17 - 09 - 2026

الحج نبع وحدة الأمة الإسلامية ومصدر قوتها

الحج نبع وحدة الأمة الإسلامية ومصدر قوتها

أود أن أستهل حديثي عن الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام وركنه العالمي ببيتين من الشعر نظمهما العلامة إقبال باللغة الأردية.

مصلحة هذه الأمة واحدة، وخسارتها واحدة، 

ونبيها واحد، ودينها واحد، وإيمانها واحد.

وحرمها المقدس واحد، وإلهها واحد، وقرآنها واحد، 

فيا له من أمر عظيم لو كان المسلمون أيضا أمة واحدة.

لقد أبدع العلامة إقبال في هذه الأسطر الأربعة تصوير مقومات وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها، وصاغها ببراعة فنية واقتدار أدبي في بناء بديع، جمع بين جمال التعبير وإيجاز اللفظ وإحكام النسج حتى قل أن يعثر له على نظير في شعر شاعر أو أدب لغة من لغات العالم.

وفي رحاب مكة المكرمة والمدينة المنورة ينبض قلب هذه الأصول والروابط الجامعة، وعلى ثرى تلك الديار المقدسة تؤدى مناسك الحج. وبعبارة أخرى، فإن مؤتمر الحج العالمي ينعقد في تلك البقاع كل عام، إحياء لعهد المسلمين مع هذه الأصول والروابط المشتركة، وتجديدا لميثاقهم معها.

حقا، إن الحج ليجدد في ذاكرتنا كل عام أن مصلحة هذه الأمة واحدة، وخسارتها واحدة، وأن نبينا واحد، وديننا واحد، وإيماننا واحد، وإلهنا الذي نؤمن به واحد. وليس بين المجتمعات الإسلامية اختلاف في هذه الأصول والروابط الجامعة. فقبلتنا واحدة، وبيت الله الحرام الذي نولي وجوهنا شطره من مشارق الأرض ومغاربها في صلواتنا الخمس كل يوم واحد، وحرمنا المقدس واحد، وكتابنا الذي يجمعنا جميعا واحد، هو القرآن المجيد.

ولن نجد في تاريخ البشرية، سوى الإسلام دينا أو أمة تجتمع لها من مقومات الوحدة والتماسك مثل هذه الأصول والروابط المشتركة، حية نابضة، عالمية شاملة، خالدة على مر الزمان. ثم ينعقد في كل عام مؤتمر عالمي لتجديد عهد الأمة مع هذه الأصول والروابط، يشارك فيه ممثلون من مختلف فئاتها، قادمون من جميع بلدانها.

ومن ثم، فإن حريا بالمفكرين والفلاسفة المسلمين أن يكرسوا فكرهم وفلسفتهم وجهودهم الدعوية لإبراز أهمية هذه الروابط الجامعة وعظيم شأنها، وتوظيفها في سبيل وحدة المسلمين ونهضتهم.

بيد أن مما يدعو إلى الأسف أن طائفة واسعة من المفكرين والعلماء المسلمين بدلا من أن يولوا هذه القضايا الجوهرية ما تستحقه من عناية، ينصرفون إلى الفروع والجزئيات، ويفرطون في الاهتمام بمسائل ثانوية قد تثير الفرقة والخلاف في بعض الأحيان.

ولهذه العبادة وهذا المؤتمر الإسلامي العالمي من الخصائص ما لا نجد له نظيرا حتى في عالم اليوم الذي يزعم لنفسه الحضارة. ففي عالمنا المعاصر تتعدد الهيئات والمنظمات الدولية التي تدعي العمل على إرساء السلام وتعزيز التضامن بين الأمم. غير أن أيا منها لا يضاهي الحج ولا يقاس به. ويمكن تبين بعض وجوه التمايز بينهما فيما يأتي:

فالحج ليس مؤتمرا يقتصر على رؤساء الدول وقادة المنظمات، بل هو ملتقى عالمي تتجلى فيه مشاركة ممثلين عن جميع الأمم ومختلف طبقات الناس، يفدون إليه من شتى بقاع الأرض وأقصى أرجائها.

