من قلب استديوهات التصوير ومواقع إنتاج الأعمال الدرامية في إسطنبول، اقترب الدكتور محمد ثروت، أستاذ الإعلام الرقمي، من كواليس صناعة أصبحت واحدة من أبرز صادرات تركيا الثقافية إلى العالم، في إطار برنامج إعلامي نظمته دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية لوفد من الصحفيين والإعلاميين الدوليين، تحت عنوان «الرواية العالمية للعلامة التجارية التركية: المسلسلات التلفزيونية التركية».
لم تكن الزيارة مجرد جولة داخل مواقع تصوير، وإنما محاولة لفهم الكيفية التي تحولت بها الدراما التركية، خلال نحو عقدين، من إنتاج محلي إلى صناعة عابرة للحدود، تصل إلى جماهير في أوروبا والعالم العربي وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتحمل معها اللغة والموسيقى والملابس وأنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية وصورًا متعددة عن المجتمع التركي.
وأقام الوفد الصحفي الدولي في منطقة أتاشهير الواقعة في الجانب الآسيوي من إسطنبول، لتكون نقطة انطلاق لجولات شملت عددًا من أبرز المؤسسات والاستديوهات ومواقع التصوير، من بينها استديوهات TRT واستديوهات ومنشآت إنتاج بوزداغ، إضافة إلى بلاتوه بيكوز، إلى جانب جولات في عدد من المناطق التاريخية والسياحية في المدينة.
من إسطنبول إلى العالم.. كيف بدأت الحكاية؟
خلال السنوات الماضية، تمكنت المسلسلات التركية من بناء حضور متزايد في الأسواق الخارجية، ولم تعد عملية تصديرها مقتصرة على بيع حقوق العرض، بل أصبحت مرتبطة بصورة أوسع للبلاد والثقافة والمجتمع.
وتكشف تجربة الدراما التركية عن نموذج تتداخل فيه الصناعة الفنية مع الاقتصاد والسياحة والترويج الثقافي، حيث يتحول المكان الذي يظهر على الشاشة إلى وجهة يرغب المشاهد في زيارتها، بينما تتحول الشخصيات والقصص إلى مدخل للتعرف على اللغة والعادات والموسيقى وأنماط الحياة.
وخلال البرنامج الإعلامي، جرى بحث هذه الظاهرة من خلال لقاءات مع مسؤولين ومنتجين وممثلين وصناع دراما، إلى جانب زيارات ميدانية أتاحت للصحفيين الدوليين مشاهدة أجزاء من عملية الإنتاج عن قرب.
الدراما التركية.. قصة نجاح في الدبلوماسية العامة
كان مفهوم الدبلوماسية العامة حاضرًا بقوة في جلسات البرنامج، خصوصًا خلال الندوة التي حملت عنوان «المسلسلات التركية: قصة نجاح في الدبلوماسية العامة».
وناقشت الندوة رحلة تطور الصناعة التركية، والعوامل التي ساعدت أعمالها على الوصول إلى جماهير بعيدة جغرافيًا وثقافيًا، إضافة إلى العلاقة بين النجاح التجاري للمسلسلات وبين قدرتها على تقديم صورة عن تركيا إلى الجمهور العالمي.
وقال رئيس الاتصالات في الرئاسة التركية البروفيسور برهان الدين دوران: إن الانتشار العالمي للمسلسلات التركية يعكس قدرة تركيا على رواية قصتها بنفسها والوصول إلى جماهير متنوعة في أنحاء العالم.
وبحسب ما طرح خلال البرنامج، تصل المسلسلات التركية إلى أكثر من مليار مشاهد في أكثر من 170 دولة، فيما أصبحت تركيا واحدة من أبرز الدول المصدرة للمحتوى الدرامي التلفزيوني عالميًا.
