حين يصبح الإنسان هو البنية التحتية الاستراتيجية الأهم للدولة، يظهر سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه ربما يكون من أكثر الأسئلة إلحاحاً لمستقبل مصر: إذا كانت الدولة قد أمضت سنوات طويلة في بناء الطرق والموانئ والمدن وشبكات الطاقة والاتصالات، فمن الذي سيحوِّل كل هذه الأصول المادية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية واستراتيجية؟ من سيشغِّل المصنع بكفاءة؟ ومن سيطوِّر التكنولوجيا؟ ومن سيحوِّل الميناء إلى مركز لوجستي؟ ومن يجعل قناة السويس منصة للصناعة والتجارة والخدمات، لا مجرد ممر للعبور؟ ومن يحوِّل الموقع الجغرافي إلى نفوذ جيو-اقتصادي؟ ومن يجعل الاستثمار في البنية التحتية قادراً على توليد إنتاجية وصادرات وفرص عمل ذات قيمة مضافة؟
إذا كانت المقالة السابقة "الجمهورية الجديدة: من امتلاك القوة إلى إنتاجها" قد انتهت إلى السؤال: "ماذا تستطيع مصر أن تصنع بما تملك؟"، فإن السؤال التالي يبدو أكثر عمقًا: من الذي سيصنع ذلك؟ فالموارد والبنية التحتية والتكنولوجيا لا تتحول إلى قوة من تلقاء نفسها، والسكان لا يصبحون رأس مال بشريًا لمجرد كثرتهم، فبين كل عنصر من عناصر القوة وبين النتيجة التي نريدها توجد حلقة حاسمة: الإنسان القادر على المعرفة والعمل والابتكار، والمؤسسات القادرة على استخدام هذه القدرة وتوجيهها وتوسيع أثرها.
ومن هنا تبدأ الحلقة الثانية من مشروع "الجمهورية الجديدة": إذا كان التحدي في المرحلة السابقة هو الانتقال من امتلاك عناصر القوة إلى إنتاجها، فإن التحدي الآن هو تحويل الإنسان من كتلة سكانية إلى رأس مال بشري، وتحويل رأس المال البشري إلى إنتاجية، ثم تحويل الإنتاجية إلى قوة وطنية. وهنا يتغير السؤال من: كم عدد السكان؟ إلى: ما الذي يستطيع هؤلاء السكان أن يفعلوه؟ فالسكان يمكن أن يكونوا سوقًا واسعة وقوة عمل وقاعدة معرفية واجتماعية وعسكرية، لكن العدد وحده لا ينتج الثروة، وقد تتحول الكتلة السكانية الكبيرة إلى فرصة تاريخية إذا ارتفع مستوى التعليم والصحة والمهارات وازدادت فرص العمل المنتج، وقد تتحول إلى ضغط على الموارد والخدمات إذا انفصل النمو السكاني عن نمو القدرة الإنتاجية.
ولهذا انتقل الفكر الاقتصادي الحديث من مفهوم السكان (Population) إلى مفهوم رأس المال البشري (Human Capital)؛ أي من الإنسان بوصفه رقمًا في التعداد إلى الإنسان بوصفه مخزونًا من المعرفة والمهارات والصحة والخبرة والقدرة على الابتكار، وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية: ليس المطلوب أن تزيد مصر عدد المتعلمين فقط، وإنما أن تزيد عدد القادرين على إنتاج القيمة، وليس المطلوب أن تزيد سنوات الدراسة فقط، وإنما أن تتحول هذه السنوات إلى معرفة ومهارة وإنتاجية.
ولقد قطعت مصر شوطًا مهمًا في توسيع إتاحة التعليم، لكن اتساع الوصول إلى المدرسة لا يعني بالضرورة اتساع القدرة على التعلم، وتكشف مؤشرات البنك الدولي المتعلقة بمصر عن فجوة بين الالتحاق بالتعليم وبين نواتج التعلم؛ إذ تشير أحدث البيانات المتاحة إلى أن فقر التعلم بلغ 56% في أواخر المرحلة الابتدائية وفق بيانات مرتبطة بتقييمات 2021، وهنا يتغير السؤال جذريًا من: هل دخل الطفل المدرسة؟ إلى السؤال الأهم: ماذا تعلم فيها ليخرج إلى الحياة؟
فالمدرسة لا تنتج رأس مال بشري بمجرد وجود مبنى وفصل وكتاب ومعلم؛ إنها تنتجه عندما تمنح الطفل القدرة على القراءة والفهم، والحساب والتحليل، وطرح الأسئلة، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، ومن هنا فإن القضية ليست في الانتقال من الأمية إلى التعليم فحسب، وإنما من التعليم إلى التعلم، ومن التعلم إلى المهارة، ومن المهارة إلى القدرة على الفعل.
