24 - 09 - 2026

كيف نقرأ الدعوة إلى «يوم السيادة» في العراق؟

كيف نقرأ الدعوة إلى «يوم السيادة» في العراق؟

ليس مهماً أن يكون «يوم السيادة» في العراق في الثلاثين من أيلول الحالي أو في أي يوم آخر من تاريخ البلاد، بقدر ما يهم أن تتوافر فيه الثوابت التي سبقتنا إليها دول أخرى، وأكدتها أدبيات السياسة وتجارب الشعوب.

وأولى هذه الثوابت أن يخرج آخر جندي أجنبي من البلاد، وأن تتولى القوات الأمنية العراقية مسؤولية حماية المياه والبر والجو، وأن يكون قرار الدولة مستقلاً وغير خاضع لأي إملاءات أجنبية، وأن تكون التجربة الديمقراطية في البلاد هي الحاكمة في القيادة والإدارة وصنع القرار.

هذه المقدمة نسوقها ونحن نقترب من اليوم الذي أعلنت عنه الحكومة العراقية، في الثلاثين من أيلول، ليكون "يوماً للسيادة العراقية".

وليس مهماً أن يكون هناك اتفاق بين الحكومة العراقية والطبقة السياسية المشاركة في إدارة البلاد على تحديد «يوم السيادة»، بقدر ما يهم أن يحاكم الشعب العراقي هذا اليوم إلى معاني السيادة ومضامينها، وأن يراه مطابقاً لما استقرت عليه تجارب الدول الأخرى.

السيادة وسلاح المقاومة

إن إقران «يوم السيادة» بمسألة نزع سلاح المقاومة ينطوي، في رأينا، على خطأ كبير؛ فالمعلوم في أدبيات السياسة وتاريخ الشعوب أن السيادة ترتبط بجلاء القوات الأجنبية واستقلال القرار الوطني.

أما سلاح المقاومة، فيمثل عنواناً للسيادة والكرامة، وبه جرى، طرد قوات الاحتلال من البلاد وتطهير الأراضي العراقية من تنظيمات الإرهاب، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة وداعش وغيرها.

وبهذا السلاح، شاركت قوى المقاومة العراقية، في دعم القضية الفلسطينية وإسناد محاور المقاومة الأخرى في المنطقة.

من هنا، فإن الربط بين سلاح المقاومة وبين «يوم السيادة» بوصفه مناسبة لنزع هذا السلاح، هو ربط نراه غير صحيح، ومن الخطأ، تكريسه أو تداوله إعلامياً أو في المجالس الرسمية والاجتماعية باعتباره تعريفاً للسيادة.

لقد جرت العادة، في تجارب عديدة حول العالم، على أن تكون القوى التي شاركت في تحرير البلاد من الاستعمار أو الاحتلال جزءاً من المشهد السياسي الجديد، وأن تسهم في رسم مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والأمني.

أما أن يصبح سلاح المقاومة في وجهة نظر السلطة (متهماً)، أو أن يُنظر إليه باعتباره عقبة أمام السيادة، فهذه معادلة تحتاج فهم عميق لمعاني  الدولة والسيادة وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها.

بين الدولة والمقاومة

في آخر اجتماع حضرته قيادات سياسية وعسكرية وحشدية مع السيد رئيس الوزراء، كان السؤال الأبرز: كيف يمكن المساس بقيادات المقاومة وسلاحها، في ظل هذا العمق الاجتماعي الذي تتمتع به هذه القوى وسط العراقيين؟ وما التداعيات وردود الفعل التي يمكن أن تنتج عن ذلك؟

أن وجود المقاومة وقياداتها وسلاحها يمثل، بالنسبة إلى  العراقيين، مصدر طمأنينة وأمان.

و أن الشعب العراقي لم يطالب يوما بنزع سلاح المقاومة، وأن هذا الأمر يمثل مطلباً حكومياً مرتبطاً بضغوط أمريكية، وبتهديدات تتعلق بالأموال العراقية وقطعها في حال عدم الاستجابة لمطالب نزع السلاح.

وفي جلسة جمعتنا بالحاج هادي العامري قبل أيام، وكان جزء من الحديث يدور حول حصر سلاح المقاومة أو نزعه، قال: (حتى عوائلنا تقول إن قرار نزع سلاح المقاومة قرار أمريكي)

سلاح المقاومة في الصراع الإقليمي

لاشك أن المنطقة ما زالت تعيش مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومحاور المقاومة من جهة أخرى، وأن الحديث عن نزع السلاح لا يمكن فصله عن هذا الصراع.

فمسألة نزع سلاح المقاومة، وفق هذا التصور، ليست وليدة اللحظة، وإنما تأتي ضمن صراع طويل على طبيعة موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة.

وأن إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاءهما عملوا، على مدى عقود، على الحد من قدرات المقاومة  المسلحة المناوئة لإسرائيل، وملاحقة قياداتها واستهداف مواقعها. وهناك عمليات عسكرية وأمنية عديدة استهدفت قوى المقاومة، من الأردن ولبنان إلى تونس وإيران، فضلاً عن الأراضي الفلسطينية، وهي وقائع تفصح  عن  صراع طويل على النفوذ والسلاح وموازين القوة.

