21 - 09 - 2026

عناة و إيزيس على ضفاف النيل

عناة و إيزيس على ضفاف النيل

عندما دعتني المخرجة عبير علي المدير الفني للمهرجان لحضور المؤتمر الصحفي الخاص بمهرجان إيزيس الدولي والذي أقيم في المجلس الأعلى للثقافة مساء الأربعاء الماضي حيث اعلن في المؤتمر عن تفاصيل الدورة الرابعة من مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة والتي تحمل هذا العام اسم الفنانة الراحلة سناء جميل بحضور كل من الفنانة عبير لطفي رئيس المهرجان والمخرجة عبير علي المدير الفني للمهرجان والكاتبة رشا عبد المنعم المدير الفني للمهرجان ومصطفى محمد المدير التنفيذي للمهرجان

حيث يتضمن برنامج الدورة الجديدة التي تنطلق خلال الفترة من 25 سبتمبر وحتى 2 أكتوبر 2026 مشاركة 13 عرضًا مسرحيًا من مصر وعدد من الدول العربية والأجنبية بالإضافة إلى برنامج فني وثقافي يجمع بين المسرح والسينما والورش التدريبية والفعاليات الفكرية

ومابين ماحدث ويحدث وما سوف يحدث كان هذا ما دار بخاطري أثناء وبعد المؤتمر للوقوف على المسارات النسوية ببن فلسطين ومصر من العصور القديمة وحتى اليوم .

في الأسطورة القديمة، لم تكن [إيزيس] تكتفي بالبكاء كانت تطوف الأرض لتجمع أشلاء الحياة وتبعث في الروح ما ظنه القتلة قد مات وعلى مسافة ليست ببعيدة في الذاكرة الكنعانية كانت [عناة] ترفع سيفها لحماية الأرض ترفض الهزيمة وتمنح الخصب للتراب حتى في أكثر أوقات الجفاف قسوة.

حين يلتقي هذان الطيفان لا نكون أمام مجرد استعراض فني بل أمام حكاية صمود تُكتب بالضوء والحركة هناك، في قلب القاهرة حيث يلتقي النيل بروح المسرح ينبعث (مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة) ليصبح حاضنةً لصرخات حفيدات إيزيس وايضا هناك حفيدات عناة اللواتي لم يكسرهن الحصار وفي مقدمتهن المبدعات الفلسطينيات اللاتي يحملن معهن حكايات الموت والولادة من قلب المعاناة

لم تكن الحكاية بالنسبة لي تتعلق بالمسرح بقدر ما كانت بحثاً الترابط بين الحضارات على مدار الزمن عن صوت يخرج من بين الركام كانت خشبة المهرجان تشهد كيف تتحول التجربة الإنسانية المُرّة إلى فعل جمالي يتحدى المحو واسترجعت من ذاكرة المهرجان بعضا من تلك اللحظات حين اعتلت الفنون الفلسطينية المنصة لم يأتِ الحضور في صورة خطاب سياسي مباشر، بل كلوحة سحرية تعيد كتابة الذاكرة

في عرض مثل ** فاطمة الهواري.. لا تصالح ** لم يتوقف الجمهور عند حدود المشاهدة بل عاش تجربة وجدانية كثيفة مع عروس الجليل التي جسدت المقاومة بصلابة لا تنكسر كانت الكلمات تتردد كصلاة قديمة تحول من خلالها الجسد المقيد بالحصار إلى ممر حر يربط بين الماضي والحاضر ويؤكد أن الفن هو الذاكرة التي لا تقبل النسيان

ولم يتوقف هذا التلاقي عند الحدود الجغرافية للخشبة بل تسلل إلى الندوات والجلسات الحوارية التي جمعت المبدعات من كل صوب هناك بعيداً عن كواليس التصفيق كانت الشهادات تُحكى بنبرة خافته ولكنها ممتلئة بالحياة كيف يُصنع المسرح والبيت محاصر؟ كيف تخرج الصورة الفنية من بين الغبار والدمار؟ كانت المبدعات الفلسطينيات يسرُدن تفاصيل حيواتهن اليومية مع الفن لا كضحايا بل كصانعات أمل وقوة يشبكن أيديهن مع نظيراتهن على ضفاف النيل ليصنعن معاً مساحة تعافٍ مشتركة

وفي لحظات الختام حين كانت تُرفع الأكف تحية لشهداء الفن والكلمة كان يتضح جلياً أن المهرجان لم يكن مجرد حدث عابر في أجندة الثقافة بل كان طقساً للبعث الشامل كانت روح (إيزيس) وهي تلملم الأجزاء المبعثرة تندمج تماماً مع إصرار (عناة) على حماية الأرض لتصبح الخشبة مسرحاً لوصل ما انقطع وإعادة الصوت لمن حاول الحصار خنقه

إنها الحكاية التي تقول لنا دائماً طالما أن هناك امرأة تقف تحت الضوء لتروي قصتها وطالما أن هناك مسرحاً يفتح ذراعيه ليتسع للوجع والجمال معاً فإن الذاكرة لن تنهزم وأن الحياة ستحب دائماً من يدافع عنها بالفن والحرية

"الفن مقاومة

المجد لأحرار العالم"
-------------------------
بقلم: 
حاتم نظمي
* فنان وكاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

عناة و إيزيس على ضفاف النيل