كما أُشير إلى النمو الكبير في القيمة الاقتصادية لصادرات المسلسلات التركية، مقارنة بما كانت عليه الصناعة في بدايات الألفية، بما يعكس التحول الذي شهدته الدراما من قطاع إنتاج تلفزيوني إلى صناعة ذات امتدادات ثقافية واقتصادية وسياحية.
81% بدأوا تعلم التركية من المسلسلات
ومن أكثر المؤشرات دلالة على التأثير الثقافي للدراما التركية، نتائج دراسة ميدانية شملت خمسة آلاف أجنبي يتعلمون اللغة التركية.
ووفق النتائج التي عرضت خلال البرنامج، قال 81% من المشاركين إن مشاهدتهم للمسلسلات التركية كانت نقطة البداية في رحلة تعلمهم اللغة.
وهنا لا تبدو الشاشة مجرد وسيلة للترفيه، وإنما تتحول إلى نافذة يتعرف من خلالها المشاهد على اللغة وطريقة النطق والموسيقى والأطعمة والملابس والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية.
من الاستديو إلى الشارع.. بيكوز تكشف تاريخ المكان
ومن المحطات اللافتة في برنامج الزيارة، كانت جولة الوفد الدولي في *بلاتوه بيكوز*، أحد المواقع التي تكشف كيف يمكن إعادة توظيف المكان التاريخي لخدمة صناعة الدراما.
فالبلاتوه يرتبط بتاريخ صناعي قديم، إذ كان الموقع في العصر العثماني مصنعًا للأحذية، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مساحة تستضيف إنتاج الأعمال الدرامية والتلفزيونية.
وخلال الجولة، اطلع الوفد على طبيعة المكان وكيف يمكن للدراما أن تعيد تقديم الفضاءات التاريخية والمعمارية بصورة جديدة أمام ملايين المشاهدين.
وتمنح مواقع التصوير المسلسل بعدًا بصريًا يتجاوز القصة نفسها؛ فالشارع والبيت والمقهى والسوق والواجهة البحرية قد تتحول جميعها إلى عناصر في ذاكرة المشاهد، وهو ما يفسر جانبًا من العلاقة بين الدراما والسياحة.
استديوهات TRT.. حيث تلتقي الصناعة بالتكنولوجيا
وشملت الجولة كذلك زيارة استديوهات *TRT*، حيث تعرف الوفد الدولي على جانب من البنية الإنتاجية التي تقف خلف صناعة المحتوى التلفزيوني التركي.
وأتاحت الزيارة التعرف على طبيعة العمل داخل الاستديوهات، ومراحل الإنتاج، ودور التقنيات الحديثة في صناعة الصورة التلفزيونية، فضلًا عن أهمية المؤسسات الإعلامية الكبرى في تطوير صناعة المحتوى وقدرتها على الوصول إلى جمهور داخل تركيا وخارجها.
ومن خلال هذه الجولة بدا واضحًا أن نجاح الدراما لا يعتمد على الممثل وحده، وإنما تقف وراء الشاشة منظومة متكاملة تشمل الكتابة والإنتاج والإخراج والتصوير والإضاءة والصوت والتسويق والتوزيع والمنصات الرقمية.
بوزداغ.. صناعة الدراما من خلف الكاميرا
ومن أبرز محطات البرنامج أيضًا زيارة استديوهات وبلاتوهات *بوزداغ*، حيث انتقل الوفد من مشاهدة الأعمال على الشاشة إلى الاقتراب من تفاصيل صناعتها خلف الكاميرا.
وتكشف هذه المواقع حجم العمل المطلوب لإعادة بناء البيئات التاريخية والاجتماعية التي تدور فيها أحداث المسلسلات، من الديكورات والأزياء إلى حركة الممثلين والكاميرات وإدارة المشاهد.
وهنا يظهر الفارق بين مشاهدة المسلسل على الشاشة ومشاهدة المكان الذي يُصنع فيه؛ فالمشهد الذي لا يستغرق سوى دقائق أمام المشاهد قد يحتاج إلى ساعات طويلة من التحضير والتصوير والإنتاج.