وهذه النقلة هي التي تجعل التعليم جزءًا من معادلة القوة الوطنية، فالطفل الذي يتعلم كيف يفكر، لا يكتسب مهارة مدرسية فقط؛ بل يكتسب قدرة يمكن أن يستخدمها لاحقًا في الهندسة والطب والصناعة والتكنولوجيا والإدارة والبحث العلمي، وكلما ارتفعت جودة هذه القدرة، ارتفع سقف ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه، ولهذا لا ينبغي أن يكون معيار النجاح التعليمي هو عدد المدارس أو الخريجين وحده، وإنما القدرة التي تركها التعليم وراءه.
لكن التعليم العام لا يستطيع وحده أن ينجز المهمة، فاقتصاد اليوم لا يحتاج فقط إلى خريج يحمل شهادة، وإنما إلى إنسان يستطيع أن يعمل، ويتعلم، ويتكيف، ويستخدم التكنولوجيا، ويحل المشكلات، ويعيد بناء مهاراته كلما تغيرت طبيعة العمل، وهنا يأتي التدريب المهني والتقني، ليس باعتباره مسارًا أدنى من التعليم الجامعي، وإنما باعتباره أحد أهم الجسور بين التعلم والإنتاج.
فالمصنع الحديث يحتاج إلى فني يعرف الآلة الرقمية، والميناء يحتاج إلى متخصص في اللوجستيات والبيانات، ومراكز الخدمات تحتاج إلى مهارات رقمية، والطاقة والصناعة تحتاجان إلى عمالة قادرة على التعامل مع تقنيات إنتاج أكثر تعقيدًا، ولهذا فإن السؤال ليس: كم خريجًا تنتج الجامعات؟ وإنما: هل ينتج النظام التعليمي والتدريبي المهارات التي يحتاجها الاقتصاد؟
وتؤكد مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الحديثة للإنتاجية في مصر أن تعزيز المهارات والتدريب المهني يمثل أحد المسارات المهمة لرفع إنتاجية الصناعة، خصوصًا أن كثيرًا من الصناعات المصرية الموجهة للتصدير تعتمد على مهارات متوسطة المستوى، وأن نقص المهارات المناسبة يمكن أن يحد من إمكانات النمو الصناعي، وهنا تتضح إحدى أهم حلقات فجوة التحويل (Transformation Gap): يمكن للدولة أن تنتج ملايين الشهادات، لكنها لن تنتج القوة الاقتصادية إلا عندما تتحول الشهادات إلى مهارات قابلة للاستخدام.
غير أن هذه ليست نهاية المشكلة، فحتى أفضل نظام تعليمي وتدريبي يمكن أن يفشل في إنتاج عائده إذا لم يجد الإنسان اقتصادًا قادرًا على استخدام مهاراته، وهنا تظهر الحقيقة التي كثيرًا ما تُغفل عند الحديث عن رأس المال البشري: المشكلة ليست فقط في إنتاج المهارات، وإنما في إنتاج اقتصاد قادر على استخدام تلك المهارات، فالمهندس لا يصبح قوة صناعية بمجرد تخرجه؛ فيحتاج إلى صناعة تستوعب معرفته، والباحث لا يتحول إلى قوة علمية بمجرد نشر بحثه؛ يحتاج إلى مؤسسة تستطيع نقل المعرفة إلى تطبيق، والمبرمج لا يصبح قوة رقمية بمجرد إتقانه البرمجة؛ يحتاج إلى سوق وشركات وتمويل تسمح له بتحويل مهارته إلى منتج.
