26 - 09 - 2026

العالم يدخل زمن الحروب التي تعيد رسم الخريطة

العالم يدخل زمن الحروب التي تعيد رسم الخريطة

ربما نكون قد دخلنا بالفعل المرحلة التي لم يعد فيها السؤال: لماذا تندلع هذه الحرب أو تلك؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: أي عالم يتشكل من وراء كل هذه الحروب؟

فما يجري حولنا لا يبدو مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، ولا مجموعة من المصادفات التي تزامنت في لحظة واحدة. ثمة شيء أكبر يتحرك تحت سطح الأحداث؛ صراع على النفوذ، وعلى موازين القوة، وعلى قواعد اللعبة الدولية نفسها. وكأن العالم القديم يرفض أن يغادر، والعالم الجديد لم يجد بعد طريقه إلى الظهور.

ولهذا تحديدًا ستزداد الخلافات حدة بين الذين يحاولون تفسير ما يجري. سيختلفون حول البدايات، والأسباب، والمسؤوليات، ومن بدأ ومن رد، ومن يدافع عن مصالحه ومن يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة. وستمتلئ الشاشات والمنصات بالاتهامات المضادة، وكأن كل طرف يمتلك الحقيقة كاملة.

لكن الحروب الكبرى لديها طريقة قاسية في اختبار الروايات.

فالوقائع التي تبدو بعيدة عن بعضها في زمن السلم، سرعان ما تكشف الحرب روابطها. الاقتصاد يصبح سلاحًا، والطاقة ورقة ضغط، والتكنولوجيا ميدانًا للصراع، والممرات البحرية والجغرافيا أدوات نفوذ، والتحالفات التي تبدو ثابتة تُختبر تحت الضغط.

وعندها قد يكتشف المختلفون، رغم كل خصوماتهم، أنهم كانوا ينظرون إلى أجزاء مختلفة من الصورة نفسها.

نحن، على ما يبدو، أمام مرحلة إعادة ترتيب واسعة للنظام الدولي. قوى صعدت ولم تعد تقبل أن تظل في الصفوف الخلفية، وقوى أخرى اعتادت أن تكون في مركز المشهد ولا تريد أن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها. وبين الطرفين تتسع مساحة التوتر، لأن تغيير موازين القوة ليس عملية بيروقراطية هادئة، ولا يتم بمجرد إعلان سياسي.

النظام الدولي القديم لا يموت في يوم واحد.

إنه يبدأ أولًا بفقدان قدرته على فرض قواعده كما كان يفعل، ثم تظهر حوله قوى ومراكز نفوذ جديدة، ثم تتكاثر الاستثناءات والاختراقات، إلى أن يصبح القديم عاجزًا عن استعادة تماسكه، بينما يظل الجديد عاجزًا عن فرض قواعده بالكامل.

وهنا تكمن أخطر مراحل الانتقال.

فالعالم الذي لا تحكمه قواعد مستقرة يصبح أكثر عرضة لسوء التقدير. قرار عسكري يمكن أن يتدحرج إلى أزمة إقليمية، وأزمة إقليمية قد تستدعي قوى كبرى، وحساب خاطئ واحد قد يفتح بابًا لم يكن أحد يريد فتحه.

لهذا فإن الاعتقاد بأن الحروب الحالية ستنتهي بمجرد توقف إطلاق النار قد يكون تبسيطًا شديدًا للمشهد. فحتى عندما تصمت المدافع، ستبقى آثارها في الاقتصاد والتحالفات والجغرافيا السياسية، وستستمر المعركة على النفوذ وعلى صياغة القواعد التي ستأتي بعد الحرب.

وقد يكون الأكثر غرابة أن الحروب المقبلة، بدل أن تزيد المسافة بين المختلفين في تفسير العالم، ستجبرهم تدريجيًا على الاقتراب من بعضهم في فهمه.

ليس لأنهم اتفقوا، بل لأن الواقع سيكون أقوى من الخلاف.

فالأيام المقبلة قد تثبت أن كثيرًا من الصراعات التي تبدو منفصلة ليست سوى حلقات في عملية واحدة: عملية انتقال من نظام دولي إلى نظام آخر.

والانتقال لن يكون سهلًا.

فالأنظمة الدولية، مثل الدول والإمبراطوريات، لا تتخلى عن مواقعها طوعًا. وكلما اقتربت لحظة إعادة توزيع القوة، ارتفعت كلفة الصراع، وزادت احتمالات الخطأ، وأصبح العالم أكثر حاجة إلى عقل سياسي يعرف كيف يوازن بين المصالح والمخاطر.

السؤال إذن ليس ما إذا كان النظام القديم يتغير؛ فالتغيير بات واضحًا في كثير من مظاهره. السؤال الحقيقي هو: كم سيدفع العالم ثمن هذا التغيير؟

وهل يستطيع أن يعيد بناء توازن دولي جديد على طاولة المفاوضات، أم أن التاريخ سيعيد عادته القديمة، ويترك للحروب مهمة كتابة القواعد الجديدة؟

في كل الأحوال، يبدو أننا في بداية فصل طويل، لا في نهاية أزمة عابرة.

والمشكلة أن الفصول التي تعيد رسم النظام الدولي لا تُكتب بالحبر وحده.
------------------------------
بقلم: 
إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

العالم يدخل زمن الحروب التي تعيد رسم الخريطة