24 - 09 - 2026

كولومبيا تنسحب من دعوى جريمة إبادة غزة.. والأورومتوسطي: انسحابها لا يشطب القضية

كولومبيا تنسحب من دعوى جريمة إبادة غزة.. والأورومتوسطي: انسحابها لا يشطب القضية

أعلنت كولومبيا انسحابها من الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية لمساءلتها عن انتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة. وهو الإعلان الذي كشفت عنه محكمة العدل الدولية في بيان أصدرته الثلاثاء 22 سبتمبر، موضحةً أن كولومبيا أبلغتها في 18 سبتمبر بقرارها سحب إعلان تدخلها في الدعوى ضد إسرائيل، والذي قدمته في 5 أبريل 2024 بموجب المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة.

الإعلان الذي لم يحظ باهتمام من جانب الإعلام العربي، كشف عنه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، والذي أعرب عن بالغ أسفه لقرار كولومبيا الانسحاب من الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بشأن حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

ووصف المرصد في بيان له، انسحاب كولومبيا بأنه تراجع خطير للجهود الدولية لحماية الفلسطينيين من الإبادة الجماعية، وضمان مساءلة إسرائيل عن الجرائم المرتكبة بحقهم، وفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

المرصد الأورومتوسطي أوضح في بيانه، الذي صدر  مساء الأربعاء 23 سبتمبر، أن انسحاب كولومبيا لا يوقف إجراءات الدعوى، ولا يؤدي إلى شطبها، ولا يمس اختصاص المحكمة أو حجج جنوب أفريقيا وأدلتها، ولا يؤثر في إعلانات التدخل المقدمة من الدول الأخرى، كما لا ينتقص بأي صورة من القوة الملزمة للتدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة في يناير.. ومارس.. ومايو 2024، والتي تظل إسرائيل ملزمة قانونًا بتنفيذها كاملة وفورًا.

وأرجع المرصد عدم شطب القضية إلى أن كولومبيا لم تكن صاحبة الدعوى، لافتاً إلى أن المادة 63  من النظام الأساسي للمحكمة تجيز للدول الأطراف في اتفاقية يكون تفسيرها محل نزاع أمام المحكمة التدخل لتقديم موقفها بشأن هذا التفسير، من دون أن تكتسب بذلك صفة الطرف في الدعوى، ومن ثم لم تكن كولومبيا دولة مدعية ولم تكن تملك وقف القضية أو إنهاءها. بالتالي، ينحصر الأثر المباشر للانسحاب في إنهاء مشاركة كولومبيا كدولة متدخلة وتخليها عن حقها في عرض تفسيرها لأحكام اتفاقية الإبادة الجماعية أمام المحكمة، من دون أن يمتد ذلك إلى أصل الدعوى أو إجراءاتها.

لكن الأورومتوسطي حذر من محاولة إسرائيل توظيف انسحاب كولومبيا وتسويقه لتقويض الدعوى، والتشكيك في أساسها القانوني. مجدداً تأكيده على أنه قرار أحادي صادر عن دولة متدخلة، ولا يحمل أي قيمة قضائية في تقييم الوقائع أو الأدلة، ولا يصلح سندًا لنفي مسؤولية إسرائيل أو تبرئتها من انتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية؛ فالمحكمة وحدها تملك الفصل في هذه المسائل، والقضية ما تزال قائمة بكامل مسارها القانوني إلى حين صدور حكم نهائي في موضوعها.

قرار كولومبيا الانسحاب من القضية المدافعة عن الشعب الفلسطيني، جاء بعد أداء الرئيس الجديد اليميني "أبيلاردو دي لا إسبرييلا"، اليمين الدستورية لرئاسة البلاد خلفاً للرئيس السابق اليساري "جوستابو بيترو" الداعم للقضية الفلسطينية. وكان "إسبرييلا" قد أدى اليمين الدستورية يوم الجمعة 7 أغسطس 2026، في قاعة بجامعة قريبة من قاعدة كتيبة بيتشينشا العسكرية في مدينة كالي، وبالتالي هو أول رئيس كولومبي في التاريخ الحديث يؤدي اليمين في مكان غير مبنى ‌الكونجرس في ⁠العاصمة بوجوتا.

