26 - 09 - 2026

إبداعات | حلم أبي - قصة قصيرة

إبداعات | حلم أبي - قصة قصيرة

تساقطت الدموع من عيني سلمى وهي تتسلّم شهادة التكريم الأولى في حياتها من رئيس الجمهورية.

كانت تقف على المنصة ويداها باردة كأنها خرجت من الفريزر ، ترتجفان ، غير مصدقة أن تلك اللحظة التي حلمت بها كثيرًا أصبحت حقيقة.

سألها الرئيس مبتسما: ناوية على ايه في المستقبل، ردت سلمى بخجل نفسي ابقى مذيعة اخبار، قال الرئيس إن شاء الله نشوفك مذيعة..

و اثناء نزولها عن المنصة نظرت إلى الشهادة بين يديها، ثم إلى أبيها الجالس بين الحاضرين.

كان يصفق بحرارة، وعيناه تلمعان بفخر لم تحاول إخفاءه.

وفجأة، وسط أصوات التصفيق، عاد إليها صوته القديم:

«سلمى... ذاكري كويس. نفسي أشوفك دكتورة.»

ابتسمت.

لم يكن أبوها رجلًا قاسيًا، ولم يكن يومًا بخيلا، بل كان يعمل ساعات طويلة ليوفر لها و لإخوتها مطالبهم.

كان يملك طريقة خاصة في الحب؛ كان يرسم مستقبل أبنائه في خياله، ثم يتمنى أن يعيشوا داخله.

كان دائما يراها طبيبة.

أما سلمى، فكانت تطاردها نداهة الصحافة و تحاصرها..

كانت تحب الكتب والصحف، وتجلس أمام المرآة ممسكة بقلم في يدها، تتخيله ميكروفونًا، ثم تبدأ في قراءة الأخبار بصوت جاد:

مساء الخير... إليكم أهم الأخبار.

وحين يمر أبوها أمام غرفتها ويسمعها، كان يضحك ويقول: سيبي الكلام ده وذاكري، عايز أشوفك دكتورة.

فترد وهي تضحك: يا بابا، أنا في القسم الأدبي!

وبعدين أنا نفسي أبقى صحفية.

لكن الأب كان يسمع الصوت لكنه لا يسمع الكلمات، فرأسه مشغول دائما، عمل ومسؤوليات وفواتير لا تنتهي.

في يوم التكريم، لم يتذكر الأب كل تلك التفاصيل.

كان يرى ابنته فقط فوق المنصة، تحمل شهادة التفوق و يتخيلها و هي في المستشفى تعالج المرضى و هو يقول لكن يمرض من اهل الحي .. لما تيجي سلمى من المستشفى هاقول لها تمر عليك و تكشف على حالتك.

تخيل نفسه يقف بين الناس ويقول بفخر: دي بنتي الدكتورة سلمى.

*المفاجأة

بعد أسابيع، جاءت سلمى تحمل خبر قبولها في كلية الإعلام.

نظر الأب إلى الورقة، ثم إلى ابنته.

ظل صامتًا لحظات.

سألها:

إعلام إيه بس؟

قالت بهدوء:

أيوه يا بابا إعلام لان حلمي ابقى مذيعة ..

مش كان ممكن تدخلي كلية تانية؟

ابتسمت، أنا بحب الإعلام يا بابا.

أعاد إليها الورقة و عينيه مليئة بالإحباط قائلا:

ربنا يوفقك.

كانت الجملة بسيطة، لكنها كانت أول مرة تشعر فيها سلمى أن والدها ترك لها مساحة صغيرة من الطريق.

كبرت سلمى.

دخلت الجامعة، وتعلمت كيف تبحث عن الخبر، وكيف تسأل، وكيف تستمع، وكيف تحكي حكايات الناس.

جذبت إهتمام أساتذتها و كانت كلمات الرئيس التي اذيعت عبر الشاشات أثناء التكريم مفتاح فتح لها ابوابا لم يكن من السهل أن تفتح ..