وتفيض رسالة السلام العالمي التي يحملها الحج بروحانية عميقة، وتقوم فيه منظومة راسخة لنشر هذه الرسالة في أرجاء المعمورة على أيدي الحجيج.

وبينما ينصرف المشاركون في المنظمات العالمية الأخرى إلى تحقيق المآرب المادية وتحصيل المصالح الخاصة، تنصرف قلوب الحجيج وأفكارهم إلى المعاني الروحية، وتغمر نفوسهم مشاعر التسليم لله تعالى، ويلازمهم السعي الدؤوب إلى تجديد عهدهم مع غاية الحياة ومقاصدها.

وفي الحج يخلع الغني والفقير، والملك والرعية ثياب الفوارق التي تميز بعضهم عن بعض، ويرتدون زيا واحدا، ويتجهون إلى غاية واحدة، وتتعالى من حناجرهم أصداء لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فيجسدون على الصعيد العالمي أسمى معاني الوحدة والمساواة في ممارسة عملية حية.

غير أن الأمة الإسلامية لا تجني اليوم من الحج ثماره المرجوة على الوجه المنشود بسبب غفلة قادة العالم الإسلامي عن هذه المعاني. وتتمثل تلك الثمار في إقامة وحدة حقيقية وتضامن راسخ في العالم، وإحياء ما فقده الإسلام والمسلمون من تراث ومكانة وقوة.

وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، أود أن أضع بين أيدي العلماء والمفكرين جملة من المقترحات لتكون موضع نظرهم وتأملهم.

وأول ما ينبغي الالتفات إليه في هذا المقام هو مقاصد الحج وغاياته، فقد ذكر الله تعالى في القرآن المجيد في سياق تشريع فريضة الحج وأمره إبراهيم عليه السلام بأن يؤذن به في الناس كافة، مقاصد هذه الشعيرة المقدسة وما تنطوي عليه من منافع للأمة الإسلامية، فقال سبحانه وتعالى:

﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ۝٢٧ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ۝٢٨﴾ [سورة الحج: ٢٧ - ٢٨].

لقد جعلت الآيتان الكريمتان تحصيل منافع الأمة الإسلامية ومصالحها مقصدا أصيلا من مقاصد الحج، وغاية جليلة من غاياته. والمنافع جمع منفعة، وهي لفظة تتسع لتشمل شتى المصالح والخيرات الدينية والدنيوية. غير أن المصلحة التي تجمع شتات المصالح، والمنفعة التي تنتظم سائر المنافع، إنما هي وحدة المسلمين وتضامنهم، وقد أولتها آيات عديدة من القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة عناية خاصة.

١. التفكير والتخطيط لإقامة حكومة إسلامية موحدة في العالم أجمع، إن نقل الوحدة الإسلامية من حيز الشعار إلى ميدان الواقع يقتضي بالضرورة أن تجتمع الأمة الإسلامية في أرجاء المعمورة تحت ظل حكومة واحدة، يقودها إمام واحد أو خليفة للمسلمين. ولعل هذا الأمر يبدو في ظل الأوضاع الراهنة التي يشهدها العالم بالغ الصعوبة والتعقيد، بل قد يبدو مستحيلا. ولكن، أفلا يسعنا على الأقل أن نبعث هذه الفكرة الحقة والرؤية الواقعية من جديد في نفوسنا ومجتمعاتنا؟ فذلك في جوهره هو السبيل العملي للاعتصام بحبل الله الذي أمر به القرآن المجيد، إذ قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