كما التقى الوفد خلال جولاته بعدد من العاملين في صناعة الدراما والممثلين، وهو ما أضاف إلى البرنامج جانبًا إنسانيًا ومهنيًا، وأتاح للصحفيين طرح أسئلة مباشرة حول أسباب انتشار الأعمال التركية خارج البلاد.
المنتج أونور غوفيناتام: نبحث عن المشاعر الإنسانية
وقال المنتج التركي أونور غوفيناتام: ان صناع الدراما التركية يحاولون تقديم أعمال قريبة من الجمهور، مع التركيز على المشاعر الإنسانية والعلاقات التي يمكن أن يفهمها المشاهد مهما اختلفت لغته أو ثقافته.
وأوضح أن الهدف هو أن يرتبط المشاهد بالشخصيات ويتفاعل معها، فيتأثر بحزنها ويفرح لنجاحها، معتبرًا أن المشاعر الإنسانية المشتركة تمثل أحد عناصر قدرة الدراما على عبور الحدود.
وأشار إلى اهتمام عدد من الأعمال التركية بالعلاقات الأسرية والحياة اليومية، بعيدًا عن التركيز الحصري على الجريمة والجوانب السلبية، بما يجعل العائلة والمجتمع والعلاقات الإنسانية جزءًا أساسيًا من الحكاية.
علي نوري تورك أوغلو: المسلسلات تمثل تركيا
ومن جانبه، أكد الممثل التركي علي نوري تورك أوغلوأن المسلسلات التركية أصبحت تمتلك حضورًا كبيرًا في الخارج، معتبرًا أن الأعمال الدرامية تمثل إحدى الوسائل التي يتعرف من خلالها الجمهور العالمي على تركيا.
وأوضح أن المشاهد لا يتابع القصة فقط، وإنما يكتشف من خلالها المدن والأحياء والمنازل وطريقة الحياة والعلاقات بين أفراد المجتمع.
وتحدث مشاركون آخرون من نجوم الدراما عن أهمية الوصول إلى الجمهور الخارجي، مشيرين إلى أن المسلسل الناجح يستطيع أن يأخذ المشاهد إلى داخل البيت التركي والحي التركي، ويقدم له تفاصيل ربما لا يعرفها من خلال الأخبار أو المواد السياحية التقليدية.
«متحف البراءة».. من صفحات أورهان باموق إلى الشاشة
وفي سياق موازٍ، تعكس الأعمال المستوحاة من الأدب التركي جانبًا آخر من العلاقة بين الثقافة والدراما، ومن أبرز الأمثلة تحويل رواية **«متحف البراءة»** للروائي التركي أورهان باموق إلى عمل درامي، بما يفتح المجال أمام انتقال الحكاية الأدبية من صفحات الكتاب إلى الصورة والشاشة.
وتكشف هذه التجربة عن اتساع دائرة المحتوى الذي يمكن أن تستند إليه الدراما، بحيث تتقاطع الرواية والأدب والتاريخ والمدينة مع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي.
إسطنبول.. مدينة تتحول إلى شاشة مفتوحة
لم تكن الجولات مقتصرة على الاستديوهات، إذ شمل البرنامج زيارة عدد من المواقع الشهيرة في إسطنبول، بينها قصر توبكابي مقر السلطان العثماني أوالباب العالي، وحي بلاط وحي فنار، حيث صورت أعظم الأعمال الدرامية التركية.
وهنا ظهرت بوضوح فكرة «السياحة الدرامية»، حيث لا يعود المشاهد راغبًا في متابعة القصة فحسب، وإنما يرغب في رؤية الأماكن التي ظهرت فيها الشخصيات.
