25 - 09 - 2026

نقد أدبي | ثلج القاهرة واستعادة الرغبة في الحياة

نقد أدبي | ثلج القاهرة واستعادة الرغبة في الحياة

تمنحنا لنا عبد الرحمن مفتاح روايتها منذ الصفحات الأولى، فبشرى تستيقظ من حلم يتكرر فيه أن "القاهرة يغمرها ثلج أبيض"، وأنها "تتجمد، وتصير تمثالًا". ثم يتحول الحلم إلى سؤال وجودي: "أهذا ما يكون عليه الموتى، لحظة مفارقة الروح للجسد، واعين لكل ما يدور حولهم، لكنهم عاجزون عن الفعل؟". هكذا  تتحدد منذ البداية ثنائية تظل حاكمة للرواية: الوعي/العجز عن الفعل. بشرى ليست فاقدة للوعي، لكنها عاجزة عن تحويل ما تعرفه أو تشعر به إلى فعل. 

  تتعدد صور البرد والثلج في الرواية، والثلج مرتبط دائمًا بتوقف الحركة، وبالموت، وبالعجز. "نورجهان" نفسها تعيش في قصر «بارد» رغم الثراء، بينما يصبح الثلج الذي رأته للمرة الأولى في حياتها علامة على انتقالها من الخارج المترف إلى الداخل المعذب. وفي أحد المقاطع تقول: "كنت عروسًا تعسة، لكني لم أدرك هذا الشقاء في البداية"، ثم تتكشف تدريجيًا علاقة القصر بالمرض والعزلة والموت. فالمكان الفخم لا ينتج السعادة، بل يتحول إلى سجن. الأثواب والحرير والمخمل والذهب التي يفترض أن تمنح صاحبها الدفء "ستبلى بسرعة"، لأن "في القصور تحاك الدسائس والمؤامرات".

   ولذلك تتجاور في الرواية مفردات البرد مع مفردات العجز. بشرى تخشى أن تكون عاجزة عن المشي، ونورجهان تقبع في سريرها، وصابر يعيش في غرفة بائسة قرب القصر، بينما تتحول الذاكرة نفسها إلى مكان بارد لا تستطيع بشرى الخروج منه.

عالقة بين زمنين

  الشخصية المحورية في الرواية ليست نورجهان وحدها، بل بشرى التي تصبح حياتها الحاضرة ساحة صراع بين زمنين. وهي تدرك هذا الوضع بوضوح حين تقول الرواية إنها "كانت عالقة في زمن آخر في زمان ومكان غير الذي تحياه الآن، وهذا شيء مرهق للروح".

   وهذه الجملة تكشف مدى عمق مأزقها، فهي لا تملك يقينًا عقليًا بشأن الماضي، لكنها لا تستطيع تجاهله. ترى أماكن لا تعرفها، وتشم روائح لا تستطيع تفسيرها، وتتذكر قصرًا لم تزره في حياتها الحالية، وتشعر أنها كانت امرأة أخرى اسمها نورجهان. لكن الرواية تترك بشرى، ومعها القارئ، بين "يقين الحدس، وشكوك العقل".

   لذلك تلجأ بشرى إلى الإنترنت، ثم إلى أرشيف الصحف والمجلات، ثم إلى الصور القديمة. في محاولة لتحويل الذاكرة إلى دليل. وحين تعثر على صورة قديمة للأميرة نورجهان حكمت، ترى "وجها يتطابق مع وجهها واسما يلمع في ذاكرتها مثل فلاشات مضيئة في صحراء معتمة".

  عندئذ يقول لها ناجي إن هناك "شبهًا كبيرًا"، أما بشرى فتقول: "لا أحد يمكنه أن يعرف.. إلا أنا".

ذاكرة المكان

   تتعامل الرواية مع الذاكرة باعتبارها قوة غامضة، فالذاكرة عند بشرى ناقصة، مثقوبة، متقطعة. هي لا تستعيد الماضي كاملًا، وإنما تستعيد شظايا منه، مكانا، رائحة، صوت عود، غرفة، شرفة، نصل سكين، امرأة، رجلا. ولهذا تقول الرواية إن بشرى "معذبة بنتف قطن سوداء متروكة، في قلب ذاكرتها، لكنها لا تتمكن من تشكيل نسيج مترابط".

   وهذا يفسر اعتماد الرواية على الحواس: الرائحة، الصوت، اللمس، صورة المكان. فبشرى تتذكر نورجهان عن طريق الإحساس. إنها تشم المكان قبل أن تعرفه، وتتعرف إلى القصر قبل أن تراه، وتعرف الرجل قبل أن تعرف اسمه. حتى حين تدخل القصر المتهدم، تسير وعيناها مغمضتان وتدل ناجي على الغرف: "هنا كانت غرفة السفرة الكبيرة، في اليسار غرفة المكتب... وفي الأعلى توجد غرفة نورجهان".