وإن استحياء هذا الأمل في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من شأنه أن ينبت في نفوسهم مشاعر الوحدة الإسلامية والقوة، ويوقظ الوعي بهما. وهذه الرؤية بعينها هي التي تقرب بين عقولنا ووجداننا، وتجمعها على التطلع إلى الدولة العالمية القائمة على العدل في عهد الإمام المهدي عليه السلام. وفي هذا السياق، يبدو أن من السبل العملية الممكنة نشر فكرة إقامة حكومة إسلامية عالمية، وإيقاظ الوعي بها، والتحذير من مغبة الفرقة والتشتت وما يجرانه من أضرار، ولا سيما استحضار ذكرى سقوط الدولة العثمانية في القرن الماضي، وتحليل الأسباب التي أفضت إلى انهيارها. ويمكن النظر إلى إقامة اتحاد كونفدرالي بين الدول الإسلامية، وإنشاء سوق مشتركة قوية فيما بينها، وتشكيل قوة لحفظ السلام، وما إلى ذلك بوصفها خطوات تمهد السبيل لإقامة حكومة إسلامية موحدة في العالم الإسلامي.

٢. استيعاب معاني الحج في ضوء القرآن والسنة والتاريخ.

إن الانتفاع بدروس الحج وتعاليمه يقتضي تناول الآيات القرآنية المتعلقة به، والأحاديث النبوية الشريفة الواردة في شأنه، وتاريخ البقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بالتفسير والتحليل، ونشر ذلك في أرجاء المعمورة.

وعندئذ تنجلي للناس تعاليم الحج ومقاصده، ويتيسر للجميع إدراك أن الكعبة المشرفة منارة هداية للبشرية جمعاء. فلا ينبغي أن يقتصر الجهد في موسم الحج على توزيع الكتيبات المتعلقة بمسائله وأحكامه الفقهية، وكأن المسؤولية قد أديت بذلك، ولم يبق وراءها واجب يؤدى.

٣. إثراء خطب موسم الحج.

ينبغي إيلاء الخطب الواجبة والمستحبة في موسم الحج كخطب عرفة ومنى، عناية بالغة، والحرص على إلقائها بما يليق بعظيم شأنها وجليل مكانتها. ولا بد أن تستلهم هذه الخطب روح خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وتعكس معانيها ومضامينها، وأن تتناول قضايا العالم الإسلامي ومشكلاته، وتقدم التوجيهات لمعالجتها، وترسم للدول والمجتمعات الإسلامية معالم الطريق للعام المقبل. وفي هذا الإطار، يمكن أن تضطلع لجنة منبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي بمسؤولية تحديد موضوعات خطب الحج ومضامينها، وأن تؤدي دورا استشاريا في هذا الشأن.

٤. التعرف إلى التراث الإسلامي والثقافة الإسلامية في البلدان المسلمة.

إن من أبرز العوائق الجوهرية التي تحول دون تحقيق الوحدة والتضامن بين أبناء الأمة الإسلامية افتقار شعوبها ومجتمعاتها إلى التعارف المتبادل، وقلة ما يعرف بعضها عن بعض من إمكانات وطاقات واعدة. ويمكن لموسم الحج أن ينهض بدور جليل في سد هذه الثغرة. ولسد هذا النقص، يقترح أن تلزم حكومة المملكة العربية السعودية، حين تعلن الحصص المخصصة لحجاج كل دولة في كل عام، بعثات الحج باصطحاب كتب ومؤلفات تعرف بتاريخ دخول الإسلام إلى بلدانها، وأثره فيها، وتراثها الإسلامي، ومواقعها المقدسة، وانتشار التعليم والتربية الإسلامية فيها، ومؤسساتها الإسلامية، وما قدمه أبناؤها البارزون من خدمات جليلة وإسهامات للإسلام والمسلمين. ويمكن النظر في إقامة معرض إعلامي دولي خلال موسم الحج، تعرض فيه هذه الكتب والمؤلفات ليكون سبيلا عمليا فعالا إلى توثيق عرى التعارف بين المسلمين في شتى بقاع الأرض، وتعميق أواصر التضامن بينهم.