وهذا ما تكشفه الأدبيات الحديثة؛ فقد أظهر بحث (OECD) حول بيانات برنامج التقييم الدولي لمهارات الكبار (PIAAC 2023)؛ وجود علاقة إيجابية بين مستوى مهارات البالغين وإنتاجية العمل، وقدرت أن فروق المهارات تفسر نحو ربع إلى ثلث الفروق في إنتاجية الصناعات بين الدول، كما أن سوء توزيع أصحاب المهارات بين الوظائف والشركات يرتبط أيضًا بفجوات في الإنتاجية. وهنا يصبح رأس المال البشري متقاطعاً مع الاقتصاد، في قضية التخصيص الاقتصادي، فالسؤال ليس فقط: كم إنسانًا ماهرًا لدينا؟ بل: أين يعمل؟ وماذا يفعل؟ وهل يعمل في المكان الذي يسمح لمهارته بإنتاج أعلى قيمة ممكنة؟
لكن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم أو يعمل بكفاءة إذا لم يمتلك الأساس الصحي الذي يسمح له بذلك، ولهذا فإن الصحة ليست ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن رأس المال البشري، وإنما هي أول شروطه، فالطفل الذي يبدأ حياته بصحة أفضل يمتلك فرصة أكبر للتعلم، والعامل السليم يستطيع أن يعمل سنوات أكثر وبكفاءة أعلى، والمجتمع الذي يرفع متوسط سنوات الحياة الصحية يرفع في الوقت نفسه حجم رأس ماله البشري القابل للاستخدام.
ومن هنا ينبغي أن يُنظر إلى الإنفاق الصحي باعتباره استثمارًا في سنوات القدرة البشرية، لا مجرد إنفاق على علاج المرض، وهذا يغير طريقة تقييم السياسات الصحية نفسها، فالسؤال ليس فقط: كم مستشفى بنينا؟ وكم مريضًا عالجنا؟ وإنما: كم سنة صحية منتجة أضفنا إلى حياة الإنسان؟
وعند هذه النقطة يلتقي التعليم بالصحة: فالإنسان الذي يتعلم دون أن يمتلك صحة جيدة لا يستطيع استثمار تعلمه كاملًا، والإنسان السليم دون تعليم جيد لا يمتلك بالضرورة القدرة على إنتاج القيمة، ولذلك لا يعمل التعليم والصحة كقطاعين منفصلين؛ إنهما مدخلان متكاملان لإنتاج القدرة البشرية.
ثم تأتي الحلقة التي تفصل بين اقتصاد يتعلم واقتصاد يستطيع أن يبتكر: (البحث العلمي)؛ فالدولة تستطيع أن تستورد الآلات والبرمجيات والتكنولوجيا، لكنها إذا ظلت مستوردًا دائمًا للمعرفة ستبقى في موقع المستهلك داخل سلاسل القيمة العالمية، أما عندما تستطيع إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى تقنية، والتقنية إلى منتج، والمنتج إلى صناعة، والصناعة إلى صادرات، فإن المعرفة تبدأ في التحول إلى قوة اقتصادية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي عن البحث العلمي ليس فقط: كم أنفقنا عليه؟ بل: ماذا حدث للمعرفة بعد أن أنتجناها؟ هل انتقلت من الجامعة إلى المصنع؟ هل تحولت براءة الاختراع إلى منتج؟ هل تحولت أبحاث الزراعة إلى إنتاجية أعلى؟ هل تحولت أبحاث المياه إلى خفض للفاقد؟ هل تحولت أبحاث الطاقة إلى تكنولوجيا؟ وهل تحولت علوم الذكاء الاصطناعي إلى شركات وخدمات ومنتجات قابلة للتصدير؟
وهنا تظهر فجوة تحويل المعرفة إلى تطبيق (Knowledge Translation Gap)، وهي ليست فجوة مستقلة عن "فجوة التحويل"، وإنما إحدى صورها: وهي المسافة بين إنتاج المعرفة وبين القدرة المؤسسية والاقتصادية على تحويلها إلى قيمة، فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى التطبيق تظل قوة كامنة، تمامًا كما يظل الميناء الذي لا يرتبط بسلاسل إنتاج وتجارة أصلًا ماديًا لم يستخرج كامل قيمته.
وهنا نصل إلى اللحظة التي تتحول فيها كل هذه العناصر إلى قوة قابلة للقياس: (الإنتاجية)؛ فالتعليم والصحة والتدريب والبحث العلمي ليست غايات منفصلة؛ قيمتها النهائية تظهر عندما ترفع قدرة الإنسان على إنتاج قيمة أكبر، ولهذا فإن رأس المال البشري لا يصبح قوة لمجرد أنه موجود، إنه يصبح قوة عندما يجد اقتصادًا يستطيع استخدامه.
وهنا تقدم تجربة الصناعة المصرية إشارة شديدة الدلالة، فبحسب أحدث مراجعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026، بلغت إنتاجية العمل في الصناعات التحويلية المصرية في 2010 نحو 90% من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكنها انخفضت إلى 66% في 2023، ما يعني اتساع فجوة الإنتاجية مع الاقتصادات المرجعية.