ما بعد "طوفان الأقصى"

دخلت إسرائيل، بعد اندلاع معركة «طوفان الأقصى» بغزة في أزمة كبيرة عام 2023، إذ لم تعد المواجهة محصورة في قطاع غزة كما حدث في ست  معارك سابقة ، بل امتدت إلى جبهات اسناد ومحاور أخرى في لبنان والعراق واليمن وإيران.

وهذا، أدخل الولايات المتحدة وحلفاؤها بالمنطقة في أزمة إقليمية متشابكة، وأن التعامل معها اتجه، إلى الضغط على القوى المسلحة المرتبطة بمحاور المقاومة، ومحاولة جعل سلاحها قضية داخلية في الدول التي توجد فيها.

ففي لبنان، يُطرح موضوع تسليم سلاح المقاومة تحت عنوان تعزيز سيادة الدولة، في وقت تستمر فيه المواجهات والاعتداءات الإسرائيلية.

وفي غزة، تتواصل الحرب والدمار والقتل، بينما يبقى سلاح الفصائل الفلسطينية جزءاً أساسياً من المعادلة.

وفي إيران، يستمر الضغط  السياسي والعسكري والاقتصادي من قبل  الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي اليمن، يستمر الصراع حول أنصار الله وقدراتهم العسكرية.

ومن هنا فان  القضية، في جوهرها، لا تتعلق بالسيادة العراقية وحدها، ولا بقوة الدولة أو ضعفها، وإنما ترتبط بصراع إقليمي ودولي تقوده الولايات المتحدة واسرائيل أوسع من السلاح وعناوينه المختلفة.

العراق ويوم السيادة

في العراق، يخشى العراقيون أن يؤدي التعامل مع سلاح المقاومة إلى خلق فتنة أو مواجهة بين القوات الأمنية العراقية وقوى المقاومة التي قاتلت تنظيم داعش وشاركت في مواجهة الاحتلال والإرهاب، وانتصرت للقضية الفلسطينية .

وفي سوريا، بعد (التغيير السياسي ) باشرت اسرائيل باستهداف واسع لمخازن أسلحة الجيش السوري، بما يعكس، أن السلاح يمثل عاملاً رئيسياً في مخطط التغيير بهذا البلد.

وعليه، فإن الإعلان عن «يوم للسيادة» يُعد، من حيث المبدأ، أمراً مهماً، خصوصاً إذا ارتبط بخروج القوات الأجنبية واستقلال القرار الوطني.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تخرج القوات الأجنبية من البلدان من تلقاء نفسها، أم أن خروجها يكون نتيجة مقاومة مسلحة، أو رفض شعبي واسع، أو احتجاجات واعتصامات وضغوط سياسية، كما حدث في تجارب تاريخية متعددة (؟) وإذا ترك الأمر للقوات الأجنبية وحدها، فهل كانت ستغادر البلدان التي تنتشر فيها قواعدها؟

القوات الأمريكية، على سبيل المثال، ما زالت موجودة في قواعد عسكرية في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما، ما يجعل مسألة الوجود العسكري الأجنبي مرتبطة، في كل حالة، بحسابات سياسية وأمنية واستراتيجية معقدة.

خروج القوات الأجنبية: انسحاب أم نتيجة للصراع؟

إن الإعلان الأمريكي عن إخراج القوات الأمريكية من العراق، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره منّة أو امتيازاً تقدمه الولايات المتحدة للعراق أو لدول المنطقة، بل باعتباره نتيجة للمخاطر  التي تعرضت لها القوات الأمريكية، سواء من إيران أو من بقية محاور المقاومة، حيث كانت أحد العوامل التي دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في طبيعة انتشار قواتها في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة «يوم السيادة» باعتباره بداية لمشروع أوسع لاستكمال السيادة العراقية، لا مجرد مناسبة احتفالية.

ما الذي ينقص السيادة العراقية؟

إذا كان «يوم السيادة» مناسبة للاحتفال، فإن استكمال مشروع السيادة يتطلب، مجموعة من الإجراءات، من بينها:

1) إخراج القوات التركية من الأراضي العراقية.

2) إخراج المعارضة الإيرانية المسلحة من الأراضي العراقية.

3)  وضع قوات البيشمركة ضمن منظومة القيادة العامة للقوات المسلحة، وفقاً للدستور والقوانين النافذة.

4) حماية سماء العراق وأجوائه، إذ ما زالت الأجواء العراقية، عرضة للانتهاك، وهو ما يتطلب بناء قدرات دفاع جوي متطورة، وإنشاء شبكات رصد ومراقبة قادرة على حماية المجال الجوي.

5) إنهاء الوصاية الأمريكية على الأموال العراقية المودعة في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بما يضمن استقلال القرار الاقتصادي والسياسي العراقي ويحد من أي تأثير خارجي على الموارد المالية للدولة.

إن اكتمال هذه الإجراءات، هو ما يمنح «يوم السيادة» معناه الحقيقي، ويحوّله من مجرد تاريخ يُحتفل به إلى مشروع وطني متكامل.

وعندها، يمكن للعراقيين أن يحتفلوا بهذا اليوم من أقصى العراق إلى أقصاه، باعتباره يوماً لاستقلال القرار الوطني، وحماية الأرض والسماء والمياه، وترسيخ الدولة ومؤسساتها، وصون كرامة العراق وسيادته.

-----------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
* مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ـ العراق

مقالات اخرى للكاتب

كيف نقرأ الدعوة إلى «يوم السيادة» في العراق؟