٥. وضع الخطط للنهوض باقتصاد الأمة الإسلامية وتحقيق ازدهارها. لا تعارض بين أداء مناسك الحج وممارسة الأنشطة الاقتصادية في موسمه، ولا تنافي بينهما. وفي هذا السياق، يجدر الوقوف عند حديث للنبي الكريم ﷺ رواه الإمام البخاري رحمه الله باللفظ الآتي:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:

كَانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. صحيح البخاري.

يتجلى من الآية الكريمة والحديث الشريف أن ممارسة الشؤون الدينية والدنيوية في موسم الحج تندرج في جملة المصالح والمنافع التي يشملها قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.

كما يستفاد من ختام الآية الكريمة أن الحج ينبغي أن يتضمن برامج اقتصادية ترعى مصالح الفقراء والمحتاجين مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.

ولا مراء في أن نيل العزة والمكانة الرفيعة بين أمم الأرض يقتضي أن تستند كل أمة إلى قاعدة اقتصادية راسخة ودعائم متينة. ويمكن لموسم الحج، في هذا المضمار أن يكون جسرا يصل بين أرجاء العالم الإسلامي. ولإثبات ما لهذه القضية من أهمية وما تقتضيه من عناية في الإسلام، يمكن إيراد شواهد وأدلة كثيرة. فعلى سبيل المثال، إن أولى المعارك التي خاضها المسلمون ضد مشركي مكة، وهي غزوة بدر، وقعت إثر السعي إلى اعتراض قافلة أبي سفيان التجارية، التي كانت تسهم في توطيد الأساس الاقتصادي لمشركي مكة. ومن أجل هذه الغاية، حث رسول الله ﷺ أصحابه الكرام على الجهاد في سبيل الله. وإذا كان المسلمون اليوم لا يرون بأسا في شراء الملابس والأثاث المنزلي خلال موسم الحج، فأي حرج في أن يسخر المفكرون ورجال الأعمال المسلمون أفكارهم وبحوثهم في هذا الموسم للنهوض باقتصاد العالم الإسلامي وتحقيق نمائه وازدهاره؟

ومما يجدر بنا استحضاره في هذا المقام أن إبراهيم عليه السلام عقب تأسيس مدينة مكة لم يغفل الجانب الاقتصادي في دعائه إلى الله تعالى، بل ضمنه هذا المطلب، إذ تضرع إلى ربه قائلا:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧].

وفي هذا المقام، أود أن أتقدم بمقترح محدد، يتمثل في إقامة معرض دولي للكتالوغات التجارية في مكة المكرمة أو جدة خلال موسم الحج، تعرض فيه القدرات التجارية للبلدان الإسلامية وما تزخر به من إمكانات واعدة ليتسنى للتجار والمسؤولين الحكوميين المشاركين في الحج أن يزوروا المعرض بعد الفراغ من أداء مناسكه، ويستكشفوا سبل توسيع آفاق التجارة في العالم الإسلامي.

٦. وختاما، أود أن أدعو إلى تعميم تقليد إصدار رسائل من رؤساء الدول وقادة العالم الإسلامي، تتناول الموضوعات المتقدمة أو غيرها، وتعرض ما تعانيه بلدانهم من آلام ومحن، ونشر هذه الرسائل في أرجاء المعمورة، إيقاظا للوعي العام بتعاليم الحج، وبعثا لروح النهضة على هديها. ويمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تضطلع بدور ريادي في هذا المضمار.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للانتفاع الكامل بمؤتمر الحج العالمي. وبهذه الكلمات القليلة، أختتم حديثي.

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود: ٨٨].
------------------------------------
بقلم: 
د. محمد عيسى الشاهدي
* ترجمة: أحمد شوقي عفيفي


مقالات اخرى للكاتب

الحج نبع وحدة الأمة الإسلامية ومصدر قوتها