فالمدينة التي تظهر في المسلسل تصبح جزءًا من الرواية، وقد يتحول أحد الشوارع أو المنازل أو المقاهي إلى نقطة جذب لجمهور من دولة بعيدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم العلاقة المتنامية بين صناعة الدراما والسياحة، إذ تقدم الأعمال التلفزيونية الأماكن التركية بصورة يومية وحية، بعيدًا عن الصورة التقليدية للإعلانات السياحية.
عندما تتحول الشاشة إلى خريطة سفر
ويشير برنامج الزيارة إلى أن قوة الدراما التركية لا تكمن فقط في أرقام المشاهدة، وإنما في قدرتها على بناء علاقة طويلة الأمد بين المشاهد والمكان.
فالمشاهد الذي يتابع قصة عائلة تركية، ويتعرف على منزلها وحيها ومطاعمها وشوارعها، قد ينتقل تدريجيًا من متابعة القصة إلى الرغبة في اكتشاف المكان الحقيقي.
وهكذا تتحول الشاشة إلى ما يشبه خريطة سفر غير مباشرة ويصبح المسلسل بوابة للتعرف على المدينة والثقافة واللغة والموسيقى.
الدراما كصناعة متكاملة
وتكشف الجولة التي شارك فيها الدكتور محمد ثروت والوفد الصحفي الدولي أن صناعة الدراما التركية لم تعد مجرد عملية إنتاج مسلسل وعرضه على شاشة تلفزيون.
فهناك منظومة تبدأ من اختيار القصة والسيناريو، مرورًا بالإنتاج والتصوير والديكور والممثلين، وصولًا إلى التسويق والتوزيع والمنصات الرقمية والأسواق الخارجية.
وفي قلب هذه المنظومة يأتي المكان باعتباره عنصرًا من عناصر الرواية، بينما تتحول الشخصيات إلى وسطاء ثقافيين ينقلون تفاصيل المجتمع إلى جمهور عالمي.
من الكواليس إلى الجمهور العالمي
وبالنسبة إلى الوفد الإعلامي الدولي، أتاحت الجولة الانتقال من الصورة النهائية التي يراها الجمهور على الشاشة إلى التفاصيل التي تسبقها خلف الكواليس.
فما يبدو للمشاهد مشهدًا بسيطًا في مسلسل قد يكون وراءه فريق كامل من المصورين والمخرجين ومصممي الديكور والملابس والإضاءة والصوت والإنتاج.
ومن هنا تكمن أهمية الزيارات الميدانية للاستديوهات والبلاتوهات؛ لأنها تكشف أن انتشار الدراما التركية عالميًا لم يأت من الشاشة وحدها، وإنما من صناعة متكاملة استطاعت أن تجمع بين القصة والصورة والمكان والتقنية والتسويق.
من الدراما إلى الدبلوماسية الثقافية
وتقدم التجربة التركية نموذجًا لافتًا في استخدام المحتوى الدرامي كجزء من الحضور الثقافي في الخارج، دون أن تنفصل الدراما عن أهدافها الأصلية بوصفها صناعة ترفيهية.
فالمسلسل في النهاية قصة وشخصيات ومشاعر، لكنه في الوقت نفسه يقدم للمشاهد لغة ومكانًا وثقافة وتفاصيل يومية.
ومن إسطنبول، حيث تتجاور القارات والثقافات، بدا واضحًا أن صناعة الدراما التركية استطاعت أن تستفيد من المدينة نفسها بوصفها عنصرًا بصريًا وسرديًا، وأن تجعل من مواقع التصوير جزءًا من الحكاية، ومن الحكاية جسرًا يصل إلى المشاهد في أماكن بعيدة.
وهكذا لم تعد الرحلة داخل استديوهات إسطنبول مجرد كشف لكواليس إنتاج المسلسلات، وإنما كانت قراءة في صناعة استطاعت أن تجعل الشاشة مساحة للدراما، وممرًا للتعريف بالثقافة، وبوابة لاكتشاف المكان.
