والمعروف عن إسبرييلا أنه حليف للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد حصل على تأييد كامل وشامل منه خلال الانتخابات. وخلال عمله محاميا مثل أشخاص لهم صلات بجماعات شبه عسكرية يمينية، كما عمل محامياً لعدد من الشخصيات المثيرة للجدل، من بينها أليكس صعب، المتهم في الولايات المتحدة بغسل أموال لصالح الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

الرئيس الكولومبي الجديد لم يسبق له أن شغل منصباً سياساً قبل الانتخاب. و ويحمل جنسيات كولومبيا والولايات المتحدة وإيطاليا. ويمتلك مجموعة من الأنشطة التجارية تشمل بعض منتجات الخمور والملابس والعقارات. غير أن موقع «لا سيلا فاسيا» للصحافة الاستقصائية أشار إلى أن عدداً من شركاته تم حلها، بسبب الديون والخسائر التي تعرض لها خلال عام 2024، في حين بقي مكتبه للمحاماة النشاط الأكثر ربحية ضمن أعماله.

اللافت أن إسبرييلا، في خطابه بالقاعدة العسكرية بعد أداء اليمين الدستورية، طرح مشروعاً لبناء عشرة سجون عملاقة في كولومبيا ضمن خطته لمواجهة العصابات والجماعات المسلحة.

وقد رافق انتقال السلطة في كولومبيا، إعادة توجيه معلنة لسياستها الخارجية نحو توثيق العلاقات السياسية والأمنية مع إسرائيل والولايات المتحدة؛ وهو ما علق عليه المرصد الأورومتوسطي في بيانه "بأنه لا يجوز لكولومبيا، أو أي دولة، إخضاع التزاماتها الدولية لتبدل التحالفات أو المصالح السياسية، إذ تظل كولومبيا، بصفتها دولة طرفًا في اتفاقية الإبادة الجماعية، ملزمة بتنفيذ جميع أحكامها بحسن نية، وفي مقدمتها واجب منع الإبادة والمعاقبة عليها".

وكانت الرئاسة الكولومبية قد أعلنت في النصف الثاني من يوليو 2026، عقب لقاء وزير خارجيتها المكلف عمر بولا إسكوبار، نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بمقر الخارجية الكولومبية، عزمها الانسحاب من القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، في سياق توجه الحكومة الجديدة إلى إعادة بناء العلاقات الثنائية مع إسرائيل وتعزيز التعاون بين البلدين. كما تعتزم أيضًا افتتاح سفارة كولومبيا في القدس، واستئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، إلى جانب إلغاء متطلبات التأشيرة بين البلدين، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي. وفقاً لما أعلنه مكتب الرئيس الكولومبي المنتخب، أبيلاردو دي لا إسبرييلا.

ويذكر أن الرئيس الكولومبي السابق جوستافو بيترو، كان قد أعلن في عام 2024، قطع العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل بسبب تصرفاتها في غزة. وقرر الانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا التي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في محكمة العدل الدولية. كما ألغت الخارجية الأمريكية تأشيرة "بيترو" في سبتمبر 2025، ، على خلفية تصريحاته ومشاركته في مظاهرة داعمة لقطاع غزة في شوارع نيويورك، أثناء مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا خلالها الجنود الأمريكيين إلى عصيان أوامر الرئيس دونالد ترامب وعدم توجيه أسلحتهم نحو المدنيين، كما اتهم الإدارة الأمريكية بالتواطؤ في "الإبادة الجماعية" في غزة. وهو ما وصفته واشنطن ما وصفته بـ"الأفعال المتهورة والتحريضية".

وأمام ذلك التصرف من جانب الحكومة الكولومبية الجديدة، أكد المرصد الأورومتوسطي أنّ أي تنسيق سياسي أو اقتصادي بين الدول يهدف إلى حماية حلفائها من المساءلة، سواء من خلال الضغط على دول أخرى لسحب مشاركتها في الإجراءات القضائية أو وقف تعاونها معها، أو من خلال فرض عقوبات وقيود على المحاكم الدولية وقضاتها ومدعيها العامين وموظفيها والمتعاونين معها، يشكل مساسًا خطيرًا باستقلال القضاء الدولي ومحاولة مباشرة للتأثير في عمله.