ولا يعني هذا أن المشكلة تختزل في العامل وحده؛ فالإنتاجية هي نتيجة تفاعل المهارة والتكنولوجيا والإدارة ورأس المال والمؤسسات وتنظيم العمل، ولذلك فإن انخفاض الإنتاجية لا ينبغي أن يقود إلى لوم الإنسان، بل إلى سؤال أعمق: هل صممنا النظام الذي يسمح للإنسان بأن يكون منتجًا إلى أقصى قدر ممكن؟
وهنا تتضح أهمية كفاءة المؤسسات، فالمؤسسة هي الجسر بين الإنسان والقوة، فيمكن أن تمتلك الدولة تعليمًا جيدًا، وتدريبًا متطورًا، وأطباء ومهندسين وباحثين أكفاء، لكنها لن تحصل على العائد الكامل من ذلك إذا كانت المؤسسات التي تستوعب هؤلاء تعاني ضعفًا في الإدارة أو سوء تخصيص الموارد أو ضعف التنسيق أو غياب الحوافز. وهكذا تصبح كفاءة المؤسسة هي الحلقة التي تربط رأس المال البشري بالإنتاجية، وهذا يعني أن الاستثمار في الإنسان لا يمكن فصله عن إصلاح المؤسسات.
فالتعليم ينتج القدرة، والتدريب يصقلها، والصحة تحافظ عليها، والبحث العلمي يوسع حدودها، لكن المؤسسة هي التي تعبئها وتوجهها وتحولها إلى أداء اقتصادي واجتماعي فعلي، ومن هنا فإن الدولة التي تريد تحويل الكم إلى كيف لا تحتاج فقط إلى تعليم أفضل، وإنما إلى مؤسسات تعرف كيف تختار الكفاءة، وتكافئ الأداء، وتتعلم من النتائج، وتصحح أخطاءها، وتربط الموارد بالأهداف.
وهنا تتجمع الخيوط كلها، السكان هم الكم، والتعليم يحول جزءًا من هذا الكم إلى معرفة، والتدريب يحول المعرفة إلى مهارة، والصحة تمنح الإنسان القدرة على استخدام هذهالمهارة عبر الزمن، والبحث العلمي يوسع حدود المعرفة ويحولها إلى ابتكار، والمؤسسات تحول المهارة والمعرفة والابتكار إلى أداء، والاقتصاد المنتج يحول الأداء إلى إنتاجية وقيمة مضافة وصادرات.
وعندها فقط يبدأ الكم في التحول إلى كيف، ويبدأ الإنسان في التحول من مجرد رقم ديموغرافي إلى رأس مال وطني، هذه هي المعادلة التي ينبغي أن ننظر من خلالها إلى رأس المال البشري في الجمهورية الجديدة، وأي حلقة ضعيفة في هذه السلسلة تخفض عائد الحلقات الأخرى، فما جدوى تعليم ممتاز إذا لم يجد خريجه وظيفة تستخدم مهارته؟ وما جدوى التدريب إذا كانت الشركات لا تستثمر في التكنولوجيا؟ وما جدوى البحث العلمي إذا لم يجد طريقًا إلى السوق؟ وما جدوى التكنولوجيا إذا لم يمتلك الإنسان القدرة على استخدامها وتطويرها؟ وما جدوى كل ذلك إذا كانت المؤسسات عاجزة عن تخصيص الموارد وفق الكفاءة؟
ومن هنا تصبح قضية الشباب امتدادًا طبيعيًا لكل ما سبق، فالشباب ليسوا مجرد كتلة عمرية كبيرة؛ إنهم اختبار لقدرة الدولة على تحويل الكم إلى كيف، ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 1.3 مليون شاب مصري يدخلون سوق العمل سنويًا في المتوسط، مقابل نحو نصف مليون وظيفة جديدة فقط، وهنا لا يعود السؤال: كم شابًا لدينا؟ بل: كم منهم يستطيع الاقتصاد أن يحولهم إلى قوة إنتاجية؟ فإذا نجحت الدولة في تعليمهم وصحتهم وتدريبهم، ثم فشلت في توفير اقتصاد قادر على تشغيلهم في وظائف منتجة، فإن جزءًا كبيرًا من الاستثمار في رأس المال البشري لا يحصل على عائده.