   أما القاهرة، فهي مدينة تتقاطع فيها الأزمنة، وتختلط فيها طبقات التاريخ بالحاضر. ناجي، الذي يعمل مهندسًا ثم يتجه إلى التصوير، ينجذب إلى القاهرة القديمة والقصور المتهالكة والعوالم السفلية، ويصل إلى قناعة بأن «"القاهرة مدينة لا يمكن لأي أحد أن يكتشف كل وجوهها، لأنّها مكان يمكن حدوث أي شيء فيه مهما بدا مستحيلًا".

   واللافت أن القصر لا يكون بعيدًا، بل قريبًا جدًا من بيت بشرى. لقد كان ما تبحث عنه "قريبًا منها حد عدم قدرتها على رؤيته". في البداية يظهر في الذاكرة بوصفه بيتًا كبيرًا، حيًا، مليئًا بالأشجار والممرات والشرفات. ثم يظهر في الحاضر مهجورًا ومتهالكًا. "كان في الماضي بستانًا فيه المانجو والموز والجوافة والخوخ، وكان النيل يكاد يلامس شرفته". أما في الحاضر فقد تقشر الطلاء، وهرمت النوافذ، وتشقق الجدران، وجف البستان، إنه الزمن وقد صار مرئيًا. ولذلك يأتي قرار هدم القصر بمثابة انتصار للحاضر المادي على الماضي. 

الجريمة لا تموت

  تأخذ الرواية منعطفًا مهمًا حين نكتشف أن القصر لا يحتفظ بذكرى الضحية فقط، وإنما يحتفظ أيضًا بالقاتل. صابر، الرجل العجوز الذي يعيش قرب القصر، هو الذي قتل نورجهان قبل ستين عامًا. لقد عاش حياته كلها في ظل الجريمة. لم يعاقبه القانون، لكنه يعيش عقوبة داخلية لا تنتهي. تقول الرواية إنه "يستمر بالحياة، كما لو أن هناك قوة دافعة تجبره على العيش، قوة تعرف أنه يتعذب ويقاسي من تلك القبضة المسماة الضمير". وهو يخاف من بشرى لأنها تنظر إليه. "وحدها العيون لا تتغيّر، تكشف هوية الإنسان، هي عرفته وهو عرفها".

نورجهان وسولاي

   تقول بشرى جملة مهمة لفهم الناء السردي: "لست روحًا أخرى، لست وهمًا، لست سرابًا، أنا هي، وهي أنا"، هكذا لا تكتفي الرواية بجعل بشرى ونورجهان شخصيتين متصلتين، بل تدفع بفكرة الهوية إلى أقصى حدودها. فنحن أمام «أنا» لم تعد محصورة في جسد واحد. الجسد يتغير، الاسم يتغير، الزمن يتغير، لكن شيئًا ما يستمر. لا تقول الرواية إن هذا الاستمرار حقيقة يمكن إثباتها علميًا؛ بل تجعله احتمالًا سرديًا لذلك يظل القارئ إلى جوار بشرى، في المنطقة نفسها بين الإيمان والشك.

  وتتسع دائرة الحيوات لتكشف أن نورجهان نفسها ليست البداية. هناك سولاي، الفتاة الغجرية التي ماتت صغيرة، ثم نورجهان، ثم بشرى. تقول الرواية: "سُلبت حياتي مرتين"، مرة حين كانت في جسد سولاي، ومرة حين كانت نورجهان، قبل أن تعود في جسد بشرى. لكن الحياتين السابقتين تنتهيان بالطريقة نفسها تقريبًا: عدم القدرة على تحقيق ما تريده الروح.  سولاي تموت قبل أن تستكمل حياتها، ونورجهان تظل أسيرة خوفها وعجزها حتى تقتل، وبشرى نفسها مهددة بأن تصبح نسخة ثالثة من نفس لمرأة العاجزة عن الفعل.

 وهنا تتضح أهمية فكرة التناسخ في الرواية، ليست إثبات وجود حياة بعد الموت، وإنما البحث عن الشيء الذي لم تستطع الشخصية تحقيقه في حياتها السابقة.

  وتكرر الرواية كلمة «الفعل» بمعانٍ مختلفة، لكنها تعود دائمًا إلى السؤال نفسه: ماذا يفعل الإنسان بما يعرفه؟ في أحد المقاطع تقول نورجهان عن حياتها السابقة: "ظللت جبانة وعاجزة عن الفعل"، ثم تأتي الجملة الحاسمة: "التذكر وحده لا ينفع حين نكون عاجزين عن الفعل". 

فالمشكلة ليست في أن تتذكر بشرى نورجهان، وإنما في أن تتحول ذاكرتها إلى قيد يمنعها من الحياة. وبالفعل، كلما تعمقت بشرى في الماضي ازداد عجزها عن الحاضر. تهمل حياتها، تتعب، تمرض، تتردد في علاقتها بناجي، وتفكر في الهرب إلى دمشق أو دبي. لكن ذلك لن يحل المشكلة؛ ولهذا تقول الرواية إن بشرى بدأت تدرك أن السفر قد يكون مجرد هروب.

