18 - 09 - 2026

حين تصبح الذاكرة أمانة عندنا | «ألزهايمر.. لص الذاكرة».. كتاب هبة حسين بين العلم والإنسان

حين تصبح الذاكرة أمانة عندنا | «ألزهايمر.. لص الذاكرة».. كتاب هبة حسين بين العلم والإنسان

منذ أيام، كانت إحدى قريباتي، وهي طبيبة، تحكي لي عن جارتها التي أصيبت بألزهايمر. قالت إنها لا تزال تحرص على زيارتها، رغم أن جارتها لم تعد تعرفها.

سألتها: لماذا تذهبين إليها إذن؟

أجابتني ببساطة شديدة:

«يكفي أنني أنا أعرفها.. وأتذكر العِشرة الجميلة التي كانت بيننا.»

ظلت الجملة عالقة في ذهني. ربما لأننا اعتدنا أن نربط قيمة العلاقة بقدرة الآخر على تذكرنا، بينما يأتي ألزهايمر ليضعنا أمام معنى مختلف للحب والوفاء: أن تتذكر عن إنسان ما لم يعد قادرًا على تذكره عن نفسه.

وبعدها بأيام، صعدت إلى الدور الثامن في مبنى نقابة الصحفيين، حيث كافيتريا النقابة، والتقيت بالصدفة أستاذتي في المهنة بعد غياب.

احتضنتها وسلمت عليها بفرحة حقيقية، جلست إلى جوارها، وبدأت تسألني عن حياتي وأسرتي وأحفادي، أجبتها، ثم أعادت الأسئلة نفسها، ظننت أنها لم تسمعني جيدًا، فأجبت مرة أخرى، لكنها عادت تسأل للمرة الثالثة.

لم يكن السؤال هو الذي أحزنني، بل تكراره.

كان وجهها أمامي كما أعرفه، وصوتها وابتسامتها، لكن شيئًا ما بدا كأنه يبتعد في مكان لا تراه العين .. الذاكرة.

في طريق عودتي، تذكرت صديقتي وأستاذتي في الصحافة العلمية، الكاتبة الصحفية هبة حسين، الصحفية اللامعة بأخبار اليوم، وكتابها «ألزهايمر.. لص الذاكرة (ما بين الوقاية والتعايش)»، الصادر عن دار سما للنشر.

شعرت أن عنوان الكتاب يفسر المشهد الذي رأيته للتو.

فالمرض لا يأتي دائمًا كعاصفة ، أحيانًا يتسلل بهدوء، يأخذ اسمًا أو موعدًا أو حكاية، ثم يترك خلفه فراغًا لا يعرف المحيطون بالمريض كيف يملأونه.

ليس كل نسيان ألزهايمر

أهمية كتاب هبة حسين أنه لا يقدم المرض باعتباره مجرد «نسيان»، ولا يخلط بين المصطلحات. فالخرف مصطلح عام يصف تدهورًا في القدرات المعرفية يؤثر في الحياة اليومية، بينما ألزهايمر مرض دماغي محدد، وهو أحد أكثر أسباب الخرف شيوعًا.

وليس كل من ينسى اسمًا أو موعدًا مصابًا بألزهايمر، لكن التغيرات المستمرة التي تؤثر في الذاكرة أو التفكير أو القدرة على أداء المهام اليومية تستحق تقييمًا طبيًا.

وما حدث مع أستاذتي لا يمكن أن يكون تشخيصًا؛ فواقعة واحدة لا تكفي لذلك، لكنها كانت بالنسبة لي لحظة إنسانية جعلتني أفكر في المرض بطريقة مختلفة.

وربما لهذا تبدو أرقام المرض أكثر قسوة حين نضعها بجوار وجه إنسان نعرفه.

فوفقًا لأحدث تقديرات جمعية ألزهايمر الأمريكية لعام 2026، يُقدّر عدد الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر ويعيشون مع ألزهايمر بنحو 7.4 مليون شخص ، وعالميًا، قدّرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 57 مليون شخص كانوا يعيشون مع الخرف في عام 2019، وتتوقع أن يصل العدد إلى نحو 139 مليونًا بحلول عام 2050 ، وتمثل ألزهايمر نحو 60 إلى 70% من حالات الخرف.

هذه ليست مجرد ملايين في جداول الإحصاء؛ إنها أمهات وآباء وأزواج وزوجات وأصدقاء، وبيوت تتغير فيها الأدوار تدريجيًا، حتى يصبح من رعى أبناءه يومًا بحاجة إلى من يرعاه.

وفي 21 سبتمبر من كل عام، اليوم العالمي لألزهايمر، تعود هذه الأرقام إلى الواجهة، لكن الأهم أن نتذكر الإنسان الذي يقف خلف كل رقم؛ إنسانًا قد يفقد ذاكرته، لكنه لا يفقد حقه في الحب والاحترام والكرامة.