وهنا يصبح خلق الوظائف المنتجة جزءًا من سياسة رأس المال البشري نفسها، لا ملفًا منفصلًا عنها، كما أن هجرة الكفاءات ليست وحدها المشكلة؛ فهناك أيضًا هدر المهارات (Brain Waste) عندما يعمل الإنسان في وظيفة أدنى بكثير من قدراته، فتخسر الدولة جزءًا من العائد الذي أنفقته على تعليمه وتدريبه، حتى لو بقي داخل حدودها، ومن هنا فإن حماية رأس المال البشري لا تعني فقط منع الهجرة، وإنما بناء اقتصاد يجعل استخدام المهارة داخل الوطن مجديًا وممكنًا.
وهذا يقودنا إلى إعادة تعريف مفهوم الإنفاق نفسه، فالتعليم ليس مجرد إنفاق اجتماعي؛ لأنه يضيف إلى القدرة على التعلم والإنتاج، والصحة ليست مجرد إنفاق علاجي؛ لأنها تضيف إلىسنوات العمل المنتج، والتدريب ليس مجرد دعم للعمالة؛ لأنه يرفع قابلية الاقتصاد للتكيف مع التكنولوجيا، والبحث العلمي ليس ترفًا أكاديميًا؛ لأنه يوسع الحدود التكنولوجية، لكن هذا الإنفاق لا يصبح استثمارًا كاملًا إلا إذا ترك قدرة جديدة وراءه.
ومن هنا ينبغي أن يتغير السؤال من: كم أنفقنا على الإنسان؟ إلى: كم قدرةً جديدة صنعنا بهذا الإنفاق؟ ومن: كم مدرسة بنينا؟ إلى: كم متعلمًا قادرًا على التفكير أنتجنا؟ ومن: كم خريجًا لدينا؟ إلى: كم مهارة منتجة أضافها هؤلاء إلى الاقتصاد؟ ومن: كم بحثًا علميًا نُشر؟ إلى: كم معرفة تحولت إلى تقنية ومنتج وصناعة؟ ومن: كم شابًا لدينا؟ إلى: كم شابًا أصبح قادرًا على إنتاج القيمة؟ هذه هي النقلة من قياس المدخلات إلى قياس القدرة.
ولهذا ربما آن الأوان لإعادة تعريف البنية التحتية نفسها، فالطرق والموانئ والطاقة والاتصالات هي البنية التحتية المادية التي تحمل الاقتصاد، ولكن التعليم والصحة والمهارات والمعرفة والمؤسسات هي البنية التحتية البشرية والمؤسسية التي تجعل البنية المادية منتجة، فالطريق يربط المدن، لكن الإنسان هو الذي يحدد ماذا سينتج على جانبيه، والميناء يربط مصر بالعالم، لكن المهارات هي التي تحدد ما إذا كانت مصر ستكتفي بمرور التجارة أم ستنتج جزءًا من القيمة التي تتحرك عبرها، والجامعة تنتج المعرفة، لكن المؤسسة هي التي تحدد ما إذا كانت هذه المعرفة ستبقى داخل الكتب أم ستتحول إلى منتج، والتكنولوجيا ترفع الإمكانات، لكن الإنسان هو الذي يحدد ما إذا كانت ستستخدم للاستهلاك أم للإنتاج والابتكار، ومن هنا فإن رأس المال البشري ليس قطاعًا من قطاعات الدولة؛ إنه البنية التي تعمل من خلالها قطاعات الدولة كلها.
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، إذا كانت مصر تمتلك كتلة بشرية ضخمة، فإن التحدي ليس في امتلاكها، بل في إنتاج قدرتها، وإذا كانت تمتلك جامعات ومدارس ومراكز بحث ومؤسسات صحية، فإن التحدي ليس في وجودها فقط، بل في قدرتها على العمل كمنظومة واحدة، وإذا كانت تمتلك بنية تحتية واسعة، فإن التحدي هو أن يجد الإنسان القادر مكانه فوق هذه البنية، وأن يحولها إلى إنتاج وخدمات وتكنولوجيا وصادرات.
ولهذا فإن مشروع رأس المال البشري لا يمكن أن ينجح بمنطق الوزارة أو القطاع المنفصل، فالتعليم يحتاج إلى سوق العمل، وسوق العمل يحتاج إلى الصناعة، والصناعة تحتاج إلى التدريب، والتدريب يحتاج إلى تعليم جيد، والبحث العلمي يحتاج إلى الصناعة، والصناعة تحتاج إلى التكنولوجيا، وكل ذلك يحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنسيق والتعلم وتصحيح المسار.