حياة لم تكتمل

وفي مقابل نورجهان وصابر والقصر والذاكرة، يقف ناجي بوصفه أحد ممثلي الحاضر. هو لا ينكر تجربة بشرى، لكنه لا يستسلم لها أيضًا. حين تحدثه عن الحيوات السابقة، يميل إلى تفسيرها بوصفها وهمًا، وحين يرى صورة نورجهان لا يمنحها يقينًا كاملًا.

ناجي نفسه شخصية تبحث عن بداية جديدة. ترك الهندسة حين اكتشف أنه يشارك في تهجير آلاف الناس، واتجه إلى التصوير لأنه يريد أن يرى المدينة وحياتها. وهو بذلك يشبه بشرى في شيء: كلاهما يبحث عن طريقة للعيش خارج ما فُرض عليه. يقول لها: "أرغب أن يكون لدي طفل منك، وأن نكبر ونشيخ معًا".

هنا تصبح فكرة الطفل ذات أهمية رمزية شديدة. فنورجهان فقدت أجنة، وحياتها لم تكتمل، وبشرى تحمل في داخلها رغبة في الإنجاب. كما أن نورجهان تتذكر الطفل الذي رغبت في إنجابه ولم يتحقق.

وفي النهاية، حين تسمع بشرى رغبة ناجي في طفل، تشعر "برغبة قوية في حمل طفل صغير تضمه إلى صدرها"، ثم تأتي العبارة اللافتة: "الولادة تحمل وعودًا بحياة جديدة". فإذا كانت الرواية قد بدأت بالموت والثلج والتجمد، فإنها تقترب من نهايتها بالطفل والولادة وزمن جديد.

ومن بين التحولات التي تمر بها بشرى أنها تبدأ البحث عن نورجهان بهدف إثبات الماضي، ثم تصبح القراءة نفسها غاية. تقضي ساعات في أرشيف الصحف والمجلات، وتقرأ الصور القديمة، وتتعرف إلى عالم مضى، حتى تقول الرواية إنها "اندَمَجت في القراءة من دون انتظار للهدف. صارت القراءة هي الهدف بحد ذاتها".

في النهاية لا تحصل بشرى على الإجابة النهائية التي يمكن أن تغلق الحكاية. يموت صابر، ويُهدم القصر، وتختفي الأدلة تقريبًا. ويظل السؤال قائمًا: هل كانت نورجهان حياة سابقة فعلًا أم أن بشرى صنعت من شظايا الذاكرة حكاية كاملة؟

لكن هذا السؤال يفقد أهميته تدريجيًا. فبشرى تعود إلى الدراجة. أي بعد المرض، والبرد، والخوف، بدأت تتحرك. تعبر أمام القصر المتهدم، ثم تواصل السير. وتسأل نفسها: "وهل الهرب فيه نجاة أم عقوبة؟"، ثم يأتي القرار: "ثمة ما يدفعني للبقاء هنا، أريد أن أنجب طفلًا".

هكذا تختار الحياة، فيأتي المقطع الختامي حاسمًا: "ما يهم حقًّا هو زمن "الآن"، أن تعيش بشرى هذا "الآن"، بكل ما فيه. مهما كان صعبًا، أو محملًا بالوجع"، هنا  تحديدا تنكشف دلالة الرواية. فالصوت القادم من الماضي نفسه يعترف في النهاية بأن معرفة الماضي لم تعد ضرورية. تقول نورجهان: "لم يعد من المجدي لها أن تعرف حكايتي"، وأن عليها أن "تمضي في سيرها عميقًا نحو "الآن"

أما الجملة الأخيرة: "لكنها نجت، وصار قلبها متقدًا بجذوة مضيئة، خارج عالم النار والثلج"، فتبدو وكأنها تلخص الرحلة كلها. فالنار والثلج؛ كلاهما يمكن أن يكونا صورتين للألم. النار تحرق، والثلج يجمد. وبينهما كانت بشرى عالقة، لا تستطيع أن تتحرك لأن الماضي يحرقها ويجمدها في الوقت نفسه، لكنها تنجو حين تختار الحاضر.  ولهذا تبدو عبارة "هذا أيضًا سيمر" التي تحتفظ بها بشرى في ورقة صغيرة داخل جيبها، عبارة عن الزمن، لكنها في النهاية تصبح أيضًا عبارة عن الألم والذاكرة والموت، لكن لا بد أن نعيش حياتنا، فبشرى التي بدأت الرواية وهي تسأل «لماذا أنا هنا؟»، وتنتهي وقد اختارت أن تبقى. وهكذا "ثلج القاهرة" رواية عن استعادة الرغبة في الحياة.
----------------------------

بقلم: أحمد رجب شلتوت