من «الهارديسك الرباني» إلى العلاج

تأخذ هبة حسين القارئ إلى داخل الدماغ، مستخدمة تعبير «الهارديسك الرباني» لتقريب هذا العضو شديد التعقيد إلى القارئ العادي.

ويرتبط ألزهايمر بتغيرات مرضية في الدماغ، من بينها تراكم بروتينات مثل الأميلويد والتاو، وما يصاحب ذلك من اضطراب في الخلايا العصبية واتصالاتها ثم فقدانها مع تقدم المرض.

لكن العلم لم يعد يقف عند محاولة تخفيف الأعراض فقط.

فقد ظهرت علاجات تستهدف الأميلويد، من أبرزها ليكانيماب (Leqembi) ودونانيماب (Kisunla)، وأظهرت الدراسات قدرتهما على إبطاء التدهور لدى مرضى مختارين في المراحل المبكرة من المرض.

ومع ذلك، فهذه ليست أدوية للشفاء الكامل، وليست مناسبة لكل المرضى، وترتبط بمخاطر من بينها تغيرات في الدماغ تعرف بـ ARIA، ما يستلزم اختيار المرضى بعناية ومتابعة طبية وتصويرًا دوريًا بالرنين المغناطيسي.

أما ترونتينيـماب (Trontinemab)، فما زال في مراحل البحث والتجارب، ولا يصح تقديمه باعتباره علاجًا معتمدًا.

وهنا تكمن إحدى الحقائق التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفاء بأي اكتشاف: العلم يتقدم، لكنه لم يصل بعد إلى علاج يشفي ألزهايمر أو يوقف مساره نهائيًا.

حين لا تكون الرعاية دواءً فقط

يلفت الكتاب أيضًا إلى جانب غالبًا ما تختفي تفاصيله خلف اسم المرض: مقدم الرعاية.

فالألزهايمر لا يصيب شخصًا واحدًا بمعناه الإنساني؛ إذ تمتد آثاره إلى الأسرة كلها ، الابن الذي أصبح أبًا لأبيه، والزوجة التي تعيد الإجابة نفسها عشرات المرات، والأسرة التي تراقب شخصًا تحبه وهو يتغير أمامها بينما لا يزال جالسًا بينهم.

لذلك فإن التواصل الهادئ مع المريض، وتجنب الجدال العقيم، وتأمين المنزل، ومراعاة احتياجاته، ليست تفاصيل ثانوية. وكذلك يحتاج من يقدم الرعاية إلى الدعم، حتى لا يتحول الحب نفسه إلى إنهاك صامت.

هل يمكننا إبعاد اللص؟

لا توجد وسيلة تضمن الوقاية من ألزهايمر.

لكن الأبحاث تشير إلى أن الاهتمام بصحة القلب والأوعية الدموية، وممارسة النشاط البدني، وضبط ضغط الدم والسكري، وتجنب التدخين، والنوم الجيد، والتفاعل الاجتماعي والنشاط العقلي، كلها عوامل يمكن أن تسهم في خفض خطر الخرف أو تأخير ظهوره لدى بعض الأشخاص.

بمعنى آخر، العناية بالدماغ لا تبدأ عندما ننسى.

إنها تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة.

حين تصبح الذاكرة أمانة

أعود إلى قريبتي الطبيبة.

جارتها لم تعد تعرفها.

لكنها هي ما زالت تعرفها.

وهذا وحده كان كافيًا كي تذهب إليها.

وأعود إلى أستاذتي التي أعادت عليّ الأسئلة نفسها.

لا أعرف ماذا كان يحدث داخل ذاكرتها، ولا أملك أن أسميه مرضًا ، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أنني، بعد ذلك اللقاء، لم أعد أنظر إلى الذاكرة باعتبارها قدرة شخصية تخص صاحبها وحده.

فالذاكرة التي تضيع من شخص قد تبقى محفوظة في أشخاص آخرين.

نحن الذين نتذكر صوته، وابتسامته، ومهنته، وأيامه، وحكاياته.

نحن الذين نستطيع أن نقول له، حتى عندما لا يعرفنا:

«نحن نتذكرك.»

وفي اليوم العالمي لألزهايمر، الذي يحلّ علينا بعد ايام قليلة ، ربما نحتاج إلى أن نتذكر هذه الحقيقة قبل كل شيء:

ليس المطلوب فقط أن نحارب المرض بالعلم، وأن نبحث عن دواء يبطئه أو وسيلة تكتشفه مبكرًا.

المطلوب أيضًا ألا نسمح للمرض بأن ينتزع من المريض شيئًا آخر لا علاقة له بالذاكرة:

كرامته وإنسانيته.

وإذا كان ألزهايمر لصًا يسرق الذاكرة..

فربما يكون الوفاء هو أن نحرس نحن ما تبقى من الحكاية.
---------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

حين تصبح الذاكرة أمانة عندنا | «ألزهايمر.. لص الذاكرة».. كتاب هبة حسين بين العلم والإنسان