إنها في النهاية منظومة واحدة لتحويل الإنسان من إمكان إلى قدرة، ومن القدرة إلى إنتاج، ومن الإنتاج إلى قوة، وهنا تحديدًا تصبح "فجوة التحويل" أكثر وضوحًا: ليست المسافة بين ما تمتلكه مصر وما تنتجه اقتصاديًا فقط، وإنما المسافة بين الإنسان الذي تملكه مصر والقدرة التي تستطيع مصر أن تستخرجها من هذا الإنسان، فقد يكون لدى الدولة ملايين البشر، لكن ليس لديها ما يكفي من رأس المال البشري، وقد يكون لديها ملايين المتعلمين، لكن ليس لديها ما يكفي من المهارات، وقد يكون لديها آلاف الباحثين، لكن ليس لديها ما يكفي من المعرفة المترجمة إلى تطبيق، وقد يكون لديها مهندسون وأطباء ومبرمجون، لكن ليس لديها ما يكفي من المؤسسات التي تستطيع أن تجعل مهاراتهم تعمل عند أقصى طاقتها.
وهنا يصبح الاختبار الحقيقي للجمهورية الجديدة في نوعية القدرة التي تنتجها الدولة من الإنسان، وفي هذا تحديدًا تكمن المسافة بين دولة ذات كتلة سكانية كبيرة، ودولة تمتلك رأس مال بشريًا قادرًا على صناعة القوة، فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تبدأ فقط من الأرض التي نملكها، ولا من المباني التي نشيدها، ولا من الموارد التي نمتلكها؛ بل تبدأ من العقل الذي يعرف كيف يستخدمها، والمهارة التي تحولها إلى إنتاج، والمؤسسة التي تعرف كيف تعبئها، والمعرفة التي تجعلها قابلة للتجدد.
ومن هنا يصبح الإنسان هو الحلقة التي تصل بين كل ما ناقشناه في المقال السابق وبين ما ستحتاجه مصر في المرحلة المقبلة، فإذا كانت المقالة الأولى قد سألت: كيف تتحول مصر من امتلاك عناصر القوة إلى إنتاجها؟ فإن هذه المقالة تقدم جزءًا من الإجابة: تبدأ القوة حين يتحول الإنسان من سكان إلى رأس مال بشري، ومن رأس مال بشري إلى قدرة إنتاجية، ومن قدرة إنتاجية إلى قوة وطنية.
لكن هذه ليست نهاية الرحلة، فحتى الإنسان المتعلم والسليم والماهر والمبدع لا يستطيع أن ينتج قوته كاملة إذا وجد نفسه داخل مؤسسات لا تعرف كيف تستخدم قدرته، واقتصاد لا يوفر له المجال، وسوق لا يكافئ كفاءته، ولهذا فإن الحلقة التالية في مشروع "الجمهورية الجديدة" يجب أن تنتقل من سؤال كيف نبني الإنسان؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نبني الدولة التي تستطيع أن تستخدم الإنسان؟ فهنا تكتمل الحلقة بين رأس المال البشري والقوة الوطنية: التعليم يصنع المعرفة، والتدريب يصنع المهارة، والصحة تحمي القدرة، والبحث العلمي يصنع الابتكار، لكن المؤسسات هي التي تحول كل ذلك إلى إنتاجية.
وعند هذه النقطة فقط يبدأ الكم في التحول إلى كيف، ويبدأ الإنسان في التحول من حجم ديموغرافي إلى قوة وطنية، فالتاريخ لا يسأل الأمم؛ "كم كان لديها من البشر، وإنما ماذا استطاعت أن تجعل من هؤلاء البشر"، وهنا ربما يكون السؤال الأهم أمام "الجمهورية الجديدة": هل تستطيع مصر أن تبني الإنسان الذي لا يكتفي بأن يعيش داخل ما تبنيه الدولة، بل يمتلك القدرة على أن يجعل ما تبنيه الدولة أكثر إنتاجًا، وأكثر معرفة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل؟ لأن الدولة قد تبني الأشياء في سنوات، لكنها تحتاج إلى الإنسان كي تمنح تلك الأشياء عمرًا أطول من عمر بنائها، فالحجر قد يغيّر وجه المكان، أما الإنسان القادر فيغيّر قيمة المكان ومسار التاريخ.
-----------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






