18 - 09 - 2026

حين يصبح النفط سلاحاً.. هرمز وباب المندب في قلب المواجهة

حين يصبح النفط سلاحاً.. هرمز وباب المندب في قلب المواجهة

لم تعد أزمات الشرق الأوسط ملفات منفصلة، ولا جبهات متباعدة لا رابط بينها. ما يتشكّل اليوم هو مشهد إقليمي جديد تتداخل فيه جبهات الخليج الفارسي والبحر الأحمر واليمن وغزة ولبنان، لتتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر من عناصر القوة والضغط الاستراتيجي.

في قلب هذا المشهد يقف مضيقا هرمز وباب المندب. فهما ليسا مجرد ممرين بحريين، بل عقدتان أساسيتان في شبكة الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب مستمر في حركة الملاحة، حتى من دون إغلاق كامل، قادر على رفع أسعار النفط والتأمين البحري وكلفة النقل، وفتح الباب أمام موجة جديدة من التضخم والاضطراب الاقتصادي العالمي.

هنا تحديداً تكمن أهمية اليمن. فما يجري في اليمن لا يمكن اختزاله في كونه حرباً محلية أو صراعاً بين أنصار الله والسعودية. البحر الأحمر وباب المندب باتا جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وكلما اقتربت الضغوط من خطوط الملاحة ومنشآت الطاقة، ارتفعت الكلفة الأمنية والاقتصادية على الطرف الآخر، واتسعت تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية.

المعادلة الجديدة تقوم على قاعدة بسيطة ولكن شديدة الأهمية: الضغط على نقطة استراتيجية يصبح أكثر تأثيراً عندما يرتبط بنقطة استراتيجية أخرى.

هرمز وباب المندب منفصلان جغرافياً، لكنهما مترابطان في منظومة الطاقة والتجارة العالمية. وأي اضطراب في أحدهما لا يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية، بل يمكن أن ينتقل أثره إلى الآخر، بما يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها إعادة حسابات الانتشار العسكري وحماية طرق التجارة والطاقة.

ومن هنا، فإن قوة الجغرافيا البحرية لا تقاس فقط بالقدرة على إغلاق الممرات، بل أيضاً بالقدرة على خلق حالة من عدم اليقين حول أمنها. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يمكن أن يرفع كلفة التأمين والشحن ويعيد تشكيل حسابات الشركات والأسواق، من دون الحاجة إلى حرب شاملة.

وهذا هو التحول الأهم في طبيعة الحروب الحديثة: لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات والسفن، بل أيضاً بالقدرة على فرض الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية على الخصم.

في المقابل، يبقى السلوك الأميركي عاملاً حاسماً. فالدخول الأميركي المباشر بصورة أكبر في جبهة اليمن، إلى جانب حدوث اضطراب مستمر في هرمز أو استهداف إضافي للبنية النفطية السعودية، يمكن أن يحوّل التوتر المتعدد الجبهات إلى أزمة أوسع بكثير. وهذه تحديداً من أخطر المؤشرات التي ينبغي مراقبتها يومياً.

** النووي الإيراني واقتصاد الحرب

أما الملف النووي الإيراني، فيبقى أحد مفاتيح المشهد. فاستمرار الاحتكاك بين طهران وواشنطن، رغم بقاء بعض قنوات الاتصال، يعني أن المنطقة لا تزال أمام خطر انتقال الأزمة من المستوى الدبلوماسي إلى المستوى الأمني. ولذلك فإن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة لا يعني بالضرورة تراجعاً، بل يمكن أن يكون أداة لإدارة المخاطر ومنع سوء الحسابات.

لكن العامل الأكثر حساسية يبقى اقتصاد الحرب. فالسوق العالمية لا تخشى بالضرورة حادثة واحدة بقدر ما تخشى سلسلة متزامنة من الاضطرابات: هرمز، باب المندب، منشآت الطاقة، خطوط الملاحة والتأمين. وعندها لا يعود التأثير مقتصراً على سعر النفط، بل يمتد إلى التضخم العالمي والنقل والنمو الاقتصادي وقرارات المصارف المركزية.

لهذا، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: من يسيطر على هذه الجبهة أو تلك(؟) السؤال الأهم هو: من يستطيع أن يفرض كلفة استمرار الحرب على خصمه؟

هذه هي معادلة القوة الجديدة في الشرق الأوسط. الجغرافيا تتحول إلى سلاح، والممرات البحرية إلى أوراق ضغط، والطاقة إلى أداة تأثير، والسوق العالمية نفسها تصبح جزءاً من ميدان المواجهة.

هرمز وباب المندب ليسا مجرد مضيقين على الخريطة؛ إنهما عقدتان في معادلة القوة الإقليمية والدولية. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه العقد، لا يغيّر فقط مسار السفن، بل يستطيع أن يغيّر حسابات العواصم والأسواق أيضاً.
-------------------------------------
بقلم: د. جبار سعيدواي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران

مقالات اخرى للكاتب

حين يصبح النفط سلاحاً.. هرمز وباب المندب في قلب المواجهة