و بدأت أنشطة اعلامية في الجامعة و فرص تدريب في صحف و قنوات خاصة .

أبوها يراقبها من بعيد.

كلما رآها تحمل أوراقها وتركض هنا و هناك، كان يقول لأمها:

البنت دي بتتعب نفسها قوي على ايه بس ده كله شغل بدون أجر، ثم يتساءل: و هي لما تتخرج هتفضل تشتغل مجانا !

فترد الأم:سيبها يا أبو سلمى تجري وراء حلمها ما حدش عارف يمكن ربنا يوفقها ..

يبتسم الأب دون أن يجيب.

مع كل عريس يتقدم الأب يقول زواج البنت سترة .. يا بنتي ده عريس كويس ..

لكن سلمى كانت لا ترى إلا حلمها ..

جلس الأب مع زوجته بعد تخرج سلمى و هو مهموم .. البنت مالهاش غير بيتها... والجواز سترة و بنتك دايما ترفض و أهي اتخرجت .. ناقص ايه بقى .. شوفي حل خلينا نفرح بها ..

سمعت سلمى .. وصلتها الكلمات...

وضعت القلم فوق دفترها، وبقيت صامتة للحظات ثم خرجت و قبلت رأس ابيها و قالت له .. ما تقلقش عليا يا بابا و اديني فرصة أحقق حلمي .. انا عملت شغل هايل في فترة التدريب و باقي خطوات بسيطة اكون مذيعة ..

سكت الأب لكنه لم يصدق أن سلمى سوف تجد فرصة.

أما سلمى فكانت تعرف أنه يتحدث من خوفه عليها، ومن أفكار تربى عليها وظل يحملها معه.

لكنها كانت تتمنى أن يفهم شيئًا واحدًا:

أن البيت الذي يحلم به لها، يجب ألا يكون قفصًا يباعد بينها و بين حلمها.

فتحت دفترًا صغيرًا، وكتبت في الصفحة الأولى:

نشرة اخبار التاسعة تقدمها: سلمى سالم

و مع العمل في إحدى القنوات الخاصة بدأ الحلم يتحول الى واقع و بدأت العمل بأجر و مع أول مرتب حملت جنيهاتها القليلة الى والدها ليفرح معها ..

كانت تقرأ أخبارًا صغيرة، ثم أخذ اسمها يظهر على الشاشة شيئًا فشيئًا.

كان أبوها يتابعها من بعيد.

كلما ظهرت في التلفزيون، كان ينادي أمها:

تعالي شوفي سلمى بنتي ..

فتضحك الأم:

ما إحنا عارفين إنها بنتك، قال يعني بنتك لوحدك، ما هي بنتي انا كمان...

فيجيب:

عارف يا ستي... بس شوفي ثقتها وهي بتتكلم، البنت فعلا موهوبة و انا اللي كنت موش واخد بالي.

وفي مساء يوم، كان الأب نائمًا على الأريكة أمام التلفزيون.

دخلت الأم مسرعة.

هزته من كتفه: اصحى يا سالم، قوم بسرعة ... اصحى!

فتح عينيه بصعوبة.

في إيه؟

قالت وهي تبتسم:

سلمى بنتك بتقرا نشرة تسعة في التلفزيون.

جلس الرجل فجأة.

فرك عينيه و نظر إلى الشاشة.

كانت سلمى تجلس أمام الكاميرا، هادئة وواثقة، تقرأ نشرة الأخبار.

ظل ينظر إليها طويلًا، تذكر الرحلة الطويلة.

يوم التكريم، حلمه بأن تصبح طبيبة، ثم حلمه بأن يراها عروسًا.

وتذكر تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تقف أمام المرآة، تمسك قلمًا وتقرأ الأخبار.

ابتسم، و نزلت دمعة من عينيه.

و قال بصوت خافت يا رب اشوفك عروسة يا سلمى.

وعلى الشاشة، أنهت سلمى النشرة قائلة:

إلى هنا تنتهي نشرتنا... تصبحون على خير.

(تمت)
--------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال