هذا السجن من غير أن ينكر الحي الذي جاء منه. لا يخفي اسمه. ولا دينه. ولا موقفه من غزة. لكنه لا يجعلها نهاية الجملة.
--------------------------------
بقلم: محمد معوض
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)


مقالات اخرى للكاتب

الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى يشهد حفل تخرجالدفعة (163) ضباط صف مُعلمين