أكد سفير أرمينيا لدى مصر أرمين ساركسيان، أن العلاقات المصرية الأرمينية شهدت تطورًا ملحوظًا على مدار السنوات الماضية، وتحولت إلى شراكة متعددة الأبعاد تقوم على التكامل والمنفعة المتبادلة، مشيرًا إلى أن التعاون بين البلدين لم يعد قاصرًا على المجال السياسي، وإنما امتد ليشمل الاقتصاد والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والرعاية الصحية والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة وغيرها من المجالات.
وقال سفير أرمينيا، خلال كلمته بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والثلاثين لجمهورية أرمينيا، بحضور الدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، وممثلي السلطات المصرية ورؤساء البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وممثلي وسائل الإعلام وأبناء الجالية المصرية الأرمينية، إن أرمينيا تحتفل اليوم بمرور 35 عامًا على استقلالها، بعد مسار تاريخي شديد الصعوبة شهد العديد من المحن والكوارث التي مر بها الشعب الأرمني.
وأضاف أن أرمينيا، بحكم موقعها في منطقة جيوسياسية معقدة، تعرضت على مدار تاريخها لغزوات واجتياحات مدمرة، كما فقدت دولتها واستقلالها في مراحل مختلفة، إلا أنها تقف اليوم برؤية جديدة وإرادة راسخة لبناء مستقبل يسوده السلام والازدهار، مؤكدًا أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم دون الدعم والتعاون مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم مصر.
وأوضح أن العلاقات الدبلوماسية بين أرمينيا ومصر أُقيمت في 9 مارس 1992، ومنذ ذلك التاريخ ترسخ حوار سياسي مستقر بين البلدين، سرعان ما اتسع ليشمل مجالات الاقتصاد والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والرعاية الصحية والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة وغيرها، معتبرًا أن العلاقات المصرية الأرمينية باتت اليوم شراكة متعددة الأبعاد ومتكاملة المصالح.
زيارة الرئيس السيسي لأرمينيا محطة فارقة
وأشار ساركسيان إلى أن الحوار السياسي بين البلدين شهد خلال السنوات الأخيرة نشاطًا ملحوظًا، لافتًا إلى أن الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أرمينيا في يناير 2023 شكلت محطة فارقة في مسيرة العلاقات الثنائية، باعتبارها أول زيارة رسمية لرئيس مصري إلى أرمينيا، كما حملت رسالة سياسية مهمة عكست المستوى الرفيع للعلاقات بين البلدين.
وتابع أن زيارة رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان إلى مصر في مارس 2024 أعطت بدورها دفعة جديدة للتعاون بين البلدين، موضحًا أن الزيارتين أكدتا ليس فقط قوة العلاقات السياسية، وإنما أيضًا أهمية تطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
ولفت إلى أن عام 2025 شهد مزيدًا من التقدم في العلاقات الثنائية، حيث عقدت الجولة الحادية عشرة من المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية أرمينيا ومصر في القاهرة خلال أبريل، وناقش الجانبان خلالها فرص توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية والسياحة والتعليم والثقافة.
وأضاف أن العلاقات الثنائية شهدت خلال العام ذاته زيارات قام بها رئيس أرمينيا فاهاغن خاتشاتوريان، ووزير الدفاع سورين بابيكيان، ووزير الاقتصاد جيفورج بابويان، إلى جانب انعقاد الدورة السادسة للجنة الحكومية الأرمينية المصرية المشتركة للتعاون الاقتصادي، والتي تناولت مستقبل العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.
توافق مصري أرميني بشأن عدد من القضايا
وأكد سفير أرمينيا أن القاهرة ويريفان تتعاونان بصورة إيجابية، ولا سيما في إطار الدبلوماسية متعددة الأطراف، مع وجود مواقف مشتركة تجاه عدد من القضايا الإقليمية.
وأوضح أن أرمينيا تؤيد تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال حل الدولتين، باعتباره أساسًا لتحقيق سلام دائم، مشيرًا إلى أن بلاده اعترفت بدولة فلسطين عام 2024، وأقامت معها علاقات دبلوماسية في 27 سبتمبر من العام نفسه.
وأشار كذلك إلى أن الحكومة الأرمينية أرسلت خلال عام 2024 مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، للمساهمة في تلبية احتياجات السكان المدنيين.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة
وقال ساركسيان إن أرمينيا ومصر تمتلكان فرصًا واسعة لتعزيز التعاون المشترك في العديد من القطاعات، خاصة التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية والزراعة والطاقة والبناء والبنية التحتية والسياحة والتعليم.
وأكد أن هذه المجالات تتمتع بإمكانات كبيرة للتعاون بين البلدين، إلا أن جزءًا مهمًا من هذه الإمكانات لا يزال بحاجة إلى الاستفادة منه وتفعيله.
وكشف أن وزارة الخارجية الأرمينية أعيدت تسميتها، تنفيذًا لقرار رئيس الوزراء وتعديل تشريعي ذي صلة، لتصبح «وزارة الخارجية والتجارة الدولية»، موضحًا أن هذه الخطوة تعكس الأولوية التي توليها أرمينيا للمكون الاقتصادي في سياستها الخارجية.
ووجه سفير أرمينيا دعوة إلى رجال الأعمال المصريين المشاركين في الاحتفال لزيارة بلاده، وتشجيعهم على إقامة شراكات وعلاقات مباشرة مع نظرائهم الأرمن، بما يسهم في إطلاق برامج ومشروعات جديدة في مجال التجارة.
