18 - 09 - 2026

بين قسر التهجير ووهم الهجرة | غزة وإعادة تعريف الصمود

بين قسر التهجير ووهم الهجرة | غزة وإعادة تعريف الصمود

إن التمييز بين الهجرة والتهجير ليس مجرد اختلاف في المصطلحات اللغوية بل هو فارق جوهري يتعلق بالإرادة والقانون وطبيعة الفعل.

فالهجرة هي قرار طوعي بالانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن فرص أفضل مع الاحتفاظ بقرار العودة وحرية الاختيار.

وأما التهجير فهو فعل قسري ومباشر يُكره فيه أصحاب الأرض على ترك منازلهم وأراضيهم تحت وطأة القوة العسكرية و القصف أو سياسات التضييق وجعل الحياة غير ممكنة، وهو ما يُصنف قانونياً كجريمة ضد الإنسانية.

في المعادلة الجيوسياسية الراهنة تتجاوز الجغرافيا حدود الجدار العازل والخرائط الصامتة لتصبح مسرحاً مفتوحاً لصراع الإرادات بين مفهوم الهجرة بوصفها اختياراً إنسانياً للفرار نحو طوق نجاة، والتهجير بوصفه خطة منهجية محبوكة بالنار والبارود تُكتب اليوم واحدة من أشرس الفصول وأكثرها تعقيداً في تاريخ هذا الصراع

(العربي الإسرائيلي / الإسلامي الصهيوني)

لم تكن المسألة يوماً مجرد انتقال ديموغرافي أو تبديل في إحداثيات الإقامة، إن الفارق بين المفردتين هو الفارق الدقيق والخطير بين الإرادة الحرة والتجريد القسري من الحق في الوجود. في غزة لا يتعلق الأمر ببحث أفراد عن أفق معيشي أفضل كما تحاول بعض الأدبيات الغربية تسويقه ناعماً، بل بمخطط استراتيجي يعتمد هندسة اللامكان عبر تحويل البيئة العمرانية والإنسانية إلى النقطة صفر لقابلية الحياة.

ما جرى ويجري على الأرض يتجاوز التدمير التكتيكي للمشهد القتالي إلى مسح مقومات البقاء، حيث يتحول شلل المرفق الصحي وغياب الشريان المائي والنزوح المتكرر تحت الشظايا إلى أدوات ناعمة وخشنة لفرض التهجير الداخلي، يُراد لهذا الإنهاك المستمر أن يصنع بيئة ضاغطة تقتلع الإنسان من جغرافيته وتدفعه نحو الحواف الضيقة للحدود في محاولة لخلق واقع يفرض الهروب الموجه.

لكن الميزان الاستراتيجي لهذه الحرب يروي حكاية أخرى، فإذا كانت الآلة العسكرية قد نجحت ميدانياً في فرض حركة نزوح قسرية ومؤلمة داخل القطاع، فإنها اصطدمت بفشل استراتيجي مدوٍّ في تحقيق أصل المخطط ، التهجير الجماعي العابر للحدود، لقد تحطم وهم التفريغ الديموغرافي أمام جدارين صلبين أولهما الوعي الشعبي التلقائي الذي أدرك أن الخروج هذه المرة يعني تكرار سيناريو النكبة الأولى بلا عودة، وثانيهما موقف إقليمي ورسمي صلب يرفض بشكل قاطع إعادة رسم الخرائط وتصفية القضية على حساب الجوار.

إن محاولة تغليف القسر بالإجلاء، والتضييق بالخيار، هي مغالطة قانونية وسياسية كبرى، فالقوانين الدولية والرواية التاريخية الحية تؤكدان أن صناعة الموت المباشر لتفريغ الأرض لا تمنح الفعل صفة الهجرة الطوعية بل تثبت عليه الجرم الصريح للتهجير القسري.

وتستمر الحرب في محاولاتها لإعادة كتابة جغرافيا القطاع، لكن النتيجة الثابتة حتى اللحظة هي أن غزة لم تتحول إلى مجتمع يطلب الهجرة، بل بقيت مجتمعاً يمارس الصمود بصفته الفعل السياسي الأخير والأقوى لإسقاط معادلة التهجير وإبقاء الأرض لأصحابها.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
--------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان وكاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

بين قسر التهجير ووهم الهجرة | غزة وإعادة تعريف الصمود