19 - 09 - 2026

الصمت العاجز.. إنهم يسرقون منا دهشة الغضب

الصمت العاجز.. إنهم يسرقون منا دهشة الغضب

أخطر ما في الفساد ليس أن هناك من يسرق، وإنما أن هناك من يرى السرقة ثم يقنع نفسه بأن الصمت حكمة.

هكذا يبدأ الفساد الحقيقي: لا عندما تمتد يد إلى المال العام، وإنما عندما تمتد يد أخرى إلى فم الشاهد لتقول له: «اسكت.. وما لكش دعوة».

وهكذا، شيئًا فشيئًا، يصبح السكوت أسلوب حياة.

معظمُنا، نحن المصريين، بارعون في الكلام. نتحدث في المقاهي، وفي البيوت، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ونملك لكل مشكلة تفسيرًا، ولكل مسؤول حكاية، ولكل واقعة رأيًا. لكن المفارقة أننا قد نكون أكثر شجاعة في الكلام عن الفساد عندما نضمن أن الفاسد ليس موجودًا ليسمعنا.

نلعنه في غيابه، ونبتسم له في حضوره.

نقول عنه «حرامي» في الجلسات المغلقة، ثم نمد له أيدينا في العلن.

وهنا أتذكر الفنان أحمد زكي في فيلم «ضد الحكومة»، عندما انفجر في وجه الجميع قائلًا: «كلنا فاسدون.. كلنا فاسدون».

لم يكن الرجل يقول إننا جميعًا نسرق، أو أننا جميعًا نقبل الرشوة، أو أن الجريمة أصبحت صفة عامة للمصريين. كان يضرب في منطقة أكثر إيلامًا: منطقة المسؤولية الأخلاقية.

فليس كل فاسد هو من يمد يده إلى المال.

هناك من يمد يده إلى الحقيقة ويخنقها.

هناك من يرى التجاوز ويسكت.

ومن يعرف الظلم ويقول: «خلّيني بعيد».

ومن يرفض الفساد عندما يقع على غيره، ثم يبحث عن واسطة عندما يكون المستفيد هو.

ومن يردد: «الدنيا كده»، وكأن هذه الجملة شهادة وفاة لأي محاولة للإصلاح.

وأنا لا أستثني أحدًا.

حتى ذلك الذي لم يسرق، ولم يرتشِ، ولم يختلس، لكنه رأى الخطأ وقرر أن الصمت أكثر أمانًا.

هذا هو الصمت العاجز.

وليس من العدل أن نساوي بين الصامت والفاسد، فالفارق بينهما كبير. هناك من يصمت خوفًا على رزقه، وهناك من يصمت خوفًا من بطش صاحب نفوذ، وهناك من لا يملك وسيلة آمنة للاعتراض. هؤلاء لا يجوز أن نحاكمهم بالكلام السهل.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف الفردي إلى ثقافة جماعية.

عندما يصبح الاعتراض هو التصرف الغريب.

وعندما يصبح الشريف «غلبانًا»، وصاحب الواسطة «فاهم الدنيا»، والفاسد «بيعرف يخلّص نفسه».

عندها لا يعود الفساد مجرد جريمة يرتكبها أفراد.

يصبح مناخًا اجتماعيًا.

والمناخ لا يصنعه الفاسد وحده.

يصنعه أيضًا من اعتاد وجوده.

نحن نريد أحيانًا أن يتغير كل شيء، بشرط ألا نغيّر شيئًا في أنفسنا. نريد محاربة المحسوبية، لكننا نبحث عن واسطة عندما نحتاجها. نريد إنهاء الرشوة، لكننا نبررها عندما تكون «علشان نخلّص مصلحة». نريد موظفًا نزيهًا، ثم نغضب منه عندما يطبق القانون علينا بحذافيره.

هذه هي المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الفساد طويلًا.

لا أحد يعترف بأنه جزء من المشكلة، والجميع يتحدث عن المشكلة.

والنتيجة؟

نظل ننتظر «الدولة» كي تصلح المجتمع، وننتظر «المجتمع» كي يصلح الدولة، بينما يواصل الفساد عمله بهدوء، مستفيدًا من هذه المسافة بين الاثنين.

لكن مواجهة الفساد لا تعني أن يتحول كل مواطن إلى بطل أسطوري.

يكفي أحيانًا أن نرفض أن نكون جزءًا من الدائرة.

أن تقول «لا» للرشوة حين تستطيع.

أن ترفض الواسطة حين يكون رفضها ممكنًا.

أن تبلغ عن المخالفة عبر الوسائل القانونية المتاحة عندما يكون ذلك آمنًا وممكنًا.

أن تعلم أبناءك أن احترام القانون ليس سذاجة، وأن النزاهة ليست عيبًا، وأن الحصول على حقك لا يتطلب بالضرورة أن تسلب حق غيرك.

والأهم: ألا نعتاد.

فالاعتياد هو أخطر مراحل الفساد.

أن ترى الخطأ مرة فتغضب، ثم تراه عشر مرات فتتضايق، ثم تراه مائة مرة فلا تشعر بشيء.

عندها يكون الفساد قد حقق انتصاره الأكبر.

ليس لأنه سرق المال.

بل لأنه سرق دهشتنا.

سرق غضبنا.

وسرق قدرتنا على قول: هذا خطأ.

ولهذا فإن عبارة أحمد زكي «كلنا فاسدون» لا ينبغي أن تكون ذريعة لليأس، ولا حكمًا جماعيًا بالإدانة.

ربما علينا أن نقرأها باعتبارها سؤالًا لا إجابة:

عندما رأيت الفساد.. ماذا فعلت؟

إن كانت الإجابة: لم أفعل شيئًا، لأنني لا أستطيع، فهذه مأساة.

أما إذا أصبحت الإجابة: لم أفعل شيئًا لأن الأمر لا يعنيني، فهذه كارثة.

فالفساد لا يحتاج دائمًا إلى شركاء.

أحيانًا يكفيه جمهور صامت.

وأسوأ ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يخاف من الفساد، وإنما أن يتعايش معه حتى يصبح الصمت أكثر راحة من قول الحقيقة.

فالسكوت قد لا يجعل الإنسان فاسدًا، لكنه، حين يصبح عادة، يمنح الفساد مساحة أطول كي يعيش.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد

مقالات اخرى للكاتب

الصمت العاجز.. إنهم يسرقون منا دهشة الغضب