«مفترق طرق السلام».. رؤية أرمينية لتعزيز الاستقرار الإقليمي
وانتقل السفير الأرميني إلى الحديث عن قضية السلام، مؤكدًا أنها تحتل موقعًا محوريًا في السياسة الخارجية لبلاده، وأن أرمينيا تواصل تنفيذ سياستها الرامية إلى ترسيخ السلام والاستقرار.
وقال إن السلام بالنسبة لأرمينيا «ليس مجرد أمنية، وإنما هدف استراتيجي لسياسة الدولة»، موضحًا أن بلاده ترى أن مستقبل جنوب القوقاز يجب ألا يقوم على خطوط التقسيم والحدود المغلقة وانعدام الثقة المتبادل، وإنما على الحوار والتعاون وتعزيز الترابط الإقليمي.
وأضاف: «نريد منطقة تصبح فيها الطرق وسيلة للربط والتواصل، وليس للفصل والانقسام».
وأكد أن مبادرة الحكومة الأرمينية «مفترق طرق السلام» تكتسب في هذا السياق أهمية خاصة، موضحًا أن فكرتها الأساسية تتمثل في دعم فتح وتفعيل روابط النقل والاقتصاد في المنطقة، استنادًا إلى مبادئ سيادة الدول وسلامة أراضيها والاختصاص القضائي والمعاملة بالمثل.
وأوضح أن الهدف من المبادرة هو تهيئة الظروف التي تتيح لدول المنطقة تعزيز التجارة الحرة، ونقل السلع، وتنمية السياحة، وتعزيز التواصل فيما بينها، وخلق فرص اقتصادية جديدة، مشيرًا إلى أن الحكومة الأرمينية تنظر إلى «مفترق طرق السلام» باعتباره أداة مهمة لتحقيق الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن هذا الطرح يمثل أيضًا إحدى نقاط الالتقاء المهمة بين رؤيتي أرمينيا ومصر، موضحًا أن أجندتي السياسة الخارجية للبلدين، رغم تعدد القضايا التي تتناولانها، تلتقيان حول قيمة أساسية تتمثل في الإيمان بأن الاستقرار والازدهار يتحققان من خلال السلام.
العلاقات المصرية الأرمينية أقدم من العلاقات الدبلوماسية
وأكد سفير أرمينيا أن العلاقات بين الشعبين المصري والأرمني تتميز بطابع خاص، لأنها لم تبدأ مع إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإنما تعود إلى قرون مضت، عبر روابط إنسانية وثقافية وتاريخية عميقة.
وقال إن وجود الأرمن في مصر يمتد إلى تاريخ طويل، شارك خلاله الأرمن، في مراحل مختلفة، في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية المصرية.
وأضاف أن الجالية الأرمنية تمكنت من الحفاظ على هويتها، وفي الوقت نفسه أصبحت جزءًا أصيلًا من المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن من أبرز محطات العلاقات بين الشعبين أن مصر تحولت، خلال أصعب المراحل التاريخية، إلى ملاذ آمن للشعب الأرمني.
وأوضح أن الأرمن لم يكتفوا بإعادة بناء حياتهم في مصر، وإنما قدموا أيضًا إسهامات مهمة في مسيرة التنمية المصرية من خلال العمل والمعرفة والتراث الثقافي، مؤكدًا أن هذه الحقيقة تحتل مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية للشعب الأرمني.
الجالية الأرمنية جسر حي بين القاهرة ويريفان
وأشار ساركسيان إلى أن الجالية الأرمنية في مصر تواصل حتى اليوم القيام بدور «جسر حي وفريد» بين البلدين، مؤكدًا أن المدارس والكنائس والمؤسسات الثقافية والمجتمعية الأرمنية في مصر لا تمثل فقط مراكز للحفاظ على الهوية الأرمنية، وإنما تعد أيضًا مراكز مهمة لتعزيز الصداقة المصرية الأرمينية.
وقال إن الجالية الأرمنية في مصر تقدم نموذجًا على قدرة ثقافتين مختلفتين على إثراء كل منهما الأخرى، بدلًا من التنافس، معتبرًا أن ذلك يمثل أحد أهم الدروس التي تقدمها العلاقات بين البلدين.
ووجه سفير أرمينيا الشكر إلى السلطات المصرية الصديقة، وبصفة خاصة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لما يحيطون به الجالية الأرمنية المصرية من محبة واحترام.
شراكة تاريخية تتجه نحو آفاق جديدة
وأكد ساركسيان أن العلاقات المصرية الأرمينية تثبت أن الصداقة التاريخية قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن والتحول إلى شراكة حديثة.
وشدد على أن البلدين قادران على تطوير روابط اقتصادية وتكنولوجية جديدة، وتوسيع التعاون الثقافي والتعليمي، والمساهمة في تعزيز السلام والاستقرار في منطقتيهما.
واختتم بالتأكيد على أن أجندة السلام الأرمينية ومبادرة «مفترق طرق السلام» لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما أجندة وطنية لأرمينيا فحسب، وإنما أيضًا باعتبارهما طرحًا لخلق فرص جديدة للتعاون الإقليمي.
وقال: «لتظل الصداقة الممتدة عبر قرون بين شعبينا أساسًا راسخًا للعلاقات بين بلدينا، ولتصبح شراكتنا على مستوى الدولة أكثر عمقًا وعملية وفاعلية».
واختتم سفير أرمينيا كلمته قائلًا: «عاشت جمهورية أرمينيا.. عاشت جمهورية مصر العربية».






